يتابع الفلسطينيون بقلق وترقب التطورات السياسية في فنزويلا، إذ تعد فنزويلا منذ نحو 3 عقود من أكثر الدول مناصرة للقضية الفلسطينية، ورفضا للاحتلال الإسرائيلي.
واعتقلت السلطات الأميركية خلال عملية عسكرية في كاراكاس، السبت، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتادته إلى نيويورك لمحاكمته، معلنة عزمها على إدارة مرحلة انتقالية في فنزويلا.
وفضلا عن المواقف السياسية، فإن فنزويلا تقدم مئات المنح الدراسية لطلبة فلسطينيين، كما أنها أقامت مستشفى "هوغو تشافيز" للعيون، الذي افتتح رسميا عام 2021 في بلدة ترمسعيا شرق مدينة رام الله.
في ظل التطورات الحالية، تبدو آراء المحللين متباينة بين فريق لا يتوقع تغيرا في سياسة فنزويلا تجاه فلسطين ما دامت ديلسي رودريغيز نائبة الرئيس تسيّر البلاد، في حين لم يستبعد فرق آخر صعود تيار يميني متطرف، مثلما حدث مع دول أخرى في أميركا اللاتينية انقلبت علاقتها مع الفلسطينيين إلى النقيض مثل تشيلي.
مع تولي تشافيز رئاسة البلاد عام 1998، شهدت السياسة الفنزويلية تحولا لافتا إلى جانب القضية الفلسطينية تطور لاحقا إلى طرد السفير الإسرائيلي وكامل طاقم السفارة من كاراكاس وإعلان القطيعة الدبلوماسية الكاملة والنهائية مع إسرائيل عام 2009، والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها في العام ذاته.
ونظرا لخصوصية تلك العلاقة، نظم نشطاء مساء أمس السبت وقفة وسط مدينة رام الله رفعوا خلالها صور مادورو ولافتات تعبر عن التضامن مع فنزويلا "ضد العدوان الأميركي".
وفي حين أدانت حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) "العدوان الأميركي (…) واختطاف الرئيس مادورو وزوجته" واعتبرته "انتهاكا خطيرا للقانون الدولي (…) وامتدادا للسياسات الأميركية الظالمة"، قالت حركة المبادرة الوطنية إن "الاعتداء يمثل تطورا خطيرا ينذر بانهيار كامل للقانون الدولي (…)، ويظهر خطورة الوضع في العالم عندما تصبح القوة العسكرية وحدها هي المقرر والمرجع الوحيد في العلاقات الدولية".
أما الموقف الرسمي، فاقتصر على بيان قالت فيه وزارة الخارجية إنها تتابع "ببالغ الاهتمام الأوضاع الراهنة في جمهورية فنزويلا وأوضاع الجالية الفلسطينية والطلبة وسفارة دولة فلسطين".
وشددت على ضرورة التزام الجالية الفلسطينية بتعليمات وإرشادات السلطات المحلية، وتوخي أقصى درجات الحيطة والحذر واليقظة، وتقليل الحركة إلى الحد الأدنى، والبقاء في المنازل أو أماكن السكن، بما في ذلك السكنات الطلابية والابتعاد عن التجمعات أو التحركات العسكرية.
ولا تتوفر معطيات دقيقة حول عدد أفراد الجالية الفلسطينية في فنزويلا، غير أن تقديرات نشرت عام 2019 أشارت إلى أنهم بين 10 آلاف و15 ألفا.
عن طبيعة العلاقة بين فلسطين وفنزويلا، يقول الصحفي الفلسطيني عمر نزال إنها "قديمة ومتينة"، وترسخت في عهد هوغو تشافيز (1998-2013) على شكل دعم سياسي مباشر وتأييد كبير للقضية والنضال الفلسطيني ضد الاحتلال، لدرجة طرد السفير الإسرائيلي من البلاد إثر الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2009.
وأشار نزال -في حديثه للجزيرة نت- إلى استمرار الدعم الفنزويلي في عهد الرئيس مادورو، وهذا ما يجعل الموقف الفلسطيني من التطورات الجديدة هو إدانة الاعتداء الأميركي على الرئيس وعلى فنزويلا.
ورجح أن تستمر العلاقة بين فنزويلا وفلسطين ما دام بقي النظام خارج قبضة وسيطرة الولايات المتحدة، وفق ما صرحت به رودريغيز بأن هناك رئيسا واحدا فقط للبلاد هو مادورو، "وهذه بارقة أمل أن فنزويلا ستستمر على نهج الرئيس مادورو".
من جهته، يقول الكاتب السياسي صالح صُب لبَن إن ما جرى مع مادورو "تجاوز كل الأعراف والقوانين والأخلاق"، رافضا الذريعة الأميركية بملاحقة المخدرات، ومعتبرا أن الهدف ثروات البلاد.
وتابع -في حديثه للجزيرة نت- أن مواقف فنزويلا ظلت إلى جانب القضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، لكن الوضع في المستقبل يشي بغير ذلك، وأنه سيكون بالاتجاه المعاكس في حال وضعت الولايات المتحدة يدها على القرار السياسي هناك.
ولم يستبعد صب لبن أن تلقي التطورات الحاصلة في فنزويلا بظلالها على علاقة باقي الدول المنحازة إلى جانب القضية الفلسطينية، موضحا: "بعد ما حدث مع مادورو، فإن كثيرا من الأنظمة التي تصطف مع قضايا الشعوب ستعيد حساباتها".
بدوره، يرى المحلل السياسي أحمد أبو الهيجا -الذي سبق أن أقام في فنزويلا- أن مستقبل العلاقة بين فلسطين وفنزويلا يعتمد على طبيعة التغييرات القادمة في النظام السياسي للبلاد، لكنه يقول إن أجزاء كبيرة من النظام السياسي متماسكة "وغالبا، ربما لا تكون هناك تغيرات جذرية".
لكن القلق يكون واردا في حال تغيّر النظام، يوضح أبو الهيجا في حديثه للجزيرة نت، مبينا أن أميركا اللاتينية تشهد تحولا نحو اليمين، وهنا تكمن الإشكالية، حيث تنقلب العلاقة على العكس تماما كما في تشيلي.
وأوضح أن كل الدول التي شهدت صعود اليمين الفاشي في أميركا اللاتينية أصبحت تعادي الفلسطينيين وتقترب من إسرائيل.
عن الجالية الفلسطيني في فنزويلا، قال إنها منقسمة أيضا، وإن جزءا منها ينضوي تحت اليمين لاعتبارات داخلية اقتصادية وأخرى لها علاقة بحماية الأسرة.
وأشار إلى أن فنزويلا سبق أن أعلنت عن ألف منحة دراسية للطلبة الفلسطينيين للدراسة في جامعاتها، خاصة تخصص الطب، فضلا عن احتضانها مهاجرين من قرى مدينة رام الله وبلدة بيت ساحور شرق مدينة بيت لحم وأغلبهم يعملون في التجارة.
وعام 2014 وافقت الحكومة الفنزويلية على استقبال 100 من الطلبة الفلسطينيين في دفعة أولى ضمن ألف منحة على عدة سنوات، وذلك تحت مسمى "منحة الرئيس الشهيد أبو عمار".
المصدر:
الجزيرة