في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بدأت حملة الضغط الاقتصادي الأمريكية على إيران تُحدث أثرًا يصعب على طهران تحمله، بعدما جمعت واشنطن بين حصار صادرات النفط وتشديد العقوبات الثانوية وملاحقة شبكات الحصول على الدولار، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن 3 مصادر إيرانية وصفتها بالرفيعة ولم تسمها.
وقالت المصادر إن إيران، التي نجحت لعقود في الالتفاف على العقوبات باستخدام شركات واجهة وناقلات غير مسجلة ووسطاء ماليين، باتت تملك قنوات أقل للحصول على العملات الأجنبية وتمويل واردات السلع والمواد الخام، بينما ارتفعت كلفة استخدام القنوات المتبقية.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الإيراني على وشك الانهيار الفوري، لكنه يكشف تحولًا في طبيعة الضغط، فبدل الاكتفاء بتقييد بيع النفط، تستهدف واشنطن الآن الأموال منذ خروج الخام من إيران وحتى تحويل إيراداته إلى دولارات يمكن استخدامها في تمويل التجارة.
أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية في 24 أغسطس/آب الماضي عملية "العزل الاقتصادي"، بهدف قطع ما وصفته بالقنوات المالية المتبقية لإيران، ووسّعت نطاق العقوبات الثانوية ليشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، إلى جانب القطاعين المالي والنفطي.
وشملت الحزمة فرض عقوبات على نحو 60 فردًا وكيانًا وسفينة مرتبطة بإيران، فضلا عن تهديد المؤسسات الأجنبية التي تسهّل غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات بحرمانها من التعامل مع النظام المالي الأمريكي.
وتكمن قوة العقوبات الثانوية في أنها لا تستهدف إيران وحدها، بل تضع البنوك والشركات الأجنبية أمام الاختيار بين استمرار التعامل مع طهران أو الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى الدولار والبنوك الأمريكية، وهو ما يدفع كثيرًا من الوسطاء إلى الانسحاب أو المطالبة بعمولات أكبر مقابل المخاطر.
وسبقت الحملة الجديدة سلسلة إجراءات ضد شبكات الصرافة والشركات الوهمية، ففي 7 أغسطس/آب، أعلنت الخزانة الأمريكية استهداف شبكات في عدة دول منها هونغ كونغ والصين وسنغافورة، قالت إنها ساعدت إيران على تحريك مئات الملايين من الدولارات واستعادة إيرادات صادرات النفط.
زاد الضغط بعدما أعلنت الإمارات في 18 أغسطس/آب الماضي وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في ضوء التصعيد الإقليمي، مؤكدة التزامها بسلامة النظام المالي الدولي.
ونقلت رويترز عن تاجر إيراني يعمل في استيراد السلع، لم تسمه، قوله إن بقاء هذه القنوات مغلقة يعني مطالبة الموردين بالدفع النقدي، وتمرير الصفقات عبر دولة ثالثة، ووصول الشحنات في وقت متأخر وبسعر أعلى.
وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتأثير القيود، قائلًا إن العقوبات تحد من بيع النفط وتخفض الإيرادات بالعملات الأجنبية. وأوضح الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية أن الحكومة توسع المقايضة والتجارة مع دول الجوار لمواجهة صعوبة التحويلات المصرفية.
وقال بزشكيان إن حجم التجارة الإيرانية انخفض بنسبة تراوح بين 25% و35%، وكانت الواردات أكثر تضررًا من الصادرات، مما يزيد كلفة السلع والمواد الخام التي تحتاج إليها المصانع والأسر.
تظهر أشد الضغوط في قطاع النفط، مصدر العملة الأجنبية الرئيسي لطهران، فقد تراجعت تحميلات الخام الإيراني خلال سبتمبر/أيلول إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، مقابل قرابة 1.7 مليون برميل يوميًا قبل عام، وفق بيانات شركة كبلر التي نقلتها رويترز.
ولا يقتصر أثر اضطرابات مضيق هرمز على النفط الخام، إذ أفادت بلومبيرغ بأن تدفقات غاز النفط المسال عبر الممر تراجعت بنحو 80% بعد بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/شباط، مما أعاد رسم مسارات تجارة وقود الطهي عالميًا.
وتقول طهران إنها لا تزال تمتلك عشرات الملايين من البراميل المخزنة على ناقلات خارج نطاق الحصار، ويمكنها عرضها للبيع، لكن العقوبات الجديدة دفعت وسطاء إلى التراجع عن الصفقات أو طلب مبالغ أكبر لنقل الأموال وإخفاء مصدر الشحنات.
كما يضع نقص العملات الأجنبية قيدًا على قدرة إيران نفسها على تمويل شبكات الالتفاف، إذ تحتاج عمليات نقل النفط بين السفن وتغيير الأعلام ووثائق الشحن واستخدام الشركات الوهمية إلى مدفوعات مرتفعة بالدولار.
وقال مصدر إيراني إن مخزونات البنزين المتاحة قد تكفي شهرين فقط، ورغم إنتاج إيران النفط، فإن محدودية قدرتها التكريرية تجعلها بحاجة إلى استيراد جزء من احتياجاتها من الوقود، مما يعرّض السوق الداخلية لضغوط إضافية.
وبحسب بلومبيرغ، قفز السعر التعاقدي السعودي لغاز النفط المسال 46% بين فبراير/شباط ويونيو/حزيران، وظل أعلى بنحو السدس من متوسط العام الماضي، مما يكشف أن تأمين الإمدادات البديلة لا ينهي أزمة الطاقة، بل ينقلها من نقص الكميات إلى ارتفاع التكلفة.
امتدت الأزمة إلى العملة، إذ هبط الريال في السوق الحرة من نحو مليون ريال للدولار قبل عام إلى أكثر من 2.2 مليون ريال حاليًا، بحسب رويترز، وهو ما يرفع أسعار السلع المستوردة ويزيد احتياجات التجار إلى السيولة المحلية لشراء الدولار.
وأظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني وصول متوسط التضخم خلال 12 شهرًا إلى 69.9% في أغسطس/آب، بينما بلغ ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات والتبغ على أساس سنوي مقارن نحو 128%.
وسجل معدل البطالة 9.1% في ربيع 2026، بزيادة 1.8 نقطة مئوية عن العام السابق، بينما انخفض عدد المشتغلين بنحو 450 ألفًا إلى 24.67 مليون شخص، وتراجع معدل المشاركة الاقتصادية إلى 40.7%، وفق نتائج مسح القوى العاملة لمركز الإحصاء.
ووفق بيانات رسمية، يبلغ متوسط الراتب الشهري نحو 125 دولارًا، مقابل قرابة 450 دولارًا لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، أي إن الدخل يغطي أقل من ثلث النفقات الضرورية.
وقالت موظفة في القطاع الخاص تدعى مهناز، طلبت حجب اسم عائلتها: "نحن نصبح أكثر فقرًا كل يوم".
وترى بلومبيرغ أن أزمة الطاقة لا تعني بالضرورة نفاد الإمدادات، بل وصول الكميات نفسها بوتيرة أبطأ وكلفة أعلى وكفاءة أقل. وقد ساعد تغيير المسارات وزيادة الإنتاج المحلي والبحث عن موردين جدد على تجنب أسوأ سيناريوهات النقص، لكن التكلفة انتقلت إلى المصانع وميزانيات الأسر.
تراهن واشنطن على أن يؤدي تقلص إيرادات النفط وصعوبة تمويل الواردات وارتفاع التضخم إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات في أي مفاوضات مقبلة، بعدما أخفقت 6 أشهر من الحرب في حسم المواجهة سياسيا أو عسكريا.
لكن الضغط يحمل مسارًا معاكسًا أيضًا، إذ حذرت إيران من إمكان الرد بتصعيد عسكري، بينما لم يبد أي من الطرفين استعداده لقبول شروط الآخر حتى الآن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة