آخر الأخبار

من زراعة الخرسانة إلى طيور فلسطين.. كيف يقرأ معماريو ماليزيا قضية الأمة بالفن؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كوالالمبور – تعكس لوحة "البصمة" شعار "الفن المعماري خارج النمط التقليدي"، وهو العنوان الذي اتخذه المعرض الفني لكبار المعماريين الماليزيين في العاصمة كوالالمبور، والذي افتتح في 26 يوليو/تموز ويستمر حتى 9 أغسطس/آب.

ويجد كثير من الزوار صعوبة في فهم العلاقة بين بصمة الإصبع والهندسة المعمارية؛ فالمعنى يبدو في بطن الفنان، غير أن صاحب اللوحة المهندس المعماري أدريانتا عزيز يرى في فكرة "التركيب والحركة" داخل خطوط البصمة مصدر إلهامه الأساسي.

ويشرح عزيز -في حديثه للجزيرة نت- تعبير "موتانيس روتاناس" بلغة الملايو، موضحاً أنه يرمز إلى البيئة المؤسسة لأي تصميم معماري؛ بما تتضمنه من نبات ومياه وأنوار تتخلل الخطوط وكل ما له علاقة بالحياة. وفي النهاية، يعتقد عزيز أن اللوحة تعبر عن معجزة إلهية تبعث المشاعر في نفوس الناس، وتملؤهم بجمال فكرة التغيير.

مصدر الصورة لوحة البصمة محاولة للإطلالة على إبداع الخالق (الجزيرة)

وقد استوقفت السلطان محرز بن السلطان منور -سلطان ولاية نِغري سيمبيلان- لدى افتتاحه المعرض لوحتان رئيسيتان: الأولى تعكس التراث الماليزي للمعماري مازلان، والثانية تجسد تاريخ النضال الفلسطيني ومآلاته للمعماري حاجيدار.

فن يعمق التراث ماليزيا

يبدأ استمتاع المعماري مازلان في الرسم باستعمال أقلام الرصاص أو الفحم فقط، ليبني لوحاته عبر رسومات مبدئية أولية، بينما تبقى الألوان مجهزة في ذاكرته حتى يسترجعها حين يهم باستكمال اللوحة.

ويرى نقاد الفن التشكيلي الذين حضروا افتتاح المعرض أن مازلان يمثل أنموذجاً للرسامين التقليديين الذين يعدون رسوماتهم بالأبيض والأسود ثم يعمقونها بإضافة الألوان؛ إيماناً بأن المباني ليست مجرد كتل صامتة بل كيانات نابضة بألوان مختلفة ومؤثرة تترجمها ذاكرته إلى لوحات زاهية.

ويحاول مازلان في لوحاته جمع تراث ماليزيا وثقافاتها المتعددة من خلال رسم المعالم الرئيسية كالأسواق والمساجد. ورغم كونه ينتمي لمدرسة الحداثة في الرسم المعماري، فإنه لم تستهوه المباني ذات الأبراج العالية، بل حرص على إضافة الألوان من ذاكرته إلى لوحات المساجد لتضفي عليها معاني الطبيعة، باعتبار المساجد هي أبرز المعالم المعمارية في الولايات الماليزية الثلاث عشرة والمدن الثلاث التي تدار من الحكومة المركزية.

مصدر الصورة المهندس المعماري مازلان يتحدث إلى السلطان محرز عن إيحاءات إحدى لوحاته التي تعكس التراث الماليزي (الجزيرة)

ويؤكد المعماري أزمان، أثناء حديثه عن لوحة الأسواق التراثية، أنها تمثل الذاكرة الشعبية واللحظات التاريخية التي رُسمت فيها المعالم معاً. فهي تجسد مباني حقيقية تعبر عن فلسفة الفنان ومبادئه الخاصة في الرسم والتصميم؛ إذ يمتلك كل معماري رؤية مستقلة تشكل هويته الفنية.

فلسطين.. المحنة والأمل

تمثل اللوحة الفنية بالنسبة للرسام المعماري مقالة قد لا يتمكن من كتابتها ونشرها، أو وقفة تضامنية قد يعجز عن القيام بها ميدانياً؛ هكذا عبر الفنانون عن تجليات أفكارهم.

إعلان

وفي صالة المعرض، تتوسط لوحة النهضة الماليزية لوحتين مخصصتين لفلسطين، لتعكس الرابط الوجداني والفكري بين الشعبين حتى وإن لم تظهر إيحاءات مباشرة بذلك داخل الخطوط. وتجسد لوحة النهضة مراحل الانتقال من زراعة النبات إلى زراعة الخرسانة، كما يوضح صاحبها المعماري حاجيدار عبد المجيد. بينما تحمل جذور الأشجار البارزة في أسفل الرسم معنى الحفاظ على الأصول والقيم أثناء انتقال ماليزيا من المنازل التقليدية ذات الدور الواحد إلى التطاول في البنيان، مع بقاء المستقبل بمشيئة الله، حيث يزين لفظ الجلالة المكتوب مرتين بحروف معكوسة المشهد كاملاً.

وعلى يمين لوحة النهضة، تحكي اللوحة الأولى لفلسطين قصتها قبل قرن من الزمان؛ حين لَجأ اليهود إليها فارين من جحيم أوروبا، ثم تحولوا بمساعدة الغرب إلى محتلين للأرض. وتظهر في اللوحة طيور قادمة من الشمال أو جنوب لبنان لتنقذ فلسطين، بينما تعبّر الأيدي المرفوعة نحو السماء عن دعوات المخلصين وتضامنهم مع الشعب المظلوم. ويؤكد حاجيدار أن هذه اللوحة تجسد الشعار الخالد بأن "فلسطين سوف تعود حرة من البحر إلى النهر".

أما اللوحة الثانية المجاورة للنهضة، فتظهر فيها موجات تدور عكس عقارب الساعة تحيط بالكعبة المشرفة، وفي قلبها خريطة فلسطين. ويشير حاجيدار إلى أن هذه الموجات تعبر عن حركة الطائفين حول الكعبة وسط اضطراب عالمي لن يستقر إلا بعبادة الله وحده خلاصًا من الظلم، الذي يمثل احتلال فلسطين واضطهاد أهلها ذروته القاسية.

الذاكرة الفنية عبر الأجيال

يمثل معرض "الفن المعماري خارج النمط التقليدي" في كوالالمبور أربعة أجيال متعاقبة من المهندسين المعماريين، يعود أولها إلى حقبة ما قبل الاستقلال عام 1957، أو -بتعبير المعماري حاجيدار عبد المجيد- جيل الحرب العالمية الثانية حتى الاستقلال، والذي يعتبر هو نفسَه أحدهم. وأوضح حاجيدار للجزيرة نت أن أربعاً من أوائل إبداعاته الكلاسيكية رسمها عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، واختيرت حينها لتعرض في المعرض الوطني للفنون الذي تأسس عام 1960.

مصدر الصورة المهندس المعماري حاجيدار عبد المجيد (الجزيرة)

ويرى حاجيدار أن الفارق الجوهري بين تصميم المباني والهندسة الرسمية والرسم الحر، يكمن في أن المهندس يضع لمساته الإبداعية وفق متطلبات الزبون أفراداً كانوا أو هيئات، أما الرسم فهو تعبير مطلق عن أفكار الفنان وتجلياته الروحية.

ومن هذا المنطلق، تزخر الصالة بلوحات يفسرها كل زائر وفق معاييره الخاصة؛ فهنا عمود أحمر يبدو مكسوراً عن عمد وسط ظلال غامضة، وهناك لوحة تستحضر حقل أرز شاسعاً بعد الحصاد. وإذا ما سألت فناناً عن القصة التي تقف وراء عمله، فغالباً ما يخبرك بأنه لا يعلم أو أنه لا توجد قصة محددة، لكن اللوحة في جوهرها تجسيد لقضية تشغل وجدانه وأراد تسجيلها؛ فبدلاً من كتابة رواية أو مقال، يختار المعماري رسمها لتصبح في مجموعها وثيقة لمشوار حياته وإرثاً استثنائياً تقرؤه الأجيال المقبلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار