قبل زهاء 50 سنة، بدأ يهود بيروت وتحديدا قاطنو منطقة "وادي أبو جميل " بالرحيل بصمت باتجاه فلسطين ومناطق أخرى حول العالم، على إثر اندلاع الصراعات المتلاحقة في المنطقة، وتأسيس إسرائيل عام 1948. غير أن غالبيتهم هاجرت تدريجيا عقب حرب حزيران/يونيو 1967، وصولا إلى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989)؛ ولم يبقَ منهم في الوقت الحالي سوى عشرات الأشخاص.
في هذا الحوار، تستضيف "الجزيرة " الكاتبة والصحفية اللبنانية ندى عبد الصمد للنقاش حول كتابها «حين انطفأت شرفات اليهود في وادي أبو جميل»؛ حيث توثق فيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية ليهود بيروت، وتسلط الضوء على فصل غير معروف كثيرا من تاريخ المجتمع البيروتي.
لم يقدِّم الكتاب الجديد رؤية أيديولوجية مختلفة، وإنما قدّم تفاصيل وافية عن مرحلة غاب الحديث عنها في الكتاب الأول؛ فهو يضم 24 قصة لأشخاص عاشوا فعلا ونسجوا علاقات وانخرطوا في تفاصيل الحياة اليومية للمدينة.
نحن اليوم نتلقى تلك الوقائع باستغراب، وتُنسج حول من يرويها أسئلة استهجان؛ لأننا بنينا في أذهاننا مفهوما يربط كل يهودي بإسرائيل التي حرمت الفلسطينيين أرضهم وشنّت الحروب على دولنا. لكن هذه النظرة الشمولية ظالمة؛ فهناك أجيال في لبنان لم تعش فترة ما قبل الزلزال الإقليمي، وبات وجود يهود بنوا حياة طبيعية في لبنان أمرا مستغربا وأقرب للخيالي، لا سيما أن وجودهم انتهى عمليا إلا من عدد محدود يفضل الخفاء
تركز العامل الأقوى لنجاح اندماج يهود بيروت في الفضاء العام على الاقتصاد، والتعليم، والثقافة المشتركة. لقد كان أبناء الطائفة جزءا حيويا من العصب المالي والتجاري للمدينة؛ إذ كان "وادي أبو جميل " (أو وادي اليهود) ملاصقا للأسواق التقليدية، فعمل كثيرون منهم في التجارة والصناعة (من الحرف اليدوية الخفيفة إلى صناعة الورق).
وفي الكتاب قصة رجل يهودي من آل عبادي انتقل من إيران إلى لبنان وأسس معمل ورق بات المورد الأساسي للقرطاسية في الدوائر الرسمية اللبنانية. كما عمل بعض يهود صيدا في حياكة البدلات العسكرية للجيش اللبناني، وبرع آخرون كصيارفة ومصرفيين أسهموا في نهضة بيروت الكوزموبوليتانية، فضلا عن الدور التنويري لمدارس "الأليانس " التي شكّلت جسرا ثقافيا منفتحا.
أما بقاء حاجز "الهوية الطائفية" قائما، فهو أمر يتشارك فيه اليهود مع سائر الطوائف اللبنانية، ويعود لطبيعة النظام السياسي والاجتماعي المحكوم بنظام "الملل " والمحاصصة الطائفية الموروث عن العهد العثماني والمكرّس في الدستور.
هذا النظام يفرض على الفرد المرور عبر بوابته الطائفية لتحديد الأحوال الشخصية (من زواج وطلاق وإرث)؛ مما جعل الفضاء الخاص محاطا بخطوط حمراء اجتماعية ودينية يصعب اختراقها. لذا، نجح الاندماج في الفضاء العام المشترك، بينما بقي الفضاء الخاص خاضعا لحراسة الهوية الطائفية التي تمنع الذوبان الكامل، وهو تناقض بنيوي يعيشه كل لبناني.
وصف "الرحيل الصامت" هو تشخيص لوقائع رواها سكان وادي أبو جميل؛ إذ تتمحور غالبية القصص حول رحيل لم يُبلَّغ عنه، ويُعرف فقط من إغلاق نوافذ المنازل واختفاء أصحابها. تكرر هذا المشهد كثيرا، وتُظهر المعطيات أن من رحلوا بصمت كانت وجهة معظمهم إسرائيل، مع هجرة أعداد كبيرة نحو أمريكا اللاتينية والشمالية وأوروبا.
لم يشهد لبنان قرارات طرد رسمية أو مجازر واضطهادا منظما وممنهجا ضد اليهود، ولم يكن الرحيل جماعيا في يوم واحد، بل كان تسللا هادئا، عائلة تلو أخرى، تبيع أملاكها بالسر أو تترك بيوتها وتغادر تحت جنح الظلام.
يعود هذا الصمت بالدرجة الأولى إلى "الخوف الوجودي " الناتج عن صراعات إقليمية كبرى فاقت طاقة الدولة اللبنانية الهشة؛ فقد وجد يهود بيروت أنفسهم محاصرين بين مطرقة انتمائهم لوطنهم اللبناني، وسندان التداعيات الأمنية لقيام دولة إسرائيل عام 1948، والحروب العربية الإسرائيلية، وتدفق اللاجئين الفلسطينيين، وصولا إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 واختطاف وقتل عدد من وجهاء الطائفة.
ورغم أن الدولة اللبنانية حاولت حمايتهم عبر استحداث مخفر شرطة في الوادي لحراسة المباني، إلا أن رحيلهم وسط الاتهامات الجاهزة بالعمالة والولاء المزدوج لم يكن مستغربا في بلد يتشظى.
تحمل استعارة "انطفاء الشرفات " بعدين: بعدا واقعيا يتمثل في إغلاق البيوت وهجرانها، وبعدا رمزيا يشير إلى تراجع قيم الانفتاح والتنوع التي طالما ميزت بيروت.
نعم، كان انطفاء شرفات وادي أبو جميل بمثابة جرس الإنذار المبكر والمؤشر الصارخ على تصدع صيغة العيش المشترك اللبنانية؛ فخروج مكون أصيل بالكامل من النسيج الاجتماعي كان أول فجوة عميقة في جدار التعددية، وإعلانا عن عجز النظام عن حماية الأقليات ضمن مفهوم المواطنة الشاملة.
صحيح أن بيروت كانت محكومة بمسارات معقدة من صراعات المحاور الإقليمية والتدخلات الخارجية والتناحر المسلح، وأن عوامل انفجار الحرب الأهلية كانت قادمة لا محالة؛ لكن يظل اختفاء الطائفة اليهودية بمثابة المسمار الأول الذي نزع صفة (الكوزموبوليتانية) عن بيروت، ممهدا الطريق لتحول المدينة لاحقا إلى كانتونات وخطوط تماس طائفية مغلقة
يتضمن الكتاب قصصا عن نساء تركن أثرا فارقا:
شولا كوهين: أول جاسوسة إسرائيلية أُقيمت شبكتها في لبنان؛ جمعت معلومات عن الجيشين اللبناني والسوري، وهربت يهود سوريا إلى إسرائيل عبر لبنان بمساعدة أفراد من القرى الحدودية. حُوكمت بالسجن 20 سنة وأُفرج عنها بعد 7 سنوات في عملية تبادل أسرى. رحلت عائلتها إلى إسرائيل، وعُيّن ابنها "إسحق لبانو " (لبنان) لاحقا سفيرا لإسرائيل في مصر.
ليزا: تمثل نموذج من قرر البقاء والوفاء للمكان؛ هُجّرت من الوادي خلال الحرب، وعادت إلى بيتها المتداعي فور فتح المنطقة. حين زرتها، صعدتُ الدرج بين طوابق تحولت لمكبات نفايات بعدما أغلقت شركة "سوليدير " العقارية الأبواب بجدران خفان واستولت على أملاك الناس بأسعار بخسة. عاشت ليزا مع شقيقها الذي عمل في معمل للبيرة، وعند وفاته دُفن في مقابر صيدا، حيث رافقها جيرانها الشيعة وقرؤوا على جثمانه الفاتحة لغياب الحاخام ورغبتها بالصلاة عليه، مشيرة إلى أن والدها كان حاخام الوادي.
تأسست مدارس "الأليانس " (الاتحاد الإسرائيلي العالمي) كجزء من مشروع تنويري فرنسي لتحديث المجتمعات اليهودية في الشرق. في بيروت، لعبت المدارس دورا كبيرا في دمج اليهود؛ إذ علّمت العربية والفرنسية وخرجت أجيالا انخرطت في الإدارة والتجارة، بل واستقطبت أبناء طوائف أخرى. لكنها أغلقت مع تحول وادي أبو جميل إلى خط تماس عسكري في حرب 1975.
أما موقف السلطات والقوى السياسية، فقد تأرجح بين الحذر والعجز والانحلال، وتفاوت بحسب المحطات:
عام 1948: حرصت دولة الاستقلال على التمييز بين "البريء كمواطن ودين " و "الصهيونية كحركة سياسية "، ووفرت الحماية للحي وكنيس "ماغين أبراهام "، وظل اليهود يمارسون شعائرهم رغم تسرب القلق وموجات الهجرة الأولى.
عام 1967 (نكسة حزيران/يونيو): تصاعدت الضغوط الشعبية والسياسية نتيجة الهزيمة، وعلت شعارات اليسار والقوى القومية المنددة، مما جعل الطائفة تشعر بفقدان الأفق، فسرع ذلك وتيرة الهجرة وإغلاق المؤسسات.
عام 1975 (الحرب الأهلية): تحللت الدولة وغاب القانون، ووقع الحي على خطوط التماس، فتعرض للدمار واختُطف عدد من وجهاء الطائفة وتصفيتهم (مثل رئيس الطائفة ألبير إيليا)، مما دفع من تبقى للهجرة أو الانتقال للمنطقة الشرقية ذات الأغلبية المسيحية تجنبا للخطف على الهوية.
رغم مرور زمن طويل، كانت المفاجأة الكبرى هي أن الذاكرة عن الحياة الجميلة التي عاشها اليهود في لبنان ما زالت حيّة ومفعمة بحنين جارف. أجريت عشرات المقابلات التي تقاطعت عند شخصيات ضبطت الذاكرة البيروتية؛ مثل "طبيب الفقراء " الدكتور شمس، والحاخام الذي كان يطهر أطفال الوادي وأطفال منطقة البسطة (السُنّة) على حد سواء، والحاخام الذي كان يشرف على الذبح في مسلخ بيروت لتكون الذبائح "حلالا وكوشر " صالحة للمسلمين واليهود معا.
كما وثقتُ شخصية «القبضاي اليهودي» الذي كان يسهر على أمن الحي بالتكامل مع قبضايات المسلمين والمسيحيين في المناطق المجاورة.
إن مواطني لبنان من الطائفة اليهودية هم لبنانيون وتعلقهم بوطنهم ليس مدار شك؛ لكن الظروف المعقدة صاغت نهاية وجودهم الفعلي ليصبحوا طائفة معترفا بها قانونا ومغيبة عمليا. وهذا المصير ليس معزولا، بل هو إنذار مبكر ومقلق لمصير أقليات ومكونات أخرى في لبنان تشهد هجرة مخيفة لشبابها. الكتاب يوثق نموذجا لما قبل سياسات الإقصاء، وهو تحذير للمستقبل من خطر الانغلاق والتقوقع والتعصب الفوقي
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة