آخر الأخبار

تدحرج الحلفاء من دمشق إلى كاراكاس.. ما الرسالة التي يحملها سقوط مادورو إلى طهران؟

شارك

في وقت لم تنته فيه عطلة رأس السنة الميلادية بشكل كامل بعد، أشار بعض مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، في الساعات الأولى من فجر يوم السبت 3 كانون الأول/يناير، إلى ارتفاع مفاجئ في مبيعات البيتزا في محيط البنتاغون، وهو أمر يفسر في الأدبيات غير الرسمية للفضاء الرقمي على أنه مؤشر على عملية عسكرية أميركية في مكان ما من العالم.

وبغض النظر عن الطابع المبالغ فيه لمثل هذه التفسيرات، فإن الواقع يتمثل في أن تزامن عدة تطورات جيوسياسية مهمة أعاد تسليط الضوء مجددا على السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتداعياتها على حلفاء واشنطن وخصومها، من تطورات فنزويلا إلى إيران وسوريا، وما هو أبعد من ذلك.

ترامب ورسائل مألوفة

لم يمتنع دونالد ترامب ، رئيس الولايات المتحدة، حتى في الأيام الأولى من العام الميلادي الجديد، عن توجيه رسائل مباشرة ضد ايران. وهي رسائل تزامنت مع تطورات مهمة في أميركا اللاتينية وأفريقيا، من الهجوم المباشر على كراكاس وسقوط نيكولاس مادورو، إلى العمليات العسكرية ضد مواقع تنظيم داعش في شمال نيجيريا، والتي نفذت، على ما يبدو، بطلب من الحكومة المركزية في هذا البلد.

النقطة اللافتة لبعض المحللين هي القاسم المشترك بين الدول الثلاث: إيران وفنزويلا ونيجيريا ، والمتمثل في كونها دولا نفطية. وهنا يطرح السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة، في ظل حساسية سوق الطاقة العالمية، تسعى إلى لعب دور أكثر بروزا في المعادلات النفطية، وربما حتى التأثير في منظمة أوبك. ومع ذلك، أعلن مسؤولون في قطاع النفط الفنزويلي أن المنشآت الرئيسية في البلاد، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، لم تتعرض لأضرار، وأن الإنتاج والتكرير مستمران.

سقوط مادورو

لا ينظر إلى سقوط نيكولاس مادورو على أنه مجرد تحول داخلي في فنزويلا. فهذا الحدث يحمل أهمية مضاعفة لطهران، إذ كانت فنزويلا خلال السنوات الأخيرة أحد أقرب حلفاء إيران، وقد نشأت بين البلدين تعاونات اقتصادية ونفطية وأمنية واسعة. بدءا من العلاقات الوثيقة بين طهران وكراكاس خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد وعلاقته الوثيقة بهوغو تشافيز، وصولا إلى المشاريع الكبرى التي نفذتها الحكومات الإيرانية في مجالات اقتصادية ولوجستية مختلفة داخل فنزويلا.

هذه التعاونات، التي اقترنت في كثير من الحالات باستثمارات إيرانية بمليارات الدولارات، ولا سيما من قبل جهات مرتبطة بالحرس الثوري، قامت أساسا على التقارب الأيديولوجي والمعارضة المشتركة للولايات المتحدة. واليوم، ومع سقوط حكومة مادورو، يكتنف الغموض مصير هذه الاستثمارات والمطالبات المالية الإيرانية المتأخرة، وذلك في وقت تعاني فيه إيران نفسها من أزمة اقتصادية حادة ونقص في الموارد من العملات الأجنبية.

الاحتجاجات في إيران وظلال التطورات الخارجية

تأتي هذه التطورات في وقت دخلت فيه الاحتجاجات الشعبية في إيران مرحلة جديدة، بدعم من رسائل ترامب، واتسع نطاقها ليشمل العديد من المدن الإيرانية. ومن منظور مراقبين داخليين وخارجيين، لا يمكن اعتبار تزامن سقوط حليف استراتيجي في أميركا اللاتينية مع تصاعد الاضطرابات داخل إيران أمرا عشوائيا.

ولا سيما بعد الحرب التي استمرت 12 يوما، وما يصفه بعض المحللين بـ"الشرخ الأمني" في البنية الدفاعية الإيرانية، حيث طرحت تكهنات غير مؤكدة في الأوساط الإعلامية حول ازدياد هشاشة قادة إيران، وبخاصة احتمال التصفية الجسدية لعلي خامنئي .

رد القيادة وخط الفصل المألوف

في هذا السياق، عاد علي خامنئي، مرشد إيران، إلى التمييز بين "المعترضين" و"مثيري الشغب"، محذرا من أنه لن يتراجع أمام ما يصفه بمحاولات إسقاط النظام. وليس واضحا ما إذا كان هذا الموقف قد صيغ قبل سقوط حكومة مادورو أم بعده، غير أن تزامنه مع تطورات فنزويلا اعتبره كثيرون ذا دلالة. وقد أدلى مرشد إيران بهذه التصريحات صباح السبت، خلال اجتماع مع عائلات القتلى، مؤكدا أنه "سيجبر العدو على الركوع".

من دمشق إلى كراكاس

أثارت تجربتا سوريا وفنزويلا، وهما دولتان حظيتا كلتاهما بدعم سياسي وعسكري من روسيا، تساؤلات جديدة حول دور موسكو في معادلات القوة. فقد سقط النظامان، رغم دعم فلاديمير بوتين، خلال فترة قصيرة وبوتيرة متسارعة.

ودفعت هذه التجربة بعض المحللين إلى الحديث عن احتمال وجود "صفقات أكبر" بين القوى العالمية، حيث قد يحدد مصير الحلفاء الإقليميين في إطار مقايضات جيوسياسية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. ووفق هذا التحليل، لا تستثنى إيران من هذه القاعدة.

الاعتماد على الشرق ضمان أم هشاشة؟

شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة اعتمادا ملحوظا على روسيا، حتى إنها وقعت اتفاق تعاون طويل الأمد لمدة 20 عاما مع موسكو. غير أن عددا من الخبراء يعتقدون أن هذه الاتفاقات لا تحمل بالضرورة قيمة استراتيجية دائمة بالنسبة للكرملين، وأن طهران قد تتحول بسهولة إلى ورقة يمكن التخلي عنها إذا تغيرت موازين المصالح.

وخلال الحرب التي استمرت 12 يوما، اقتصر دعم فلاديمير بوتين لإيران إلى حد كبير على المستوى السياسي والدبلوماسي، دون مؤشرات على دعم عملي أو ردع عسكري فعال من جانب موسكو، أو على الأقل لم يتم الإعلان عنه. وفضّلت روسيا، رغم العلاقات الاستراتيجية المعلنة مع طهران، تجنب تصعيد التوتر مع إسرائيل والولايات المتحدة، وحصرت دورها في مواقف عامة تدين الهجمات وتدعو إلى ضبط النفس، وهو ما اعتبره كثيرون في إيران دليلا إضافيا على إخلال الكرملين بالتزاماته وتغليب مصالحه الآنية. ومع ذلك، لا تزال طهران تعتمد على روسيا، ربما ليس بدافع ثقة عميقة، بل بسبب غياب البدائل في ظل العقوبات والعزلة الدولية.

وقد فرض الاعتماد المتبادل في مجالات مثل بيع الطاقة، والتعاون العسكري، والملف النووي، وتحقيق التوازن في مواجهة الغرب، على إيران الإبقاء على علاقتها مع موسكو كشراكة تكتيكية، حتى في ظل تجارب مكلفة وتراكمات من عدم الثقة؛ شراكة تقوم على الضرورة والإكراه الجيوسياسي أكثر مما تقوم على الوفاء، ولا سيما أن التعاون الإيراني مع روسيا في حرب أوكرانيا ألحق كلفة باهظة، وربما غير قابلة للتعويض، بعلاقات طهران مع بروكسل.

كيف تنظر الصين إلى إيران؟

يرى كثير من المحللين أن الصراع الرئيسي في النظام العالمي الحالي هو صراع اقتصادي بين الولايات المتحدة والصين أكثر منه صراعا سياسيا أو أيديولوجيا. غير أن المواقف الأخيرة لبكين تجاه طهران تظهر أن نظرة الصين إلى إيران لا تختلف جوهريا عن النهج البراغماتي والمصلحي لروسيا. فالصين، شأنها شأن موسكو، تستخدم إيران أساسا كورقة جيوسياسية ومصدر طاقة رخيص في مواجهة الغرب، وتتجنب في اللحظات الحساسة تقديم دعم مكلف أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

ويتعارض هذا النهج مع تصورات جزء من الحاكمة في إيران التي ترى في "الشرق" سندا موثوقا. كما يوجد انقسام واضح داخل التيار الشرقي في إيران بين من يعتبر الصين نموذجا للتنمية وشريكا استراتيجيا مستقبليا، ومن لا يزال يراهن على موسكو. لكن التجربة أظهرت أن القوتين الشرقيتين، مثل أي دولة واقعية في العلاقات الدولية، تعطيان الأولوية لمصالحهما الاقتصادية وموازنة القوى، أكثر من التزامهما ببقاء إيران السياسي أو مصالحها طويلة الأمد.

اقتصاد منهك ووعود متأخرة

تلقي كل هذه العوامل بظلالها على إيران في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد من ضغوط العقوبات، والتضخم المرتفع، والتراجع الحاد في القوة الشرائية للمواطنين. ويرى كثير من المنتقدين أن وعود المسؤولين لتحسين الوضع المعيشي أقرب إلى مسكنات قصيرة الأمد منها إلى حلول عملية، ووعود متأخرة ذات تأثير محدود، حتى إن بعضهم وصفها، مع تعمق الأزمة الاقتصادية، بأنها "دواء بعد فوات الأوان"، أو "دواء وهمي" لم ينجح حتى الآن في التخفيف من مرض الاقتصاد الإيراني المستعصي.

ما الذي يعنيه سقوط الأنظمة لطهران؟

يثير سقوط أنظمة أقامت علاقات وثيقة مع الجمهورية الإسلامية خلال السنوات الأخيرة، من بشار الأسد في سوريا إلى نيكولاس مادورو في فنزويلا، تساؤلا حتميا حول الرسالة التي تحملها هذه التطورات لطهران.

هل هي مجرد نتيجة للظروف الداخلية لكل دولة، أم مؤشر على تغيير في نهج القوى الكبرى تجاه حلفائها المتشددين؟ لا تزال الإجابة غير واضحة. لكن ما يبدو مؤكدا هو أن تزامن الضغوط الخارجية، والاضطرابات الداخلية، وانهيار الحلفاء، وضع ايران في واحدة من أكثر المراحل السياسية والاقتصادية تعقيدا في السنوات الأخيرة.

مصدر الصورة بشار الأسد وفلاديمير بوتين AP

أزمة كان لا بد أن تقع

لا تعد الاحتجاجات الأخيرة في إيران، التي أشعل فتيلها الانهيار الاقتصادي العميق وتدهور معيشة المواطنين، حدثا مفاجئا أو غير متوقع. فهي ليست نتيجة صدمة عابرة، بل حصيلة تراكم طويل الأمد من الضغوط الاقتصادية، وعدم الاستقرار المزمن، والتآكل التدريجي للثقة العامة، أزمة كان بروزها مسألة وقت.

إلى جانب التضخم المزمن، والانخفاض المستمر في قيمة العملة الوطنية، والتراجع الحاد في القوة الشرائية، ساهم الإدراك الواسع للفساد البنيوي وتعميق الفجوة الطبقية في تأجيج السخط الاجتماعي. وهي فجوة لا تقتصر على الدخل، بل تنعكس في أنماط الحياة، وفرص الوصول، وحتى في نبرة ومضمون الخطاب الرسمي تجاه المواطنين، خطاب يتناقض في كثير من الأحيان مع سلوك وأنماط عيش بعض النخب السياسية والاقتصادية.

وفي السنوات الأخيرة، تحولت أخبار وصور بعض القضايا المالية أو أنماط حياة مقربين من السلطة، مثل الجدل حول ملفات اقتصادية تتعلق بشخصيات ككاظم صديقي، إمام الجمعة السابق في طهران، أو التغطية الواسعة لحفل زفاف ابنة علي شمخاني، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، والذي وصف بأنه "مكلف وخارج عن العرف الإسلامي"، إلى رموز مؤقتة للغضب والشعور بالظلم لدى الرأي العام. ورغم خروج هذه القضايا لاحقا من دائرة الاهتمام الإعلامي، فإنها بقيت في أذهان كثير من المواطنين بوصفها مؤشرات على نمط أوسع.

والواقع أن هذه الأمثلة ليست حالات استثنائية، بل مجرد مظاهر محدودة لظاهرة بنيوية أعمق، أدت بفعل تكرارها واستمرارها إلى استنزاف قدرة المجتمع على التحمل تدريجيا.

تابع يورونيوز فارسي على X

يعيش المجتمع الإيراني اليوم حالة مزدوجة ومتناقضة: فمن جهة، يحمل في ذاكرته الجمعية تجربة الحرب والعقوبات والتهديد الخارجي، ويبدي حساسية عالية تجاه عدم الاستقرار وانعدام الأمن؛ ومن جهة أخرى، يواجه سلطة ينظر إليها من قبل شريحة واسعة من المواطنين على أنها عاجزة بشدة عن تلبية المطالب الاقتصادية، ومكافحة الفساد بفعالية، ورسم أفق واضح للمستقبل، بل ينظر إليها في كثير من الحالات على أنها مسؤولة ومشاركة في الجريمة. وقد أدى تزامن الضغط الخارجي مع التآكل الداخلي إلى خلق بيئة فقدت فيها أدوات إدارة الأزمات التقليدية و"صمامات الأمان" الاجتماعية كثيرا من فعاليتها.

وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن اعتبار الاحتجاجات الاقتصادية الأخيرة مجرد رد فعل لحظي على ارتفاع الأسعار أو تقلبات سوق الصرف. فهي قبل كل شيء تعبير عن فيضان أزمة بنيوية تشكلت على مدى سنوات تحت سطح المجتمع، وأصبحت اليوم جاهزة للانفجار مجددا مع أي صدمة اقتصادية أو سياسية أو أمنية؛ وهي الأزمة نفسها التي ربما شكلت القاسم المشترك الوحيد بين "الشعب المنهك" في فنزويلا ونظيره الإيراني، كما ظهر في تصريحات أخيرة لحائز على جائزة نوبل وزعيم المعارضة في ذلك البلد.

وفي السياق نفسه، دفع يائير لابيد، زعيم المعارضة في إسرائيل، النظام الإيراني إلى إيلاء اهتمام خاص بالتطورات الجارية في فنزويلا.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا