يبرز سؤال الكرامة الإنسانية بوصفه الجرح الأنقى والأكثر إيلامًا. كيف يمكن للأخلاق أن تصمد في وجه انهيار المعنى؟ وهل ما زال الدين قادرًا على تقديم "الصراط المستقيم" في عالم يعاني من "التيه"؟
في مواجهة حضارة غربية فقدت بوصلتها الأخلاقية وجعلت المنفعة غايتها، كما تقول ضيفة الحوار، وكما يتجلى في ازدواجية المعايير الفاضحة تجاه ما يحدث في غزة، هل ما زال النموذج الإسلامي قادرًا على تقديم إجابات كونية؟ أم أننا كأمة "وسط" تخلينا عن دورنا كـ"شهداء على الناس" وأصبحنا مجرد مستهلكين لنموذج غربي يفرض علينا "اللذة بدلاً من الفضيلة"؟
ثم يأتي التحدي الأكبر: الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التي تبشر بعصر "تجاوز الإنسان". كيف نواجه هذا المد ونحن مجتمعات "تابعة" تكتفي بالتقليد والانبهار؟ وهل تروج لنا وسائل التواصل الاجتماعي لسعادة وهمية، أم أنها مجرد أدوات كشفت عن أزمتنا الحقيقية: أزمة بناء الإنسان؟
في هذا الحوار، نغوص في هذه الأسئلة المصيرية، لنستكشف العلاقة الملتبسة بين الدين والأخلاق، ونبحث عن مخرج من "حالة السير أثناء النوم" التي نعيشها، قبل أن يحولنا هذا المد إلى مجرد أدوات تخدم مصالح النظام الاستهلاكي العالمي.
وتستضيف الجزيرة نت الفيلسوفة الجزائرية الدكتورة نورة بوحناش، أستاذة الفلسفة بجامعة قسنطينة، للتعمق في فهم التحديات المعقدة التي تواجه الأسرة، والأخلاق، ووضع المرأة في العصر الحديث.
وتشتهر الدكتورة بوحناش بجمعها في مؤلفاتها بين الفكر الفلسفي والدرس الأصولي والمقاصدي، ومن أبرز أعمالها "الاجتهاد وجدل الحداثة"، و"مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي"، و"الأخلاق والرهانات الإنسانية".
في حوارها مع الجزيرة نت، ترى الدكتورة نورة بوحناش أن الأخلاق سابقة على الدين، إذ هي فطرة متأصلة في الإنسان، ضمن قراءة موصولة بفكرة فلسفية قديمة، فقد نظر سقراط إلى الفضيلة فوجدها تذكرا متأصلا في النفس الإنسانية، ففي انكشاف لعالم المثل تتبدى الأخلاق في مقام فوقي متعالٍ يدلل على وجودها قبل الواقع .
في الحقيقة، سؤالك الأول جوهري وأساسي: أيهما يسبق الآخر، الدين أم الأخلاق؟ نلاحظ أن الأخلاق قد تغيب في بعض المجتمعات المتدينة، بينما قد تحضر بقوة في مجتمعات أخرى غير متدينة. إذن، كيف نفسر هذا التناقض؟ هل الدين هو المصدر الأساسي لمبادئ الأخلاق لدى الإنسان، أم أن الأخلاق جزء من الهوية البشرية وكيانها؟
لقد طرح هذا السؤال العديدُ من الفلاسفة، ومن أبرزهم سقراط، الذي أكد أن الأخلاق طبيعة بشرية متأصلة. فمقولته الشهيرة "اعرف نفسك بنفسك" تدعو الإنسان للعودة إلى جوهره وإدراك أنه يمتلك معرفة الفضيلة بالفطرة، وبالتالي هي ليست مكتسبة من الحياة اليومية كما يجادله السفسطائيون. الأمر ذاته يؤكده الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في كتابه "سؤال الأخلاق"، فإن الإنسان في حقيقته كائن أخلاقي بطبيعته.
ما هي العلاقة التي ينبغي أن تجمع بين الدين والأخلاق؟ وأي دين يمكن أن يوضح لنا ماهية الأخلاق؟ في الحقيقة، وبعد تفكير ودراسة، أرى أن الإنسان بطبعه كائن أخلاقي، لكن الدين يأتي ليؤسس أمرين أساسيين:
1- الدين يمنح الأخلاق بعدًا ميتافيزيقيًا يتجاوز حدود الحياة الدنيا؛ أي يوفر لها تبريرًا ومعنى أعمق.
على سبيل المثال، قد نجد شخصًا أخلاقيًا مثل تشي جيفارا الذي ناضل من أجل حقوق البشرية، لكنه كان يتوقع من نضاله غايات دنيوية تنتهي بانتهاء حياته. أما الدين فيقدم مرجعية كبرى تفسيرية وتأسيسية، فالذي يؤمن بدين ويتخلق بقواعده السلوكية يجد في المرجعية الدينية حوافز وتبريرات تجعل أفعاله ذات قيمة ومعنى يمده بالأمل فيحيا مطمئنا.
كما أرى أن الدين يقدم في المقام الأول التبرير المرجعي للسلوكيات والقيم الأخلاقية، فيجيب على سؤال "لماذا أفعل ذلك؟". والإنسان كائن ميتافيزيقي، وله أبعاد ممتدة، وإذا لم يمتلك هذا البعد الذي يمنح المعنى، فإن أعماله تصبح محدودة وغير ذات قيمة. هذه هي الفائدة الأولى التي يقدمها الدين للأخلاق.
2- يمنح الدين الإنسان أدوات ووسائل للتحلي بالأخلاق.
فبصفتي مسلمة تعيش ضمن المنظومة الإسلامية وتمارس أوامر الله، أجد أن النصوص الدينية، من قرآن وسنة، توفر آليات لضبط السلوك وتوجيه الإنسان نحو الأفعال الصائبة، مما يجنبه التيه في خياراته، ذلك هو مضمون الصراط المستقيم الذي ورد في سورة الفاتحة، فالإنسان بحاجة إلى ورقة طريق في الحياة وقوانين منظمة، والدين يقوم بهذه المهمة.
من وجهة نظري، هناك توازن مهم يجب تحقيقه، فقد أدت مسارات الحداثة الغربية إلى حالة من "نهاية المعنى" والاضطرابات السلوكية التي تعم العالم اليوم، ليس فقط في الغرب. وهذا ناتج عن غياب الأفق الميتافيزيقي وفقدان المعايير الأخلاقية التي ينبغي أن تُؤسس على المعنى الذي توفره الأوامر الإلهية، وعليه تسود الضبابية وفقدان المعنى التي أنتجت العدمية والنكران.
أعتقد أن الإنسان، دون هداية أخلاقية من دين قويم، سيضل طريقه ويبقى تائهاً، حتى لو كانت أخلاقه قائمة على مبادئ العلمانية وحقوق الإنسان والتنوير. والدليل على ذلك هو ما نشهده اليوم من انهيارات كبرى في المجتمعات البشرية التي فقدت سبيلها.
ويبدو أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية قد تأثرت بشدة، وهي تعاني اليوم من فراغ أخلاقي وغياب للثوابت. ويعود السبب في ذلك إلى الابتعاد عن النموذج الإسلامي الأصيل، واستبداله بالنموذج الغربي الذي فرضته الأدوات الاقتصادية والسياسية للنظام العالمي الحالي. هذا النظام الاستهلاكي قائم على ترويض الذات على اللذة بدلاً من الفضيلة. وهنا نستحضر سقراط الذي ركز في حواراته الأفلاطونية، على أهمية ترويض الإنسان لنفسه من أجل تذكر الفضيلة.
أرى أن الدين أولاً مرجعية ميتافيزيقية تمنح الوجود والأفعال معناها وتبريرها. كما يمثل مجموعة من الأدوات القائمة على معايير سلوكية توجه الإنسان وتحول دون ضياعه بين خياراته المتعددة، بمعنى أنها تربيه على الصلاح.
في الواقع، يمثل علم الفقه وأصوله في التاريخ الإسلامي -رغم الانتقادات الموجهة إليه من المستشرقين والعلمانيين- أداة عملية لاستخراج الأحكام التي تضبط السلوك الإنساني تتبعًا للمتغيرات الطارئة، وهنا تكمن عبقرية الحضارة الإسلامية في تفعيل قيمة الصلاح، فقد عمل علم الفقه على تقديم الأدوات التي تعمل على ضبط الفعل الإنساني وتجعله صالحًا. ورغم ما شاب المذاهب والتقليد من سلبيات، فإن جوهر علم الفقه وأصوله يكمن في كونه علمًا للضوابط الشرعية التي توجه السلوك الإنساني وتحميه من التيه.
لقد لاحظنا اليوم الانهيارات الكبرى التي وصلت إليها الحضارة الإنسانية نتيجة ممارسات أخرجت الإنسان عن فطرته. لذلك، أرى أن الإنسان يمتلك فطرة أخلاقية، ولكن هذه الفطرة تضعف بمرور الزمن، تحت تأثير الغرائز والضغوط الحياتية. وهنا يأتي دور الدين ليقدم الأدوات اللازمة لتقويمها، كما جاء في سورة الفاتحة بوصف "الصراط المستقيم".
نعترف بأننا ورثنا إسلامًا تقليديًا، إسلامًا منقوصًا قام على الفصل بين الفعل الأخلاقي والفعل الديني، وهذا ما يفسر غياب الانعكاسات الأخلاقية لممارسة الشعائر الدينية في حياتنا اليومية لدى كثير من المتدينين. هذه الفجوة أدت إلى مأزق خطير، وهو ما حللته في كتابي "مقاصد الشريعة عند الشاطبي وتأصيل الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي".
فقد أدرك علماء العصر الذهبي للحضارة الإسلامية هذا المأزق المتمثل في فصل المسلم بين الدين والأخلاق. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجًا يحتذى به في بيان المقصد من الدين، حيث بيّن أن الأخلاق هي الغاية الأسنى من التدين، فالقرآن يصف الرسول عليه الصلاة والسلام بقول الله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم"، كما تؤكد الأحاديث النبوية هذا المعنى، فقد وصفته عائشة رضي الله عنها بأنه "قرآن يمشي على الأرض".
إذن، يتبين لنا أن الأخلاق والدين صنوان لا ينفصلان، فحسن الخلق هو الغاية النهائية للرسالة المحمدية، وهو ما يرفع الإنسان ويزكيه في مدارج الرفعة الأخلاقية، حتى وإن كان متدينًا ليس فيه تطرف، فالتدين والأخلاق متلازمان.
يمكن للإنسان أحيانًا أن يسير في طريق التدين بطريقة تخرجه عن الأخلاق، وهو ما نلمسه في مظاهر التطرف المنتشرة بين المتدينين اليوم، حيث يساوي المتدين بين مظهره الخارجي والدين، ثم يأتي بأنواع من السلوك الخشن والمنفر. إذن، كيف يمكن للأخلاق أن تصحح اعوجاج التدين الذي يؤدي إلى نتائج غير مرضية؟
إن الدين الإسلامي -لا المذاهب ولا العقائد- يؤكد أن كل ما ينبع منه لا بد أن يثمر حسن الخلق. ولهذا، نجد أن كل تدين يتعارض مع الأخلاق هو تدين زائف وغير أصيل، لأنه يقوض جوهر الدين نفسه.
يُعرف الإنسان بفطرته، قبل نزول الرسالات السماوية، ورغم اختلاف المذاهب والديانات، يتفق الجميع على أن الكذب أمر مرفوض والصدق شيء عظيم، وكل البشرية تتفق على هذه القيم. إذن، التدين الذي لا يتوازن مع الأخلاق أو لا يؤدي إلى حسن الخلق هو تدين زائف.
ولهذا، فإن المسلمين اليوم، كما ذكرت مرارًا، يعيشون واقعًا يشبه العلمانية الغربية، فهم يختارون من الدين ما يخدم مصالحهم الدنيوية ويتركون ما لا يتناسب معها. وهذا ليس بسبب العقلانية الغربية، بل بسبب هذا التوجه الذي يعطي الأولوية للمصالح الدنيوية على حساب المبادئ الدينية.
في الحقيقة، نحن فعلاً نعيش في "قرن الأخلاق"، لأن الحضارة الغربية القائمة على العلم والتقنية فقدت بوصلتها الأخلاقية عندما جعلت المنفعة هي غاية الوجود وهدف الحضارة الأسمى.
نلمس هذا الفقدان في جميع الممارسات التي نشهدها اليوم، وما يحدث في غزة يمثل أوضح دليل على ازدواجية المعايير، ويوضح أن الحضارة الغربية تتناقض مع القيم الأخلاقية.
قد يجادل البعض بأن الحضارة الغربية أخلاقية، مستشهدين بما يلاحظونه في أوروبا، بيد أن المركزية الغربية تؤدي مهمة السيطرة بفرضها لمنطق أخلاقي يتناسب مع الغايات البراغماتية التي تؤسسها كغاية حضارية؛ فالمركز يطبق المبادئ التنويرية على نفسه، بينما يعامل الآخرين بمبادئ تخدم مصالحه فقط. وهذا التناقض يؤدي إلى نتائج كارثية، نراها على الصعيدين الإنساني والطبيعي.
أدى النموذج الغربي القائم على أنانية الذات أو اللوغو مركزية، إلى نتائج خطيرة على البشرية. ففي حملاتها الاستعمارية التي تتجدد باستمرار، عملت أوروبا والغرب على إفناء الإنسان وتدمير البيئة. ولهذا، فإننا نؤكد أن هذا القرن هو قرن الأخلاق، وقد بدأت صيحات التحذير تأتي من داخل المنظومة الغربية نفسها، وتدعو إلى ضرورة عودة الإتيقا لتُساير الإفناء التقني الذي يمارس على الحياة.
هل يستطيع الإسلام أن يقدم بديلاً للانهيارات التي تعاني منها الإنسانية اليوم؟ إن الإسلام كمنظومة، بعيدًا عن تاريخ المسلمين وممارساتهم، يمثل نموذجًا يطابق فطرة الإنسان ويتوافق مع الغايات التي يطمح إليها في الوجود. وبالنظر إلى أن الإسلام كنموذج يؤسس القرآن والسنة دستورَه، فهو يقدم حلاً تقويميًا لما وصلت إليه نتائج الحضارة الغربية الآن.
يؤسفني القول إن في الفكر الإسلامي ومنذ صدمة الحداثة، لا نمتلك حاليًا القدرة على تقديم نموذج فكري وتحليلي قوي يمكنه أن يقدّم حلولاً للبشرية التي تعيش مأزقاً حقيقياً، بعدما حلت التكنولوجيا محل الإنسان.
إن النموذج الإسلامي يقوم على احترام الإنسان وتكريمه، ويهدف إلى الحفاظ عليه لا تجاوزه. نعيش اليوم إشكالية "تجاوز الإنسان"، خصوصاً مع التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والنانو، التي تبشر بنهاية الإنسان وقدوم "الإنسان المتجاوز" (Transhuman). وفي المقابل، يرتكز النموذج الإسلامي على الحفاظ على الإنسان وفطرته، فبدلا من الإنسان المتزكي، يمد النموذج الغربي بإنسان أبتر لا يعرف سوى القوة والسلطة والبطش في سياق المنفعة والذاتية.
بينما تعيش الحضارة الغربية حالة من الاغتراب والصراع بين القيمة والواقع، يوفر النموذج الإسلامي للإنسان انسجاماً بينهما. لذلك، أشبّه هذا النموذج دائمًا بقانون المرور، الذي يحدد المحرمات والواجبات والمباحات، وتجاوزها يؤدي إلى الهلاك.
أرى أننا مقصرون بشدة في أداء واجبنا تجاه الإنسانية، كنتُ أتأملُ في الآية الكريمة: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.." (البقرة: 143)، فكوننا أمة وسطًا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يعني أننا نمتلك معرفة بالمعايير الأخلاقية، في حين نجد أن هذه المعايير قد ضاعت لدى الآخرين. فمهما بلغ الإنسان من تقدم علمي، نراه اليوم يصل إلى مرحلة من التيه والانحراف، كما هو الحال في التحول الجنسي، حيث يصبح الرجل امرأة وتصبح المرأة رجلاً، مما يضع الإنسانية في مأزق خطير.
لذلك، لا أزعم أننا كأمة حالية نمثل هذا النموذج، ولكن النموذج الإسلامي الأصيل هو الذي يقدم الأمة الوسط الحاملة للمعنى والقيمة والمعيار.
أتفق معك تمامًا، أستاذي الكريم، في أننا ننظر إلى التقدم كحلم طوباوي، ونتعجب من كل ما ينتجه الغرب. والحقيقة، كما يقول الفقهاء، أن لكل شيء مصلحة ومفسدة، ومفاسد التكنولوجيا تفوق بكثير مصالحها بالنسبة لنا، فنحن مجتمعات تابعة وهامشية، لا ننتج التكنولوجيا، بل ننصهر فيها، مما يضعنا دائمًا في المؤخرة، نحن في حالة تبعية لا نكاد نفقه منظومة تكنولوجية، حتى نجد أنفسنا أمام أخرى.
لقد أصبحت التكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي، حقيقة واقعة بعدما كانت مجرد خيال في أفلام الثمانينيات والتسعينيات. لكن السؤال المطروح هو: ماذا يمكن أن تقدم هذه التقنيات لمجتمعاتنا؟ وهل ستبقى عقولنا المبدعة فيها أم ستهاجر إلى الغرب؟ إن أزمتنا في استخدام التكنولوجيا خطيرة، لأن تبعيتنا لها زادت من أعبائنا، فبينما فشلنا في صناعة دراجة، نجد أنفسنا اليوم أمام تحديات الذكاء الاصطناعي.
لا يمكننا امتلاك ناصية التكنولوجيا لأنها تُعد ميزان القوة. ومثال ذلك ما حدث في الحرب الكبرى بين الغرب وإيران، حيث تم استهداف إيران لمنعها من امتلاك التكنولوجيا النووية. إن بقايا التكنولوجيا القديمة التي أصبحت سلاحًا هي كل ما هو متوفر لدينا.
أما الذكاء الاصطناعي فيشكل خطرًا حقيقيًا على مجتمعاتنا لأنها لا تمتلك وعي التغيير، بل تكتفي بوعي التقليد، سواء أكان تقليدًا غربيًا أو دينيًا قائمًا على القشور والرسوم.
لا يمكن أن نصبح مجتمعات منتجة للتكنولوجيا لسببين أساسيين: أولاً، موازين القوى العالمية لن تسمح لنا بذلك. وثانياً، وعينا الاجتماعي الحالي لا يؤهلنا لإنتاج التكنولوجيا.
أرى أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً كبيراً، لأنه يرسخ محوراً جديداً للفردانية. فاليوم، لم تعد الأسر تجتمع كما في السابق، بل أصبح كل فرد منشغلاً بجهازه الخاص. لقد نجحت التكنولوجيا والعالم الافتراضي في تفكيك الأسرة وتقويض الروابط الأسرية التي كانت موجودة في مجتمعاتنا الإسلامية.
المشكلة الكبرى أننا في هذه المجتمعات لا نقدم حلولاً.. نحن لا نفكر، وإذا حاولنا ذلك، نكتفي بترجمة الأفكار الغربية وتقديمها لطلابنا، دون إدراك أن هذه الحلول لها مرجعيات مختلفة تماماً عن مرجعيتنا. ولهذا نفشل دائمًا؛ فنحن مجتمعات فاشلة تستورد منظومة تنهار، ثم تستورد أخرى لتنهار هي الأخرى.
إننا لا نستوعب أبعاد الذكاء الاصطناعي والعالم الافتراضي، لا في الواقع الحالي ولا في المستقبل، لأننا لا نملك الوعي اللازم. لقد أدى الذكاء الاصطناعي إلى إعادة برمجة الذات الإنسانية والأسرة بطريقة سلبية، مما عزز الفردانية إلى أبعد الحدود، وفتح المجتمع على انهيارات كبرى تفقده هويته وتوازنه.
انتهت العلاقات التراحمية بين أفراد المجتمع والأسرة، بسبب الانقطاع الذي فرضته التكنولوجيا الافتراضية والذكاء الاصطناعي. فنحن مجتمعات مستهلكة ومنبهرة بالتكنولوجيا التي لا تنتجها، بل تعيد صياغة نفسها وفقًا لما ينتجه الغرب.
يرى الغرب في المجتمعات الإسلامية دورين أساسيين: فهي تمتلك المواد الخام اللازمة لصناعة التكنولوجيا، كما يتضح من الأحداث في منطقة الساحل، وفي الوقت نفسه، هي سوق متاحة لتسويق المنتجات. هذه المنتجات لا تتوقف عند حد، ففي كل شهر أو عام، يظهر منتج جديد يفرض علينا التخلي عن القديم وشراء الجديد، مما يجعلنا في ماراثون استهلاكي لا ينتهي.
هذا الماراثون أنتج حاجات زائفة أدت إلى عجز الأسر وتفككها، وإلى عدم قدرة الأب على الإنفاق. ولهذا، فإن النموذج الإسلامي هو الذي يؤسس للوسطية، ويخلق إنسانًا قانعًا وراضيًا بحاجاته الأساسية.
أشكرك على هذا السؤال. في الحقيقة، أنا أراك وأنت تراني بفضل هذه التكنولوجيا، وهذا من محاسنها، لكن المشكلة تكمن في أننا لم نبنِ الإنسان الذي يستطيع أن يتحكم في مصالح ومفاسد التكنولوجيا.
وكما أشرت، فإن المؤثرين وتطبيقات التواصل الاجتماعي تروّج لسعادة وهمية وتدفع عجلة الاستهلاك، مما أنتج عادات جديدة في التسوق. فالتسوق الافتراضي أصبح يحكم العلاقات بين البائع والمشتري.
نحن نعيش حالة من "السير أثناء النوم" (Somnambulism)، حيث نتبع التكنولوجيا دون وعي، وكل واحد منا ينغمس في عالمه الافتراضي. ولهذا، لا نمتلك فهمًا لسلوكيات العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا التي أصبحت كيانًا يفرض نفسه على خياراتنا ومساراتنا.
أرى أن الأزمة الحقيقية هي أزمة بناء الإنسان، فإذا كان الإنسان يمتلك منظومة قيمية وأخلاقية راسخة، فسيتمكن من التحكم في هذه الأداة التي هي أشبه "بمصباح سحري". بناء الإنسان فكرة حللها مالك بن نبي في كل مؤلفاته. فبالنسبة له، "المشكلة هي الإنسان" الذي يعيش القابلية للاستعمار ويكرسها رغم نهاية الاستعمار القديم، وربما هي الحالة التي مكنت من الاستعمار الجديد ورسخته.
لو امتلكنا منظومة تربوية ترسخ القيم الإسلامية والأخلاقية لدى الأجيال، لتمكنا من استخدام التكنولوجيا لصالحنا، فالأخلاق القائمة على التقوى وضمير يقظ هي الأساس. عندها فقط نستطيع استخدام التكنولوجيا لزيادة التواصل بين أفراد العائلة والأصدقاء، واستخدامها في صالح الأعمال.
لكننا تخلينا عن تربية الإنسان على القيم الأخلاقية، التي تمنحه القدرة على التعامل مع تحديات الحداثة دون أن يفقد هويته. ونتيجة لذلك، أصبحت التكنولوجيا تتلاعب بنا وتنتج جيلًا تائهًا يفتقر إلى الثقافة والمرجعية. هذا الجيل يتبع الموضات السخيفة، ويتجه نحو الاستهلاك الذي يفرضه النظام الرأسمالي.
بصفتي أستاذة جامعية، لاحظت هذا التغيير لدى طلابي، فقد فقدنا نموذج الطالب الصلب، وأصبحنا أمام نماذج جديدة لا تملك مرجعية أو قيمًا. هؤلاء الشباب يسيرون بلا هدف، متمسكين بأجهزتهم، وسبب ذلك أننا لم نقم ببناء الإنسان.
وكما تقول الآية الكريمة "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، وهذا يمثل انتصارًا جديدًا للمنظومة الغربية الاستعمارية، التي تهدف إلى إنتاج إنسان يخدم النموذج الغربي الاستهلاكي ولا يروق له سواه. ولهذا، أصبح الإنسان يقف عاجزًا أمام هذا المد الرأسمالي الذي حوّل الإنسان إلى أداة تخدم مصالحه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة