في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"بعد 3 أيام فقط من زفافهما، تحوّل الحلم إلى مأساة موجعة، بعد أن أسقطت الرياح القوية جدارا متهالكا فوق خيمة الزوجين، التي لم تكن خيارا، بل قدرا فرضه الاحتلال"، بهذه الكلمات روت الصحفية الفلسطينية هدى نعيم جانبا من المعاناة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة مع بداية العام الجديد.
وتضيف نعيم في تغريدة على موقع إكس "ارتقت العروس يافا عكار في لحظة قاسية، لأن الاحتلال الإسرائيلي يمنع إدخال مواد الإعمار، ولا يسمح حتى بكرافانات مؤقتة تقي الناس الرياح والموت، أمّا العريس، فبقي حيا ليحمل وحده ثقل الفاجعة: زوجة رحلت قبل أن تبدأ الحياة".
ولا تُعَد قصة العروس يافا حادثة منفصلة فهي جزء من "واقع إنساني مرزٍ" حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، والذي وصف الوقع في غزة قائلا: إن "الظروف الإنسانية في غزة لا تزال مزرية، وأن الاحتياجات تفوق بكثير قدرة المجتمع الإنساني على الاستجابة".
في الأثناء، حذر المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا) عدنان أبو حسنة من أن غزة قد تعود إلى المربع صفر إذا استمر هذا الوضع، خاصة مع عدم تحسّن الأوضاع بشكل دراماتيكي كما كان متوقعا بعد وقف إطلاق النار.
وبينما يحتفل العالم ببداية عام 2026 وسط أجواء الفرح والمرح والسرور، كانت غزة تدخل عامها الجديد وسط أجواء الحزن والبؤس والهموم، فقد استُشهدت أم وطفلها جراء احتراق خيمة في مركز إيواء وسط مدينة غزة، كما استُشهدت طفلة من مخيم النصيرات وسط القطاع جراء البرد القارس داخل الخيام، فضلا عن إصابة عدد من الأشخاص بنيران الاحتلال جراء استهدافات متفرقة في جنوب قطاع غزة.
وعلى وقع الدمار الهائل الذي خلفته حرب الإبادة الجماعية يواجه مئات الآلاف من سكان غزة وأطفالهم البرد والمطر والصقيع ولا يجدون سوى خيام مهترئة يحتمون بها من البرد، بينما تواصل قوات الاحتلال حصار القطاع وتمنع إدخال الدواء والغذاء والوقود والخيام ومواد البناء، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار، وسط صمت وتجاهل دولي.
وفي تعليقه على الوضع يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة: إن "الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يستقبل عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة جراح عميقة وآلام متراكمة، خلّفتها واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ المعاصر، التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين متواصلين، في ظل عدوان واسع وحصار خانق وتجويع ممنهج وتدمير شامل لمقومات الحياة".
ويضيف الثوابتة، في مؤتمر صحفي، أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام قسوة على سكان القطاع، حيث تعرّض أكثر من 2.4 مليون إنسان لسياسات القتل الممنهج و التطهير العرقي و التجويع، بينما حول الاحتلال مدن وبلدات غزة إلى ركام، ودمّر البنية التحتية بنسبة غير مسبوقة، وسوّى أحياء سكنية كاملة بالأرض، ما أدى إلى تشريد أكثر من مليوني فلسطيني قسرا.
وحسب الثوابتة، فقد شهد العام الماضي انهيارا شبه كامل للمنظومة الإنسانية في قطاع غزة، نتيجة الاستهداف المباشر والمتعمّد للمستشفيات والكوادر الطبية، والمؤسسات التعليمية، ودور العبادة، ومراكز الإيواء، وفرق الإسعاف والدفاع المدني، والصحفيين، إلى جانب سياسات ممنهجة لمنع إدخال الغذاء والدواء والوقود، ما أدى إلى استشهاد آلاف الأطفال والنساء وكبار السن، وتهديد حياة مئات الآلاف بالجوع والأوبئة.
وأردف قائلا: "نأمل أن يشكّل عام 2026 نقطة تحول حقيقية، عبر الوقف الكامل للعدوان وإنهاء الإبادة، والانتقال إلى مسار التعافي الإنساني الشامل، وبدء إعادة إعمار قطاع غزة على أسس عادلة ومستدامة، تضمن كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في حياة آمنة وكريمة".
ويؤكد الثوابتة أن الأولويات العاجلة تتمثل في وقف فوري ودائم للعدوان الإسرائيلي، ورفع الحصار بشكل كامل، والانسحاب الشامل لقوات الاحتلال من القطاع، وفتح جميع المعابر بصورة دائمة أمام المساعدات الإنسانية والإغاثية والوقود والمستلزمات الطبية، وضمان حرية حركة المواطنين دون قيود.
ودعا المكتب إلى إطلاق مسار جاد لإعادة الإعمار يشمل إعادة بناء المنازل والبنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية والخدمية، ودعم القطاع الصحي المنهك، وتمكين مؤسسات الإغاثة من أداء مهامها، وتأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين، وضمان عودتهم الآمنة والكريمة إلى مناطقهم.
ورغم تردي الأوضاع الإنسانية، فرضت إسرائيل مع بداية العام الجديدة سلسلة من القيود غير القانونية على وصول المساعدات الإنسانية، حيث تواجه 37 منظمة إنسانية تهديدا بحظر الأنشطة في قطاع غزة، ومنها " أطباء بلا حدود، و المجلس النرويجي للاجئين و منظمة كير، ومنظمة وورلد فيجن، و أوكسفام"، فضلا عن حظر كامل لعمل وكالة الأونروا.
ووضعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عشرات المنظمات الإنسانية الدولية غير الحكومية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الخضوع لشروطها أو إلغاء ترخيصها ومنعها من العمل في القدس و الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتلزم الشروط الإسرائيلية المنظمات بتسليم قوائم كاملة بأسماء الموظفين الفلسطينيين لديها لإجراء فحص أمني، والتأكد إن كان أي منهم قد دعا إلى مقاطعة إسرائيل، وهو ما رفضته بعض المنظمات الدولية خشية تعرّض موظفيها الفلسطينيين إلى الملاحقة التي تعرّض حياتهم للخطر وتهدد سلامة أسرهم.
استهداف منظمات العمل الإنساني، دفع المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن يناشد المجتمع الدولي والأمم المتحدة ودولها الأعضاء، لا سيما الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة للضغط على إسرائيل لرفع الحظر المفروض على إدخال المساكن المؤقتة (كرفانات) ومستلزمات الإيواء الأساسية إلى قطاع غزة، وضمان دخولها وتوزيعها دون قيود ودون ربطها بأي اعتبارات سياسية أو أمنية.
وقال المرصد الأورومتوسطي، في بيان، إن إسرائيل تستخدم الحصار كأداة تنفيذية لجريمة الإبادة الجماعية المستمرة وإنتاج واقع معيشي قاتل، من خلال منع وتعطيل الإصلاح وإعادة الإعمار ومنع إدخال المواد والمعدات اللازمة لرفع الركام وترميم المنازل وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، إلى جانب عرقلة الاستجابة الإنسانية وتقويض قدرة الجهات الإغاثية على توفير الحد الأدنى من الحماية.
وبيّن أن سياسة "منع الإيواء" التي تنتهجها إسرائيل تستهدف تدمير البيئة السكنية للفلسطينيين في قطاع غزة وتجريدهم من حقهم في السكن والعيش الآمن، إذ لا يمكن فهم تدمير مدن وأحياء كاملة، ومنع إصلاحها وإعادة بنائها، ومنع إدخال أي بدائل مؤقتة لإيواء سكانها، بوصفه أثرا جانبيا للعمليات العسكرية، بل نمطا متعمدا يرمي إلى تفريغ المكان من سكانه الأصليين عبر تحويل السكن إلى استحالة عملية ودفع العائلات إلى اقتلاع قسري متواصل.
وشدد المرصد الأورومتوسطي على أن استمرار هذه الظروف الكارثية في ظل غياب أي حراك جدي لإيجاد حلول عاجلة للأزمة يضاعف المخاطر الصحية والإنسانية ويفتك بالفئات الأشد ضعفا، لا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى، ويرفع في الوقت نفسه احتمالات انهيار المنازل وتدمير الخيام، ويعرّض النازحين لأخطار متعددة تشمل الفيضانات وتفشي الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وطفح مياه الصرف الصحي، بما يحوّل الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة تهدد كرامتهم وحياتهم معا.
وأكد أنه لا يجوز، تحت أي ذريعة، إخضاع الاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان المدنيين لأي اشتراطات أمنية أو مقايضات سياسية، إذ تعد حماية الحق في الحياة والسلامة الشخصية وتوفير المأوى الملائم التزامات قانونية واجبة النفاذ بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا تقبل التعليق أو الانتقاص أو الاستخدام كورقة ضغط، مشيرا إلى أن أي قيود متعمدة على إدخال وتوفير مستلزمات الإيواء الأساسية تمثّل انتهاكا جسيما لهذه الالتزامات، وتسهم مباشرة في تعميق الضرر الواقع على سكان يعيشون أصلا تحت ظروف تهدد حياتهم وكرامتهم بصورة مستمرة.
المصدر:
الجزيرة