كييف- موسكو- مضت السنة الرابعة للحرب الروسية بصعوبة على أوكرانيا، لم تحرز خلالها أي تقدم ميداني يذكر لصالحها؛ على الرغم من أنها كثفت عملياتها في العمق الروسي بشكل لم يحدث من قبل، بينما زحفت روسيا بشكل بطيء.
واتسم الصراع بين موسكو وكييف خلال هذا العام بتصاعد حدة القتال، وارتفاع عدد الضحايا وسط المدنيين، واستمرار القصف العنيف للبنية التحتية في كلا البلدين، وسط تغيرات طفيفة على خطوط المواجهة.
فمنذ مطلع العام، واصلت القوات الروسية شنّ هجمات مكثفة على الأراضي الأوكرانية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وطال القصف مناطق عدة، من أبرزها تشيركاسي وبولتافا ولفيف وميكولايف وزابوروجيا.
وأسفرت هذه الهجمات عن انقطاعات حادة في إمدادات الكهرباء والمياه والتدفئة في مدن رئيسة مثل كييف وخاركيف وكريمينشوك، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية للطاقة، بما في ذلك محطتي تريبيلسكا وزمييفسكا لتوليد الطاقة الحرارية.
وخلال هذه الفترة، تمكنت القوات الروسية من السيطرة على ما يقارب 4 آلاف و669 كيلومترا مربعا من الأراضي الأوكرانية، أي بزيادة قدرها 22% عما سيطرت عليه في عام 2024، بما في ذلك مناطق أوريخوفو وموسكوفكا ودولغينكوي.
أما سياسيا، فقد فشلت الجهود الدبلوماسية في تحقيق أي اختراق أو الوصول إلى حل سياسي ينهي الحرب، ولم يبق إلا حبل أمل معقود بخطة أميركية جديدة مع نهاية العام الحالي، لكن روسيا لم تقبل -حتى الآن- خطة السلام الأميركية للتسوية السياسية بين موسكو وكييف، وقال الكرملين إنه لم يطّلع على النسخة المنقحة الأخيرة من الخطة.
في نهاية الربع الأول من العام الجاري، تمكنت روسيا من استعادة السيطرة على معظم أراضي مقاطعة كورسك، التي دخلتها القوات الأوكرانية في أغسطس/آب 2024؛ ثم احتلت نحو 20 تجمعا سكنيا في مقاطعة سومي الأوكرانية المجاورة، قبل أن تنسحب من بعضها.
وكثفت روسيا عملياتها الهجومية في مقاطعات الشرق والجنوب، وزحفت قواتها ببطء أمام مقاومة أوكرانية شديدة؛ مسيطرة على كامل مقاطعة لوهانسك في بداية يوليو/تموز، وعلى أجزاء متفرقة من مقاطعات خاركيف و دونيتسك و زاباروجيا ودنيبروبيتروفسك و خيرسون، بما تصل مساحته إلى نحو 5 آلاف كيلومتر مربع، وفق ما أعلنه الكرملين.
بالمقابل، لم تتمكن أوكرانيا من شن عمليات مضادة كبيرة ناجحة تذكر، إلا عملية واحدة، قالت إنها حررت بموجبها معظم مدينة كوبيانسك الحدودية في أقصى شرق مقاطعة خاركيف، وذلك في أواسط ديسمبر/كانون الأول.
وأمام هذا "العجز" الملحوظ على الجبهات -إن صح التعبير- تحولت أوكرانيا مع منتصف العام إلى التركيز على قصف آبار ومصافي النفط وموانئ التصدير الروسية، إضافة إلى منشآت الطاقة في شتى المقاطعات الروسية.
ويوضح النائب البرلماني الأوكراني أوليكسي هونتشارينكو للجزيرة نت إن "ضرباتنا الدورية خلقت أزمة وقود في عدة مقاطعات روسية، ودمرت ما بين 25-34% من حجم الإنتاج والصادرات، مسببة خسائر للروس بمليارات الدولارات".
وفي الأول من تموز/يوليو، كانت أوكرانيا قد نفذت عملية "شبكة العنكبوت" النوعية داخل أراضي روسيا، استهدفت من خلالها 4 قواعد جوية، ودمرت 41 قاذفة تشكل نحو 34% من حجم ترسانة القاذفات الإستراتيجية التي تملكها روسيا، وبلغت بذلك خسائر الأخيرة ما لا يقل عن 7 مليارات دولار، بحسب جهاز الأمن الأوكراني.
وردا على ذلك، كثفت روسيا ضربات مسيّراتها وصواريخها على منشآت توليد وتحويل الطاقة وخطوط نقلها في جميع أرجاء أوكرانيا، فعاد الظلام إلى المدن، وعادت جداول الانقطاع الطارئ أو المنتظم إلى روتين حياة الأوكرانيين، كما كان عليه الحال في نهاية 2022 وأواسط 2023.
وزاد الطين بلة اشتداد البرد، وتأخر ثم تعطل موسم التدفئة، نتيجة للضربات الروسية على مرافق تخزين الغاز الرئيسة أيضا.
ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى حكم الولايات المتحدة، اتخذ أسلوب التوبيخ والضغوط والانتقادات والاتهامات ووجهها بشكل متكرر إلى نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
بالمقابل، حوّلت أوكرانيا بوصلة الاعتماد نحو أوروبا، التي استفردت عمليا -ولأول مرة منذ بداية الحرب- بشراء جل ما تحتاجه كييف من واشنطن خلال العام الحالي.
لكن ترامب أيضا بذل جهودا وطرح عدة مبادرات للتوصل إلى حل، أو إلى وقف لإطلاق النار، محاولا فسح المجال أمام الطرق الدبلوماسية لإنهاء الحرب، وآخر ذلك كان خطة سلام معقدة خضعت للكثير من الانتقادات والتعديلات الأوكرانية الأوروبية، ولا تزال تنتظر مصيرا مجهولا مع نهاية العام.
ولا يرى بعض المراقبين في الخطة الجديدة ما يدعو للتفاؤل، ومنهم فولوديمير فيسينكو، رئيس مركز الدراسات السياسية التطبيقية "بنتا"، الذي قال للجزيرة نت إن "إدارة ترامب تعتقد أن انسحاب القوات الأوكرانية من بعض الأراضي سينهي الحرب، لكن هذا مجرد وهم، فالتنازلات الأحادية ستفتح شهية الروس لقضم المزيد، في زاباروجيا وخيرسون وحتى دنيبر وبيتروفسك".
ومن وجهة نظر الخبير فإن "المفاوضات ستستمر وستطول، والكرملين لن يرفض مبادرات السلام الأميركية، لأن ترامب مهم جدا لبوتين، ولذلك سيستمر في لعبة التفاوض معه".
وعلى خلفية هذا الرأي، يخشى فيسينكو من حصول الأسوأ في العام المقبل، وهو "استمرار وزيادة الضغط الأميركي على أوكرانيا لإجبارها على الامتثال لمطالب روسيا، فإدارة ترامب ترى أوكرانيا كطرف أضعف، ومن الأسهل عليها دفعها نحو الموافقة على التنازلات".
لكن آخرون يرون أن روسيا تتوجع مع نهاية العام ورابع سنوات الحرب، وهذا يزيد الأمل بنهاية قريبة للحرب في نهاية العام الجاري أو بداية المقبل.
ويقول الخبير العسكري والعقيد في قوات الاحتياط الأوكرانية أوليغ جدانوف للجزيرة نت "نحن الخاسر الأكبر بطبيعة الحال، لكننا لا نتألم وحدنا، الروس يعانون أيضا، خسائرهم البشرية والاقتصادية زادت خلال العام 2025، وهذه ورقة ضغط يجب ألا نقلل من شأنها في توقعات العام المقبل".
ويضيف موضحا: "مع وتيرة التقدم الحالي للروس، يحتاجون إلى 3 سنوات أخرى للسيطرة على 22.7% من المنطقة المتبقية خارج سيطرتهم في إقليم دونباس فقط، خسائرهم اليومية تقارب ألف جندي بين قتيل وجريح، ولهذه الأسباب وغيرها، أعتقد أننا أمام فرصة كبيرة لإنهاء الحرب فعلا".
على الجهة الأخرى، يرى معظم الخبراء الروس أنه من غير المرجح أن تقبل روسيا بالخطة الأميركية -بصيغتها الحالية- كحل واقعي للأزمة، كون بنودها الرئيسة تتعارض مع المطالب الروسية بشكل جوهري.
ويبرر المحلل السياسي الروسي مارات بشيروف خلفيات الموقف الروسي بإصرار موسكو على الاعتراف بسيطرتها الفعلية على الأراضي التي ضمتها بالفعل، وهي شبه جزيرة القرم ولوغانسك ودونيتسك، بالإضافة إلى أجزاء من مقاطعتي خيرسون وزابوروجيا، وعدم قبولها بأي بنود تُشكك في ذلك.
لكنه يشير، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن باب التواصل السياسي سيبقى مفتوحا مع الإدارة الأميركية بخصوص الملف الأوكراني، لأن خطة إدارة ترامب تضمنت العديد من المطالب الروسية المحورية، مثل حياد أوكرانيا ونزع سلاحها، على الرغم من التعديلات الأخيرة التي أدخلتها أوكرانيا وشركاؤها الأوروبيون.
ويتوقع المتحدث أن تعمل روسيا في غضون العام المقبل على تكريس التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة بدلا منه مع أوكرانيا، لأن واشنطن تملك النفوذ الكافي لإجبار كييف على تقديم تنازلات.
ويستند بشيروف في تحليله على قاعدة أن مجرد تبادل المواقف وتعديل خطة السلام الأميركية يشير إلى استمرار الجهود الدبلوماسية، وأنه من المستبعد بناء على ذلك أن تصل إلى طريق مسدود، لا سيما في حال حافظت الإدارة الأميركية على الزخم المطلوب لإنجاح التوصل لاتفاق سريع، وتمكنت من حل معضلة تردد الطرفين في تقديم تنازلات جوهرية.
ترجح التوقعات بشأن تطور الصراع بين روسيا وأوكرانيا في العام المقبل 2026 أنه سيستمر، وفقا لأغلبية المراقبين العسكريين الروس، ومن بينهم الكاتب في الشؤون العسكرية والأمنية فيتالي ماركوف، الذي يرى أن دوافع الاستمرار تبقى موجودة إذا واصلت الدول الغربية سياسة التصعيد، وقامت بإرسال قواتها إلى أوكرانيا، وعملت على توسيع ساحات القتال لتشمل دولا مجاورة في الاتحاد الأوروبي.
وحسب ما يقوله للجزيرة نت، فإن "بروكسل تدرك أنه في حال تراجع دعمها لكييف، فإن من شأن ذلك أن يسرّع في انهيار القوات الأوكرانية خلال العام المقبل، وسيبدأ الوقت في التأثير سلبا على كييف"، ويضيف بأن أوروبا ستواصل تقديم الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي لأوكرانيا، على الرغم من تباطؤ وتيرة الإنفاق مؤخرا.
من جانب آخر، يرى المتحدث ذاته أن التصريحات والمبادرات المتعلقة بمحادثات السلام لا تعدو كونها "خدعة وإطالة للوقت" بهدف تحقيق ظروف ميدانية أفضل للقوات الأوكرانية، إضافة إلى الرهان على تحولات داخل روسيا تدفعها إلى الموافقة على تنازلات لإيقاف الحرب، بسبب ضعف قدرتها على مواصلة عملياتها العسكرية.
لكنه يلفت إلى أن روسيا -وفق المؤشرات الحالية- قادرة على زيادة ميزانيتها العسكرية، وهذا سيمكنها من الحفاظ على وتيرة قتالية عالية، ومنحها قدرة أكبر على تحقيق نصر حاسم خلال عام 2026.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة