في إطار جهود تونسية لإعادة صياغة الخطاب الديني، دعا وزير الشؤون الدينية أحمد البوهالي إلى تحديث الإعلام الديني بما يتوافق مع حاجات المجتمع المعاصر، مؤكداً دوره في تعزيز الفكر الإسلامي المستنير وحماية الشباب من التطرف.
لكن السؤال المحوري الذي يطرحه مراقبون وخبراء: هل يمكن ضبط الخطاب الديني في تونس وضمان حرية المعتقد مع مكافحة التطرف في الوقت ذاته؟
تونس بعد 21 يوليو.. فرصة لتجديد الخطاب الديني
قال الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة أعلية العلاني، خلال حديثه لـ"ستوديو وان مع فضيلة" على سكاي نيوز عربية إن المرحلة التي تلت خروج تيار الإسلام السياسي من الحكم شكلت فرصة لإعادة ترميم الأوضاع، لا سيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية.
وأضاف العلاني أن العملية استغرقت وقتا معقولا، وأدت إلى استقرار نسبي، لكن في الوقت نفسه لم تعقد مؤتمرات كافية لوضع أسس الفكر التنويري في الشؤون الدينية، الأمر الذي ظل يشكل فراغا يحتاج إلى معالجة.
وأوضح العلاني أن تصريحات بعض المسؤولين تأتي متزامنة مع دخول شهر رمضان، الذي يشهد عادة المسامرات الدينية والندوات التحفيظية للقرآن.
إلا أن هذا العام شهد تنظيم ندوات ومؤتمرات تتناول الجوانب التنويرية في الإسلام، وهو ما لم يكن متاحا قبل خروج تيار الإسلام السياسي من الحكم، مشيرا إلى أن المجال أصبح مفتوحا أمام الحكومات الجديدة بعد 21 يوليو 2022، خصوصا بعد الحملات الأمنية الناجحة التي قلصت العمليات الإرهابية وتبييض الأموال.
المساجد والجامع.. منصات لتثبيت الفكر التنويري
أكد العلاني أن تونس تضم نحو 6700 مسجد وجامع، بما يتناسب مع عدد السكان البالغ 12 مليون نسمة. وفي شهر رمضان يزداد ارتياد هذه الأماكن الدينية، التي كانت في السابق مؤطرة إلى حد كبير من قبل التيار المتشدد.
وأضاف أن الحكومة والمجتمع المدني، وخاصة التيار التنويري، يجب أن يملأوا هذا الفراغ من خلال خطاب ديني مصحح، يهدف إلى إعادة تأصيل المفاهيم الدينية وتصحيح العلاقة بين الدين والدولة، وتجنب المصطلحات التي استخدمها التيار المتطرف مثل "الخلافة" و"الولاء"، والتي كانت تشكل أساسًا لتجنيد الخلايا الإرهابية في سوريا والعراق وليبيا ودول أخرى.
وأوضح العلاني أن تصحيح هذه المفاهيم يشمل مراجعة الفكر المتشدد حول الجهاد، حيث أن الجهاد ليس عمل جماعات مسلحة أو تنظيمات موازية، بل يمكن أن يكون جهاد النفس أو جهاد العلم، مع مراعاة أن الجهاد المسلح يجب أن يكون تحت إشراف الدولة والنظام السياسي والجيش الوطني، بما يضمن الأمن والاستقرار، ويحد من فرص استقطاب الشباب نحو الجماعات الإرهابية.
الجهاد الافتراضي.. التحدي الجديد
وأشار العلاني إلى أن سقوط " داعش" في دولته الترابية بين سوريا والعراق منذ 2018 أدى إلى انتقال التجنيد الإرهابي إلى "الخلافة الافتراضية"، حيث تتم عمليات استقطاب الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة تجاوزت 70%.
ولفت إلى أن عدم التفكير في فكر بديل ومصطلحات جديدة تعاكس الفكر المتطرف قد يؤدي إلى إعادة ظهور الانفلات الأمني الذي كان موجودا في السابق.
وشدد العلاني على ضرورة تطوير الخطاب الديني التنويري ليواكب هذه التحولات، مؤكدا أن إعادة تشكيل هذا الخطاب ليست خيارا بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الأمن المجتمعي وتقليل فرص تجنيد الشباب من قبل الجماعات المتطرفة.
التحديات والآفاق المستقبلية
يرى العلاني أن التجربة التونسية تقدم نموذجا مهما لإعادة النظر في دور المؤسسات الدينية والمدنية في مواجهة الفكر المتشدد.
فالفراغ الذي خلفه خروج تيار الإسلام السياسي من الحكم يمثل فرصة لإطلاق مشاريع توعوية ومؤتمرات وندوات تعنى بتعزيز الفكر التنويري، ونشر مفاهيم تصحيحية حول الجهاد والعلاقة بين الدين والدولة.
واختتم الخبير حديثه بالتأكيد على أن هذه المرحلة تتطلب تضافر جهود الحكومة والمجتمع المدني والفضاءات الدينية لتأسيس خطاب جديد قادر على مواجهة التطرف، وتحقيق استقرار مجتمعي طويل الأمد، بما يضمن أن يكون الدين مصدر قوة ووحدة وليس أداة لتقسيم المجتمع واستغلال الشباب في مسارات عنيفة.
المصدر:
سكاي نيوز