آخر الأخبار

"الحراك في غزة غير مسيس ومستمر حتى تتحقق مطالبه"

شارك
مصدر الصورة

لم تكن المظاهرات التي شارك فيها مئات الفلسطينيين في قطاع غزة، رافعين شعارات منددة بحركة حماس ومطالبين بإنهاء الحرب وليدة اللحظة أو نتاج تفكير عشوائي غاضب فحسب، بل جاءت - وفقاً لكثير من منظميها - بعدما "طفح الكيل" من حرب منهكة استمرت أكثر من 18 شهراً.

ففي 25 مارس /آذار، تجمع متظاهرون بجانب مخيم للنازحين في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، ثم ساروا في طرق تحوط بها أكوام ركام المباني والمنازل التي دُمّرت خلال الحرب، مرددين هتافات كثيرة أبرزها "حماس برّا برّا"، بحسب مقاطع مصورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقول مجد المضيع – أحد المتظاهرين: "خرجنا اليوم لنقول كفى للحرب التي قضت على أولادنا ومنازلنا ومستقبل شبابنا ويجب أن تتوقف، نطالب حماس بإصدار قرار حالاً بالتنازل عن الحكم للسلطة الوطنية الفلسطينية".

وإلى جانبه وقف متظاهر آخر – لم يرغب في ذكر اسمه - يقول بصوت صاخب: "لم يدعوني أحد للمشاركة في هذه المظاهرة، ما دعاني هو الجوع والفقر والموت. الشعب يقول كلمته، لقد فقدت ابني ولم يكن هناك مقابل، نريد وطنا جديدا".

أما عبد الله السلم، الذي شارك أيضاً في المظاهرة فيقول: "أقول لحماس كفى. الناس ملقون في الخيام وكل يوم نعاني نزوحاً وقتلاً. فقدت منزلي وعائلتي، نكرر ونخاطب حماس، لا نريد الموت وأنهوا الحرب".

وقف الحرب و خروج حماس باتا مطلبين أساسيين لا ثالث لهما للحراك.

وحاولت بي بي سي التواصل مع بعض قيادات حماس للتعليق على المظاهرات، من بينهم طاهر النونو الذي رفض التعليق على الموضوع.

ولكن باسم نعيم – القيادي بالحركة – نشر على صفحته على فيسبوك تعليق الحركة وسمح لبي بي سي بوصفه كالموقف الرسمي لحماس. وقال إن "من حق الناس جميعاً أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا، وشعبنا سواء من خرج أو من لم يخرج للشارع فنحن منهم وهم منا. ولكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة او إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه"

ويضيف: "ونقول لأصحاب الأجندات المشبوهة أين هم مما يحدث في الضفة الغربية من قتل وتهجير وتدمير وضم للأراضي على مدار الساعة! فلماذا لا يخرجوا هناك ضد العدوان أو يسمحوا للناس أن تخرج الى الشارع للتنديد بهذا العدوان!".

هذه هي ليست المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات مناوئة لحماس، ففي يناير/كانون الثاني من مطلع العام الجاري، خرجت تظاهرات - وإن كانت بأعداد قليلة - تحت شعار "بدنا كرامة"، وهو وسم استخدمه الكثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي في غزة للتعبير عن رفضهم للأوضاع في القطاع، بعدما دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وقوبلت هذه التظاهرات بالقمع من قبل حماس ولم تستمر طويلا.

وفي عام 2019، خرجت أعداد كبيرة من الفلسطينيين - تقدر بالآلاف - للتظاهر للتعبير عن إحباطهم ولانتقاد حماس، وكان الرد على هذه التظاهرات قاسياً، إذا أظهرت تسجيلات مصورة أنداك لقوات الأمن تضرب المحتجين وتطلق الذخيرة الحية. كما اعتقلت السلطات العشرات وداهمت منازلهم، ومن بينهم عدد من النشطاء والصحفيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان.

مصدر الصورة

"كان لابد لنا من وقفة حقيقية"

تحدثنا مع عدد من الداعين والمنسقين للحراك المقيمين خارج غزة، من بينهم عبد الحميد عبد العاطي الذي يقول إنه كان من أوائل الداعين له، بعدما قتلت عائلته بالكامل في الحرب واضطر للنزوح إلى مصر.

يقول الناشط الفلسطيني المقيم في القاهرة لبي بي سي: "لقد تعبنا كثيراً وكان لابد لنا من وقفة حقيقية. غزة ليست كلها حماس وعلى الجميع أن يعرف ذلك".

ويضيف: "شاهدت الاجتياح في رفح ومعاناة العائلات النازحة، فقررت أن أخرج في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماع وأكون واضحا. أقول لحركة حماس، يكفي. تجربتك فاشلة في غزة واستراتيجية المقاومة فاشلة ويجب أن تبتعدي عن المشهد السياسي لنحافظ على ما تبقى من الغزيين الأحياء".

ويشير عبد العاطي إلى أن غالبية المشاركين والمنسقين للمظاهرات هم من الشباب المستقلين سياسيا ولا ينتمون بالضرورة لأي فصيل سياسي.

أمر أكده رمزي حرز الله، وهو ناشط سياسي من الداعيين أيضا للحراك وأحد المنشقين عن حركة حماس.

يقول لبي بي سي: "هذه المظاهرات خرجت من الشارع. نحن مستقلون سياسيا وهذا هو صوت الشعب. وفي النهاية دعم أي فصائل أخرى لن يضر، ولكن هذا الحراك ليس صنيعة حركة فتح مثلا ولا يتم التنسيق مع أي ناشط منتمي لحركة سياسية بعينها".

ويقول حرز الله – الناشط الفلسطيني المقيم حاليا في بلجيكا- إنه وعدد من النشطاء الآخرين دعموا الحراك من خلال نشر مقاطع مصورة للتظاهرات بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي في وقت "عملت قناة الجزيرة وغيرها على إخماد هذه الأصوات"، على حد قوله.

ويشير حرز الله إلى أن هذه التظاهرات هي الوحيدة التي لم يتم الدعوة لها، على عكس حراك "بدنا كرامة" الذي تم تنظيمه في يناير/كانون الثاني من العام الجاري وتم قمعه سريعا من قبل حماس.

"نحن ندعمهم إعلاميا ونوجههم إلى المناطق التي يتظاهرون فيها، نرسل نشطاء لتصويرهم وتوثيق الأحداث ونعيد نشر المواد الإعلامية هذه على مواقع التواصل الاجتماعي التي هي أكثر تأثيرا من القنوات الإعلامية".

مصدر الصورة

"حماس غامرت وقامرت بالفلسطينيين"

أما عن مستقبل هذا الحراك، فأجمع كل النشطاء الذين تحدثت إليهم بي بي سي على أن المظاهرات ستتواصل حتى يتم تحقيق مطالبها، من بينهم حسن الداوودي – وهو ناشط سياسي آخر من منسقي الحراك ومقيم خارج غزة.

يقول: "هذا الحراك متواصل طالما الناس قادرة على الخروج للتظاهر وحتى يتم تحقيق مطالبها".

ويوضح الداوودي – العضو بمنظمة التحرير الفلسطيني - أن "الانفجار" الذي نراه اليوم في قطاع غزة، جاء سريعا بعد انهيار الهدنة التي توصلت إليها إسرائيل وحماس في يناير كانون الثاني الماضي".

شاركه في الرأي ذاته، أمين عابد، وهو ناشط سياسي والعضو في حركة فتح . يقول لبي بي سي إنه تلقى اتصالا من قبل بعض الشباب المستقلين الذين شاركوا من قبل في حراك "بدنا نعيش"- الذي نظم في 2019 - للتشاور معه في فكرة خروج التظاهرات ضد حماس.

ويضيف: "قلت لهم سأدعمهم. هم شاوروني في التوقيت وقلت لهم أفضل توقيت بعد العصر أثناء التحضير، ولكن قبل انطلاق الحراك ب 12 ساعة تم استهداف منزل أحدهم وشعروا بالإحباط قليلا وكادوا يقتلون الفكرة، ولكن سرعان ما عادوا لخطتهم وتحققت بالفعل".

مصدر الصورة

مظاهرات مدبرة أم عفوية؟

يتساءل كثيرون عن توقيت خروج هذه المظاهرات وما إذا كانت مدفوعة من جهات خارجية أم لا، وفي هذا الإطار، يقول الدكتور حسن منيمنة، الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إنه يجب وضع المظاهرات في سياقها الواقعي. يقول: "لا تبدو أنها مظاهارات كبيرة جدا، فهي تعبير عن الكبت والقمع، ليس من جانب حماس فحسب، ولكن نتيجة للحرب عامة. لا يمكن إنكار حق أي شخص في الاعتراض ولكن لا أعتقد أنه يجب تصور الاعتراض هذا على أنه مدفوع من جانب خارجي".

وتأتي مطالب التظاهرات الحالية متوائمة مع طلبات بعض الدول الخليجية، فوفقا لبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية في فبراير / شباط من العام الجاري، اشترطت كل من السعودية والإمارات نزع السلاح كاملا عن حماس وتخليها تماما عن الحكم مقابل مشاركتهما في خطة إعادة إعمارغزة.

وتعليقا على موقف الإمارات والسعودية، كانت صحيفة "إسرائيل اليوم" قد نقلت عن مصدر لم تسمه قوله: "لا ينبغي أن تبقى بندقية واحدة أو رصاصة واحدة في أيدي حماس في غزة، وإلا فإن القطاع سوف يدمر مرارا و تكرارا حتى بعد إعادة بنائه".

من جانبها، قدمت مصر مقترحا بتشكيل هيئة تتولى مسؤولية إعادة إعمار القطاع وتستبعد فيها حركة حماس والسلطة الفلسطينية معا.

وهنا باتت حماس عائقا أمام المضي قدما فيما يتعلق بخطة إعادة الإعمار.

كما يرى البعض أن المطالب تجسد الطلب الرئيسي لإسرائيل، بل والولايات المتحدة كذلك، وهو نزع السلاح التام عن حماس وهو ما يعزوه بعض المحللين لوقف المحادثات الخاصة بوقف إطلاق النار وانهيار الهدنة.

ويصف منيمنة المظاهرات "بالعفوية والمستغلة" قائلا إنها على الرغم من أنها تطالب بالتغيير، فالشعارات المرفوعة فيها لا توضح ما هي الجهة التي يريد المتظاهرون أن تحكم غزة بعد تنحي حماس مثلا.

يتساءل منيمنة: "ما هو الطرح البديل الذي يأتي به هؤلاء؟ وهل خروج حماس يعني أن مشروع تفريغ القطاع من أهله قد انتهى؟ طبعا لا؟ المظاهرات تأتي هنا للتعبير عن الغضب".

وفي 26 مارس / آذار، دعا المتحدث باسم حركة فتح الموجود في قطاع غزة، منذر الحايك، حركة حماس إلى "الاستماعِ لصوت الشعب"، بتنحيها عن المشهد الحكومي في قطاع غزة، لتمكين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير من القيام بمسؤولياتهما في القطاع، وفق قوله. وشدد الحايك، على أن وجود "حركة حماس أصبح خطيراً على القضية الفلسطينية، وأن عليها مراجعة حساباتها وأن تستمتع إلى كل الأصوات التي خرجت في قطاع غزة، من أجل إنقاذ أبناء الشعب المدمر في القطاع".

أما عن رد الفعل الإسرائيلي، فكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتانياهو تهديداته بالاستيلاء على أراضٍ في قطاع غزة إذا لم تُفرج حماس على الرهائن المتبقين لديها. وقال في جلسة استماع في البرلمان: "كلما استمرت حماس في رفضها إطلاق سراح رهائننا، ازداد القمع الذي نمارسه". وأضاف: "هذا يشمل الاستيلاء على الأراضي، ويشمل أمورًا أخرى".

ويتوقع الباحث والأكاديمي المقيم في بريطانيا إبراهيم عسلية أن تستمر المظاهرات وتزداد حجتها في الفترة المقبلة، مشيرا إلى أنه ربما لا يتنجح حماس في قمع المتظاهرين هذه المرة، مشيرا إلى أنها تتعامل مع المتظاهرين على أنهم "خونة وعملاء لإسرائيل".

ولكن يبدو أنه من المبكر الحديث عن كيفية تعامل حماس مع التظاهرات الحالية في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل قطاع غزة وما إذا كانت ستضطر للانصياع لمطالب المتظاهرين أم تكرر أسلوب قمعي استخدم من قبل في مظاهرات مناوئة لها قبل سنوات.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا