قاسم توفيق روائي جدلي يثير عاصفة من النقاش في أي عمل أدبي جديد يترك الآخرين يثرثرون ثم يظهر شاهرا سلاح الفكر، لغته حصيفة غير إستعراضية قريبة من القلوب، تداعب العواطف وتهتز لها المواقف، يجوب أزقة واقعنا المعيش يلتقط شخصياته ويمنحها حرية الحركة في تسلسل الأحداث، وبخياله الواسع يعطيها بعدا فكريا لكنه يعيد تشكيلها كما يريد ويتعلم منها، وكما يقول: "الكتابة هي الشيء المريح الأكثر قيمة في حياتي".
وفي حوار مع الجزيرة أفصح عن أحلامه وخططه المستقبلية فقال: "إذا ترجمت أعمالي الأدبية إلى لغات عالمية فسأصل إلى جائزة نوبل للآداب"، وقال: "لا أكتب عن الأبطال.. كلهم شخوص أعيد تشكيلهم من الواقع.. يأخذون مني ويعلمونني أفكارا وفلسفة". فإلى الحوار:
الكاتب الملتزم والمعني بشؤون أمته ووطنه يحارب ليس في أوقات الحرب فقط، بل هو محارب طوال الوقت في حروب لا تكون بنتائجها شلالات من الدم وإن كانت حروبا قاسية يدفع فيها أثمانا باهظة. فالشاعر يكتب قصائد تكون مليئة بالعاطفة يعبر فيها عن مكنوناته أو أحزانه أو مواقفه عكس الروائي؛ فروايته لن تكون مقنعة أو مقبولة إن كانت في ذات اللحظة التي تدار فيها المعارك، فهي لن تتعدى كونها نقلا فوتوغرافيا يخلو من المفاهيم والأفكار والفلسفة وحتى استشراف للقادم.
فإذا كتبت أثناء الحرب تفقد قيمة رصد التفاصيل التي تبرزها ليس بالصورة وحسب، بل أيضا في تحليل وكشف الآثار المادية التي تنتج عنها في الأماكن والأزمنة والشخصيات، كما أنها تكون متأثرة عاطفيا والعقلانية فيها تكون أقل، ولا تنضج فعليا في عقل المؤلف إلا بعد ظهور النتائج، سواء أكانت هزائم أم انتصارات أم مجازر كما يحدث الآن في غزة.
لا أومن ولا أحب شخصية البطل، وفي تقديري فإنها من الأخطاء التي وقعنا فيها كأمة لأننا دائما ننتظر المخلص البطل، ولا يمكن أن يكون الشخص هو المحرك لتغيير أحوال الناس فالمحرك هو الله لكل الكون. أما من يقول هذا القائد أو الزعيم هو البطل هو المحرك فأنا لا أتفق معه مطلقا.
ولا أكتب عن الأبطال، وشخصياتي تتفاوت أدوارها بين الطويل والقصير والصعب أو السهل، كلهم شخوص وليسوا أبطالا، أعيد تشكيلهم من الواقع وأفكار الراوي أفكاري.
ما أريد قوله هو أن الشخصيات تصبح أفكارا فالفكرة هي التي تدوم وتعمل الأثر في النص. فالشخصيات التي أكتب عنها مثلما تأخذ مني تعلمني أفكارا وفلسفة وأمورا في الوجود وتأخذني إلى أماكن بعيدة لم أطأ أرضها من قبل، وهذه واحدة من متع الكتابة.
إذا كنا نتحدث عن الواقع الثقافي العربي بالتأكيد فقد أضحى اليوم مأزوما. وبتقديري أن في بداية الألفية كانت هناك بوادر عمل ثقافي مؤثر لكن التغيرات المفاجئة الثورية العجيبة بتشكلها وآلياتها والصدمة التي تركتها في الشعوب العربية كان لها أثر سلبي على الثقافة والشخصية العربية.
ومن المحزن أن المثقفين الحقيقيين الذين كانوا يشكلون العصب المهم أو الملجأ للتغيير لنجد تفسيرا لمعنى ما نعيش انسحبوا من الصورة. ومع بداية ما يسمى بالربيع العربي افتقدت الشخصية الثقافية العربية من تتكئ عليه من مفكرين ومثقفين ولم يعد من ثقافتنا سوى الأزمات والصراعات والبحث عن القليل من الأمل والجدوى من معنى وجودنا وهويتنا التي يتآمر عليها الآن.
المؤامرة ليست على هوية الفلسطيني مثلما يحاولون إيهامنا، المؤامرة على الهوية العربية، وبتقديري ما يدور الآن من أحداث وحروب سوف يلغي الهوية العربية، ويستبدلها بهويات جديدة مختلفة.
إذا تكلمنا عن الرواية الأردنية بالذات، فيمكن أن نجيب بسهولة عن تساؤل ما الذي يجعلها مهمة. فكلما اقترب الكاتب من بيئته بجرأة دون أن يخشى المقصات الهائلة التي تركب فوق رأسه، والتي كثرت مع انتشار وسائل التواصل وصار الكل ناقدا وباحثا ومفكرا، التصق الكاتب الأردني ببيئته بقوة.
والرواية في الأردن عبّرت عن البيئة الأردنية بشجاعة وموضوعية على الرغم من اكتظاظ هذه البيئة باتجاهات وهويات وأشكال ثقافية مختلفة لم يعشها الآخرون، وبتقديري تتفوق على مثيلاتها العربية، ليس انتقاصا من قيمتها.
الحب شيء ذاتي عميق في روح المحب، هذا الرأي قد يكون مثاليا أو رومانسيا لأن مفهوم الحب ليس سهلا تأطيره بإطار معين. ففي "حكاية اسمها الحب" الحب ليس خيارك كعاشق، بل خيار مجتمع ومن يحيطون بك، فهم أصحاب الخيار من خلال وضعهم القيم الجمالية التي يفترض أنها تخصك، وهي بالتأكيد ليست كذلك.
بتأثير المجتمع، بما يصنع من تجميل أو تقبيح للأشياء، تجعلك تنقاد خلف هذه المؤثرات حتى تصل إلى أنها منك. ففي المفاهيم الرومانسية الحقيقية كانوا يقولون حسب الأغنية "على إيش بتحبه" أو "خذ عيوني وشوفوا فيها"، هي ليست عيونه التي يحكي عنها بل هو عقله ووعيه بقرار منه. فقد تكون في حالة عشق حقيقية، لكنها عندما تكشف للآخرين، يكسرها الآخرون أو يشوهونها كل حسب رؤيته وما تعلمه، ومن هنا أقول إن المجتمع هو الذي يصنع الحب.
بالمنظور المادي النقدي الفكري، أعتقد أني حققت وأخذت ونلت ما يمكن أن يرغب فيه أي كاتب. وعلى الصعيد الشخصي حصلت على جائزة كتارا في الرواية 2018 وروايتي "ليلة واحدة تكفي" وصلت للقائمة الطويلة في البوكر 2023 والجمهور يتابع كل ما أكتب. هذه الأشياء مفرحة جدا وبتواضع لو حدث وترجمت رواياتي فسأصل إلى جائزة نوبل للآداب، هذا كله ليس غايتي من الكتابة فما أسعى إليه أن أجد نفسي. "الكتابة هي الشيء المريح الأكثر قيمة في حياتي" هذا لا يعني أني لا أحب ولا أتمنى أن أحقق الامتيازات الأخرى.
صدمت وما زلت مصدوما حتى اللحظة، وعلى رأي صديق لي أصبح "عندك جرحا نرجسيا"، وهذا تشخيص موضوعي للمسألة. فالأسباب التي وضعت أو قامت من أجلها هذه الهجمة مضحكة ومخجلة، أنت تتحدث عن رواية "ميرا" الصادرة عام 2018 وأحداثها في 2022، شيء لا يصدق هذه فانتازيا غريبة يمكن إضافتها لمآسي الثقافة العربية.
أعترف أن لي مواقف سياسية وفكرية وفلسفية قد يتم انتقادها والاعتراض عليها، أما انتقاء فقرة تنتقد ولدا سيئا يتجسس على الجارات من سطح بيته فتُصادر وتُمنع من التداول. هذه مبالغة سادية.
في حين لو أنه تمت قراءة هذا المقطع بموضوعية وإن كان فيه إشارة إيجابية لفعل يقدم عليه الولد لضرورة فنية بالتأكيد فسوف لن تقام هذه الثورة ضدي، بل ستجد إدانة لولد متعطل وقد يكون متعاطيا عندما يتجسس على بنات الجيران. فالرواية تنتقد الظاهرة ولا تمجدها، وهذه الكلمات أعدمت الرواية وكادت تعدم صاحبها.
لقد تلقيت تهديدات بالقتل وخرجت أصوات تطالب بمحاكمتي وتمت مصادرة الرواية ووضع اسمي على القائمة السوداء. لقد أعدمت الرواية التي صدرت قبل سنوات وكتب عنها الكثير من الدراسات، فرواية "ميرا" تناقش فكرة إنسانية عظيمة هي تغير فكر البشر ومعتقداتهم تبعا للبيئة التي يعيشون فيها.
هذا العمل يختلف عن أعمالي السابقة، فقد صنعت شخصية قد لا تكون معقولة، أو موجودة في حياتنا، لكنها واقعية وحاضرة بشدة في البيئة الواقعية والتركيبة الاجتماعية "يونس الضبط"، الذي قرر منذ بداية وعيه أن يعيش حياته مدافعا عمّا يؤمن به من أن الخير هو الحقيقة الخالصة التي توحد البشر وما سواه عبث طارئ.
قضى هذا الشاب حياته في عالم لم يكتشفه أو يعلن عنه أحد من قبله، لذلك صار يبدو للآخرين غرائبيا رغم واقعيته المفرطة.
ما حدث وقبل أن يكمل "يونس" الشهرين من العمر، قامت أمه بتسليمه لامرأة غريبة لتقوم باستعماله أداة للتسول مقابل مبلغ مالي دسته في يدها قبل أن تناولها صغيرها الذي لم يشبع لا من ثدييها ولا من رائحتها، فقد كان لهذا المبلغ دور في سداد حاجات البيت وحتى تحلية الأفواه المرّة التي جاءت تبارك المولود الغائب عن البيت لانشغاله بالعمل.
كانت تلك أول مهنة زاولها "يونس" في حياته دون أن تخلف في ذاكرته ما يتذكره عدا الرائحة الغريبة التي استحكمت في نفسه إلى أن أعدم دون أن يعرف مصدرها ولا أين عرفها رغم أنها لم تفارقه طوال حياته. لا يمكن الجزم بأن تلك الرائحة كانت السبب الذي جعله إنسانا مغتربا ومختلفا عن الآخرين لا يرى وجودا للشر، بل يرى الخير هو الأساس في البشر، والشر عملية طارئة متحولة وسريعة.
هذا الكلام يلائم وقتا آخر فالأدب هو السلاح الذي لا يصدأ "هذا من الماضي"، فقد صنعت وسائل الاتصال الاجتماعي اليوم أدبا مختلفا وصراعا جديدا بين الأدب الحقيقي والخربشات.
أن تنتظر أمة مثقفا حرا لا أجدها مقنعة، فلماذا أنتظر؟ لماذا أنتظر شخصية مثقفة حرة؟ لماذا لا أصنعها؟ لماذا لا أكون أنا؟ منذ مئات السنين ونحن نردد نادوا صلاح الدين، ومن غير المعقول أن نتغنى ببطولات الماضي ونتجاهل حاضرنا، فما يطرحه عزيزنا كامل قضية مثالية منبعها الوجع.
مشاركاتي ليست نادرة بل معدومة وأقصد ذلك، فلم أعد أشعر بصدق هذه اللقاءات أو التجمعات الثقافية فهي مبنية على أمور اجتماعية أكثر مما هي ثقافية، وشخصيا لم أجد فيها قيمة تضاف لي، غير أنه من مخرجات رواية "ميرا" صرت أشعر بأني أُهمّش ويدفع بي لخارج المشهد الثقافي ليس ببراءة بل بترصد.
أذكر أنه عندما ذهب ناشري لأخذ رقم إيداع لرواية لي وضعوا ملاحظة أن صاحبها هو مؤلف "ميرا" كما أنه تم استبعادي من العديد من المشاهد الثقافية والندوات دون ذكر الأسباب، وشخصيا توقفت عن تنظيم حفلات توقيع لكتبي.
وختم الروائي قاسم توفيق حواره بالقول إنه يصدر سنويا رواية، ونتيجة ما حدث في غزة توقف سنتين، ولديه روايتان جاهزتان للطباعة هما "أقتيمار" و"أخرس كثير الكلام"، مشيرا إلى أنه يكتب الآن رواية بعنوان "العائد من السماء" تتحدث عن غزة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة