تتغير ملامح المشهد الزراعي في تونس تدريجياً مع توسع زراعة الفواكه الاستوائية في مناطق اعتادت لعقود على الزيتون والحمضيات والحبوب، في تحول يعكس تأثيرات التغير المناخي وضغط شح المياه، ويطرح في الوقت نفسه رهانات اقتصادية جديدة مرتبطة بالإنتاج الزراعي والتصدير والاستثمار الغذائي.
وعلى أطراف العاصمة التونسية، بدأت البيوت المحمية ومساحات زراعية ناشئة تستضيف محاصيل مثل "المانغو" و"الأفوكادو" و"فاكهة التنين"، في مؤشر على تغير تدريجي في طبيعة الزراعات القادرة على التكيف مع المناخ المحلي.
ورغم أن الفواكه الاستوائية لا تزال تمثل حصة محدودة من الإنتاج الفلاحي في تونس، فإن مؤشرات ميدانية تعكس تسارعاً واضحاً في هذا النشاط خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور أكثر من 120 مشروعاً متخصصاً، خصوصاً في زراعة "فاكهة التنين"، الممتدة من شمال البلاد إلى بعض مناطق الوسط والجنوب.
ويُقدَّر عدد الفاعلين في هذا القطاع، بين فلاحين ومستثمرين صغار ومتوسطين، ببضع مئات، وسط غياب قاعدة بيانات رسمية دقيقة توثق حجم هذا النشاط الزراعي الناشئ أو تطور استثماراته.
ويقول في حديثه للجزيرة نت: "بدأنا هذه الزراعة منذ 13 عاماً، واليوم لدينا نحو 120 مشروعاً لغراسة الفواكه الاستوائية. استفدنا من التغير المناخي لإنجاح هذه الزراعات في تونس".
ويضيف أن هذه الفاكهة تتكيف مع البيئات الجافة وشبه الجافة، كما تتميز باستهلاك مائي منخفض نسبياً، إذ "لا يتجاوز استهلاك الشجرة لتراً إلى لتر ونصف من الماء أسبوعياً"، ما يمنحها جاذبية خاصة في بلد يواجه ضغوطاً مائية متزايدة.
وتواجه تونس خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متكررة وتراجعاً في معدلات التساقطات، ما دفع السلطات والقطاع الزراعي إلى إعادة تقييم الزراعات التقليدية مرتفعة الاستهلاك للمياه، مثل الطماطم والبطيخ وبعض الزراعات العلفية.
وفي هذا السياق، بدأت الزراعات الاستوائية تُطرح كبدائل أكثر قدرة على التكيف مع التحولات المناخية وأقل ضغطاً على الموارد المائية، خصوصاً مع توسع استخدام الري الموضعي والزراعة داخل البيوت المحمية.
وبالتوازي مع "فاكهة التنين"، بدأ الأفوكادو يفرض حضوره تدريجياً في بعض المناطق الساحلية التونسية، رغم محدودية الإنتاج حتى الآن.
وبحسب بيانات نقلها موقع "تريدج"، المتخصص في تحليل الأسواق الزراعية اعتماداً على بيانات منظمة الأغذية والزراعة " فاو"، بلغ إنتاج تونس من الأفوكادو نحو 336 طناً خلال عام 2023، وهو مستوى لا يزال محدوداً مقارنة بالمنتجين الكبار، لكنه يعكس توسع الاهتمام بهذا النوع من الزراعات.
أما المانغو والبابايا، فما تزال زراعتهما محصورة في نطاق تجريبي داخل البيوت المحمية وبعض مناطق الجنوب، دون تسجيل إنتاج تجاري واسع حتى الآن.
وفي تطور لافت، بدأت تجارب زراعة الموز تحقق نتائج أولية مشجعة في مناطق من الجنوب والوسط التونسي، رغم تحديات الملوحة وطبيعة التربة.
ويقول جاسم عيوني، وهو فلاح من ولاية سيدي بوزيد، للجزيرة نت: "نجحنا في زراعة الموز رغم ملوحة المياه وطبيعة التربة الطينية التي اضطررنا إلى تعديلها بإضافة الرمل".
وتأتي هذه المحاولات في وقت ارتفع فيه سعر الموز داخل السوق المحلية إلى نحو 20 ديناراً للكيلوغرام (نحو 6.7 دولارات)، مع تراجع الواردات وارتفاع تكاليف الاستيراد، ما زاد جاذبية الإنتاج المحلي لبعض المستثمرين الزراعيين.
ويرى الخبير الفلاحي علي قريعة، في حديثه للجزيرة نت، أن التغير المناخي لعب دوراً أساسياً في توسيع نطاق هذه الزراعات داخل تونس، مشيراً إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات "خلقا ظروفاً أكثر ملاءمة للفواكه الاستوائية".
ويضيف أن عدداً من هذه الزراعات لم يواجه صعوبات تقنية كبيرة، موضحاً أن بعضها قادر على دخول مرحلة الإنتاج خلال سنة واحدة فقط من الغراسة، ما يمنحها جاذبية استثمارية مرتفعة مقارنة ببعض الزراعات التقليدية.
كما يشير إلى أن هذه الزراعات "لا تستنزف التربة، بل تحتاج إلى الرطوبة أكثر من كميات المياه التقليدية"، داعياً إلى إدماجها ضمن استراتيجية وطنية لتنويع الإنتاج الفلاحي وتطوير الزراعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وبين محدودية الإنتاج الحالي واتساع التجارب الفردية، تبدو الفواكه الاستوائية في تونس قطاعاً ناشئاً يتحرك بين الاختبار المناخي والرهان الاقتصادي.
ومع تنامي الطلب العالمي على المنتجات الزراعية غير التقليدية، يرى فاعلون في القطاع أن هذه الزراعات قد تتحول مستقبلاً إلى مصدر إضافي للعملة الصعبة، خصوصاً إذا جرى تطوير سلاسل إنتاج وتسويق أكثر تنظيماً، وتحسين قدرات التخزين والتصدير.
لكن التحديات لا تزال قائمة، بدءاً من نقص التأطير الفني وغياب الإحصاءات الدقيقة، وصولاً إلى ارتفاع الكلفة الأولية لبعض الزراعات الاستوائية، والحاجة إلى بنية تسويقية قادرة على استيعاب الإنتاج محلياً وخارجياً.
وفي وقت تتوسع فيه هذه الخريطة الزراعية الجديدة بهدوء، تبدو تونس أمام مرحلة تختبر فيها ليس فقط حدود مناخها الزراعي، بل أيضاً قدرتها على تحويل التحولات المناخية إلى فرص اقتصادية قابلة للاستدامة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة