آخر الأخبار

الأردن يتجه شرقا ويراهن على الصين لتنويع تجارته واستثماراته

شارك

عمّان- تفتح زيارة ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين إلى الصين الباب أمام تطور في العلاقات الاقتصادية بين عمّان وبكين، في وقت يسعى فيه الأردن إلى تنويع أسواقه وشراكاته الاقتصادية، وعدم الاعتماد فقط على السوق الأمريكية، خصوصا في ظل اضطراب الأوضاع الإقليمية والدولية، بالتوازي مع توسيع حضوره في السوق الأوروبية والبحث عن فرص أكبر في آسيا.

تأتي الزيارة بعد 49 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والصين، وفي ظل شراكة إستراتيجية أعلنها البلدان عام 2015، فيما بات الاقتصاد يتقدم مجالات التعاون بينهما، مدفوعا بنمو التجارة والاستثمارات الصينية، وتطلع عمّان إلى استقطاب مزيد من المشاريع في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والسياحة.

وتكشف أرقام التجارة التي حصلت عليها الجزيرة نت من دائرة الإحصاءات العامة حجم التطور الذي وصلت إليه العلاقة، إذ بلغ التبادل التجاري بين الأردن والصين خلال عام 2025 نحو 6.7 مليارات دولار، في حين تظهر الأرقام أن الميزان التجاري يميل لمصلحة بكين.

وبلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليارات دولار العام الماضي، مقابل نحو 430 مليون دولار من الصادرات الأردنية إلى الصين، ليصل العجز التجاري الأردني إلى قرابة 5.86 مليارات دولار.

مصدر الصورة زيارة الملك عبد الله (الثاني من اليمين) إلى الصين شملت العديد من اللقاءات (الديوان الملكي الهاشمي)

وتتركز أبرز الواردات الأردنية من الصين في الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية والهواتف الذكية ومعدات النقل والسيارات، إلى جانب المواد النسيجية والمعادن ومصنوعاتها، بينما تتركز الصادرات الأردنية في نطاق أضيق يشمل الفوسفات والبوتاس والأسمدة والمواد الكيماوية والنحاس والمنتجات المعدنية.

ويقول أستاذ الاقتصاد رعد التل، للجزيرة نت، إن زيارة الملك عبد الله إلى الصين، وفي هذا التوقيت تحديدا، تحمل بعدا اقتصاديا بالغ الأهمية، لأن العلاقة بين البلدين لم تعد مجرد علاقة تجارية، وإنما أصبحت أمام اختبار يتعلق بقدرتها على خدمة الاقتصاد الأردني وزيادة إنتاجه وصادراته ونقل التكنولوجيا إليه ورفع القيمة المضافة المحلية.

إعلان

ويشير التل إلى أن كل دولار يصدره الأردن إلى الصين يقابله نحو 14.6 دولارا من الصادرات الصينية إلى المملكة، وهو ما يعكس اتساع الفجوة في قدرة المنتجات الأردنية على النفاذ إلى السوق الصينية، لكنه يرى في الوقت نفسه أن تقييم العلاقة من زاوية التجارة وحدها لا يقدم الصورة الكاملة.

فالصين أصبحت شريكا اقتصاديا رئيسيا للدول العربية، وبلغت صادراتها إلى الاقتصادات العربية خلال 2025 نحو 293.5 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 201 مليار دولار، ليقترب إجمالي التجارة من 495 مليار دولار.

وبالنسبة إلى الأردن، يرى التل أن السؤال الأساسي يتمثل في كيفية الحصول على حصة أكبر من هذه العلاقات الاقتصادية المتنامية.

استثمارات تتركز في الطاقة

يشكل الاستثمار المحور الثاني للعلاقة، إذ بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة المتراكمة في الأردن خلال الفترة من 2010 إلى 2025 نحو 3.56 مليارات دولار موزعة على 71 مشروعا، بحسب بيانات منتدى الإستراتيجيات الأردني.

لكن اللافت هو تركز نحو 89% من هذه الاستثمارات في الطاقة، بقيمة تقارب 3.17 مليارات دولار، مقابل نحو 360 مليون دولار في المنتجات والخدمات الاستهلاكية، و19.71 مليون دولار في صناعة السيارات، و6.4 ملايين دولار في الخدمات المالية وخدمات الأعمال، و4.27 ملايين دولار فقط في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ويرى التل أن هذه الأرقام تظهر نجاح الأردن في استقطاب رأس المال الصيني، لكنها تكشف في المقابل أن المملكة لم تنجح بعد في تنويع هذه الاستثمارات بالصورة التي تجعلها محركا واسعا للتحول الإنتاجي.

ويرى أن المطلوب خلال المرحلة المقبلة ليس فقط زيادة حجم الاستثمار الصيني، بل توجيهه نحو الصناعات التحويلية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والإنتاج المخصص للتصدير، بحيث تتحول التكنولوجيا إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات ووظائف وقيمة مضافة تبقى داخل الاقتصاد الأردني.

لكن التل يرى أن المملكة لا تحتاج إلى منافسة الاقتصادات الأكبر في عدد المشاريع أو قيمة رؤوس الأموال، بقدر حاجتها إلى توظيف ميزاتها النسبية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة والمناطق الصناعية والقوى العاملة الماهرة، لجذب شركات صينية تنتج في الأردن وتصدر منه إلى أسواق أخرى.

وأكد الملك عبد الله أن الأردن يتمتع بموقع يؤهله ليكون مركزا إقليميا للتصنيع والتصدير، وأن الاستثمارات الصناعية الصينية تستطيع الاستفادة من الموارد الطبيعية والقوى العاملة وبيئة الأعمال المستقرة وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تتمتع بها المملكة.

كما تبرز الطاقة المتجددة ضمن الفرص المطروحة أمام المستثمرين، بعدما ارتفعت حصتها من إجمالي الطاقة المولدة في الأردن من أقل من 1% قبل عقد إلى قرابة 27%، مع استهداف الوصول إلى 40% بحلول 2035، إلى جانب مشاريع لتوليد الطاقة المتجددة وتخزينها بطاقة تقارب غيغاواطا واحدا وفرص استثمارية تتجاوز مليار دولار.

تنويع الأسواق

في خلفية التوجه نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، قالت مصادر أردنية للجزيرة نت إن عمّان تعمل على تنويع أسواقها وشركائها وعدم الاعتماد فقط على السوق الأمريكية، خصوصا في ظل اضطراب الأوضاع الإقليمية والدولية وما تفرضه من تحديات على التجارة وسلاسل الإمداد.

إعلان

وأوضحت المصادر أن هذا التوجه لا يعني استبدال شريك اقتصادي جديد بآخر، وإنما توسيع الخيارات المتاحة أمام الصادرات والاستثمارات الأردنية وتقليل مخاطر الاعتماد على سوق واحدة، مشيرة إلى أن المملكة نجحت بالفعل في توسيع حضورها الاقتصادي في السوق الأوروبية، بالتوازي مع سعيها إلى تعميق العلاقات مع الصين والأسواق الآسيوية.

وتغطي الشراكة الإستراتيجية بين الأردن وأوروبا 5 محاور، هي العلاقات السياسية والتعاون الإقليمي، والأمن والدفاع، والمرونة الاقتصادية والتجارة والاستثمار، ورأس المال البشري، والهجرة والحماية ودعم اللاجئين.

وتستند الشراكة إلى حزمة تمويلية أوروبية بقيمة 3.04 مليارات يورو (3.53 مليارات دولار) للفترة 2025-2027، فضلا عن علاقات تجارية متنامية، إذ يعد الاتحاد الأوروبي ثالث أكبر شريك تجاري للأردن، ويستحوذ على أكثر من 12% من تجارة المملكة السلعية.

وقال الباحث السياسي محمد صبيح الزواهرة، للجزيرة نت، إن زيارة الملك عبد الله إلى الصين تعكس توجها أردنيا لتنويع الشراكات الدولية وتوسيع هامش الحركة، من دون أن يعني ذلك الابتعاد عن الولايات المتحدة.

مصدر الصورة جانب من زيارة ملك الأردن عبد الله بن الحسين (يمين) إلى الصين (الديوان الملكي الهاشمي)

وأوضح أن تعميق العلاقات مع بكين يأتي في ظل التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، بما يمنح الأردن خيارات أوسع لحماية مصالحه والتكيف مع المتغيرات الدولية.

وأضاف الزواهرة أن أهمية الزيارة تتجاوز الاتفاقيات والفرص الاقتصادية، إذ تحمل رسالة بأن الأردن يسعى إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع القوى الدولية، بما يعزز موقعه وقدرته على المناورة في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي.

ويبرز القطاع السياحي كذلك ضمن المجالات المرشحة للنمو، بعدما ارتفع عدد السياح الصينيين القادمين إلى الأردن خلال النصف الأول من 2026 إلى 10 آلاف و967 سائحا، مقابل 8883 خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة 23.5%. وتسعى المملكة إلى تحسين الربط الجوي مع الصين واستقطاب مزيد من السياح، إلى جانب التعاون في صناعة الأفلام والتعليم والتكنولوجيا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار