لم يكن الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران أسبوع هبوط عابر في البورصات، بل كان أسبوع إعادة تسعير واسعة للمخاطر، فقد قفزت أسعار النفط والغاز مع اتساع الحرب بما هدد التعافي العالمي وأعاد مخاوف التضخم إلى الواجهة.
وحسب بلومبيرغ فإن استمرار الأسعار المرتفعة للطاقة يضع الاقتصاد العالمي كله أمام مزيج أشد صعوبة من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار.
وربط خبراء بين القفزة التاريخية للنفط وبين اتساع موجة العزوف عن المخاطرة في الأسهم العالمية.
في الأسواق الخليجية العربية، لم تكن الخريطة موحدة، فقد:
في المقابل، تراجع مؤشر البورصة المصرية الرئيسي 3.44% خلال الأسبوع المنتهي، وكانت السوق المصرية بين الأضعف أداء في المنطقة خلال الأيام الأولى للصدمة.
وفي قطر، تعرض المؤشر لضغط واضح في بداية الأسبوع بعد توقف إنتاج الغاز المسال، قبل أن تتحدث قراءات السوق المحلية لاحقا عن تحسن نسبي مع نهاية التعاملات. وأغلق المؤشر على ارتفاع بـ1%.
وهنا قال يوسف بوحليقة محلل الأسواق المالية في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، إن بورصة قطر شهدت تراجعا ملحوظا في أولى جلسات التداول بعد عطلة البنوك، نتيجة حالة الحذر التي سيطرت على المستثمرين، مضيفا أن السوق سرعان ما بدأ يستعيد توازنه ويتجه نحو الارتفاع مجددا، ما يعكس ثقة المستثمرين بمتانة الاقتصاد القطري وقدرته على تجاوز التقلبات قصيرة الأجل.
أما في الإمارات، فكانت الخسائر هي الأشد خليجيا. فقد أعيد فتح سوقي دبي وأبوظبي بعد تعليق يومين على وقع ضربات إيرانية عبر الخليج، وواصل السوقان الهبوط عند استئناف التداول.
هذا التفاوت العربي ينسجم مع قراءة الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات في شركة فورتريس للاستثمار مصطفى فهمي، الذي قال في حديث للجزيرة نت إن الهبوط الأولي في الخليج كان "مبالغا فيه"، قبل أن تعيد جاذبية الأسعار وعمليات المضاربة القصيرة الأجل وبعض المؤسسات المحلية القوية جزءا من التوازن.
كما ذهب مدير الاستثمار في شركة الأهلي للوساطة المالية وليد فقهاء في حديث للجزيرة نت إلى أن كثيرا من بورصات الخليج ما زالت تتعامل مع الحدث على أنه "قابل للاحتواء"، ولذلك لم تسعر بعد سيناريو اتساع الحرب بالكامل، مستفيدة من البصمة الحكومية في الأسواق والشركات والبنوك وقدرتها على امتصاص الصدمة الأولى.
في آسيا، بدت الخسائر أوسع وأكثر انتظاما فقد:
وهذا يعني أن آسيا، إجمالاً، كانت من أكثر المناطق تعرضاً لصدمة الأسبوع الأول، مع تصدر كوريا الجنوبية موجة الخسائر.
وحسب وكالة أسوشيتد برس فإن آسيا هي "الأكثر انكشافاً" لأن الجزء الأكبر من وارداتها من النفط والغاز يمر عبر مضيق هرمز، ولأن أكثر من 80% من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة للمضيق تتجه إلى آسيا.
وكانت منطقة شمال آسيا من أكبر الضحايا الماليين الأوائل للحرب، بسبب حساسية المنطقة الاستثنائية لأسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، حسب بلومبيرغ، وهذا ينسجم أيضاً مع ما قاله وليد فقهاء عن أن السوق الكورية كانت من بين الأكثر هشاشة بفعل ارتباطها بالطاقة وبقطاع بناء السفن وعقود الغاز المرتبطة بقطر، إلى جانب الاعتماد الآسيوي الكثيف على الواردات والطاقة المستوردة.
في أوروبا، كانت الصورة أكثر قتامة، فقد
وبهذا، فإن الأسواق الأوروبية الكبرى أنهت الأسبوع على خسائر أعمق من وول ستريت، وأقرب في حدتها إلى كثير من أسواق آسيا.
وحسب بلومبيرغ، فإن الأسهم الأوروبية سجلت بحلول 3 مارس/آذار أكبر هبوط في يومين منذ أبريل/نيسان، مع تزايد الشكوك حول التضخم ومسار السياسة النقدية.
وقد يدفع ارتفاع أسعار الطاقة لفترة ممتدة أوروبا إلى حافة الركود.
ونقلت صحيفتا الغارديان (The Guardian) وفايننشال تايمز (Financial Times) البريطانيتان عن خبراء ربطهم بين تجاوز النفط مستوى 90 دولاراً وبين تدهور توقعات التضخم وتراجع احتمالات خفض الفائدة، وهو ما جعل أوروبا تبدو الأكثر حساسية لصدمة الطاقة بحكم اعتمادها الأكبر على الاستيراد.
وهذه هي الفكرة نفسها التي شدد عليها المحلل مصطفى فهمي في حديثه للجزيرة نت، حين قال إن ارتفاع النفط والغاز سيضغط على الاقتصادات الأوروبية من باب الواردات وربحية الشركات والمستهلك وسلاسل الإمداد في آن واحد.
في أمريكا، كانت الخسائر أقل حدة من أوروبا وآسيا، لكنها كانت واضحة بما يكفي لتؤشر إلى دخول وول ستريت مرحلة أكثر حذرا.
وبحسب أسوشيتد برس:
وذلك في أسوأ أسبوع للأسهم الأمريكية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وتفسر أسوشيتد برس هذا الأداء بأن السوق الأمريكية واجهت "السيناريو الأسوأ" تقريبا بين اقتصاد تظهر عليه علامات ضعف، في وقت تدفع فيه قفزة النفط التضخم إلى الأعلى.
وأشارت بلومبيرغ إيكونوميكس -من جهتها- إلى أن استمرار الصدمة يضع الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في وضع شبه مستحيل بين ضغوط الحرب على الأسعار وتباطؤ الاقتصاد.
وقدّرت "جيه بي مورغان" أن كل زيادة 10% في أسعار النفط قد ترفع التضخم الأمريكي 0.1 نقطة مئوية وتخفض النمو 0.2 نقطة مئوية، وهو ما يجعل أثر الحرب على الأسهم الأمريكية مرشحا للاتساع إذا طال أمد الاضطراب في الطاقة والشحن.
وقال تقرير لوكالة رويترز إن أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة تشهد ارتفاعا كبيرا مع تقييد الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران لصادرات النفط والوقود.
وقفزت أسعار الوقود بأكثر من 10% هذا الأسبوع مع ارتفاع سعر النفط فوق 90 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ سنوات، مما زاد من معاناة المستهلكين الذين يعانون بالفعل من التضخم.
وحتى أمس الجمعة، بلغ متوسط سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة 3.32 دولارات للغالون، بارتفاع 11% عن الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر/أيلول 2024، وفقا لبيانات جمعية السيارات الأمريكية.
كما بلغ سعر الديزل 4.33 دولارات، بارتفاع 15% عن الأسبوع الماضي، ليصل إلى أعلى مستوى منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
المحصلة أن الأسبوع الأول من الحرب لم ينتج مسارا واحدا للأسواق، بل ثلاثة مسارات متزامنة:
وإذا كان الأسبوع الأول قد قاد الأسواق إلى تسعير الخوف، فإن الأسابيع التالية قد تقودها إلى تسعير الكلفة الاقتصادية المباشرة، أي تكلفة النفط والغاز والشحن والتضخم وسلاسل الإمداد، وهذا تحديدًا ما حذر منه مصطفى فهمي حين قال: إن العالم لا يزال في بداية الحرب فقط، وإن استمرارها قد يفتح الباب أمام اهتزازات أوسع في أسواق المال العالمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة