إنها القاهرة إذًا، ولكنها بعد التاسعة إلا الربع في ذلك المساء الخريفي من أبريل/نيسان، حيث سيتوجب على ساكنيها ووافديها، وتحت ضغط لحظة إقليمية معاشة، أن يهرعوا إلى بيوتهم في حشود وجماعات، مخلفين وراءهم، وحتى التاسعة من صباح اليوم التالي، شوارع صامتة بظلامها ودروب ميتة بانعدام أنوار أعمدتها، وأزقة أُطفئت على عجل.
وشيئًا فشيئًا، بانعدام هذا النور، تفقد الأشياء قيمتها ويعلو صمت كئيب وموحش تلك الشوارع والساحات المكتظة بمقاهي الليل الرخيصة، وكافتيريات الفجر الكئيبة، وصالونات الشاي ذات الستائر المبطنة وباهتة اللون، والتي اعتادت على إخراج الآباء المؤرقين والأجداد المتناومين عن طورهم بضربات الفيش على طاولات الدومينو ومناضد لعب الورق، فيتحول الأمر إلى حظر للتجوال في مدينة يرى بعض سكانها أنه لا يقدّر وزنها التاريخي وثقلها الديمغرافي وحجمها المركزي.
تقول الوثيقة التاريخية، والتي جرى تناقلها من جيل إلى جيل وأدخل كل جيل إضافات إليها ليسهل تصديقها برغم عدم وجود ما يثبت صحتها في السندات الرسمية، إن الخديوي إسماعيل عندما أمر بإنشاء ما سيعرف لاحقا "القاهرة الخديوية" حرص على أن تكون فكرته التي هجس بها حد الاستدانة الخارجية مشروعا عمرانيا عملاقا يستهدف نقل كل مظاهر الجوانب الجمالية في أوروبا إلى القاهرة، ولذلك عمل على قدم وساق لأخذ النمط الأوروبي الأكثر صرعة في ذلك التوقيت، وهو أعمدة الإنارة الليلية، والتي كانت تنتشر بكثرة في العواصم الأوروبية، بل إن إسماعيل نفسه اعتبرها مظهرا من مظاهر الرقي الاجتماعي والذي كان يميز أوروبا في ذلك الوقت، لذا سيطلب وعلى عجل مهندس حسن السمعة وتاجر أعمال ذائع الصيت يدعى "شارل ليبيون" مصمم إضاءة حدائق "بلونيا – بلاتكور" غرب العاصمة باريس، وأسند إليه مهمة إضاءة شوارع القاهرة، والتي كانت حتى ذلك الحين تضاء بقناديل زيت الكيروسين وفوانيس الأعمدة المستمدة من العصر الفاطمي، والتي كانت تنتصب حكرا عند مدخل الساحات العامة والشوارع المحيطة بها.
سيعمد ليبيون باستشفاف هندسة النمط الفرنسي في إضاءة أنوار القاهرة، وهو ما سيعرف بعد ذلك بـ"المتروبوليتانية"، والذي سيحول شوارع المدينة إلى ما يشبه فنارات ليلية ومعسكرات قمرية، وذلك بتركيز الضوء في نقطة دائرية وحيدة المركز تسمح بالكثافة والانعكاس في الوقت ذاته، وهو النمط الذي لا يزال موجودا حتى الآن، ومثاله الأكثر بساطة صفوف الأعمدة الكهربائية المقابلة لبعضها بعضا في أغلب شوارع القاهرة.
بنمط في الإضاءة مثل ذلك، كان لا بد من أن يتحول الضوء من مجرد كونه عنصرا عمرانيا وضرورة حياتية كما أراد إسماعيل أن يكون، إلى شرط حياتي لصياغة مزاج المدينة الاجتماعي وقيمتها "الكوزموبوليتانية"، والتي لا تزال تحتفظ بها برغم مرحلة السقوط المشرف التي تشهدها منذ أكثر من عشر سنوات بعد استبعادها من أي قوائم الاستثناء التاريخي وإدراجها ضمن خطط التطوير الهندسي والترشيد الاقتصادي. فمع دخول المصابيح تراب القاهرة الممزوج بحصى نهري وغبار صحراوي لا تزال تحمله قيثارات الريح الليلية، انتشرت المسارح والمقاصف والمقاهي والنوادي الليلية، والتي ستكون لاحقا عاملا مؤثرا في إعادة الصياغة الزمنية لمفهوم الليل والنهار والخط الفاصل بينهما في الوعي الجمعي للقاهري، ساكنا كان فيها أو وافدا إليها.
وفي كنف التساهل العذب الذي أشاعته فوضى إنارة القاهرة لأول مرة في تاريخها، بعد قرون من الظلام، أصبح الضوء امتدادا للحياة الاجتماعية فيها، فلم تعد تُقرأ خارج أنوارها ولا يُستحق العناء لأجلها بدون مقاهيها، حتى إن أغلب ساكنيها وصفوا القرار الحكومي بالإغلاق المبكر بـ"قفل المقاهي".
قليلة هي المرات التي أُطفئت فيها القاهرة فوانيسها، وعُتمت فيها دروبها، واضطر غريب فيها أن يتخبط في الظلام، وأُجبر أهلها وهم المعتادون دوما على تناغم بريقها وصخب روحها على رؤيتها من نوافذهم دون أضواء، دون ضجة، كقصر ضخم غير مأهول وقد طواه الليل ولفّه بكل ثقل النجوم، قابعا تحت قشرة سميكة من العتمة لن يتمكن كل الشارل ليبيونات في هذا العالم والعالم الآخر من كسرها.
فلطالما كانت هذه المساحة من العيش مستثنى من أي شرط تاريخي طارئ كان أو متأصل لإلحاق عار الظلمة بها، كونها تحمل فوق عظامها ثقلا سياسيا واقتصاديا باعتبارها وبكل زهو عاصمة البلاد ومتنفسها المركزي، إلا أن ذلك الشرط والذي تحول بفضل الاعتياد إلى قاعدة قد تم كسره في نكبات أقل سوءا من قرار الثامن والعشرين مارس/آذار الماضي.
فبحسب الوثائق الرسمية المستمدة من الحكي الشعبي، فإن المرة الأولى التي جرى فيها تعتيم جزئي في القاهرة كانت في فترة الحرب العالمية الثانية عندما كانت المدينة ضمن نطاق الإجراءات الاحترازية ضد الغارات الجوية، ليبدأ منذ ذلك الحين تاريخ طويل من إجراءات تعتيم القاهرة ضمن خطط الدفاع الجوي، كان بعضها لظرف سياسي كما في فترة حرب الاستنزاف (1967–1970)، وكان بعضها لظرف أمني كما حدث بانتفاضة الخبز عام 1977، وصولا إلى صمت الشوارع حدادا على وفاة الرئيس السادات عام 1981.
لم يكن إطفاء أنوار القاهرة بالنسبة لسكانها مجرد إجراء طارئ أو قرار إداري عابر، بل كان لحظة تمسّ جوهر علاقتهم بالمدينة نفسها، فالقاهرة التي اعتادوا أن يروها مفتوحة على الضوء حتى في أكثر لياليها ازدحاما، بدت فجأة مطروحة في حداد، ظلام مطبق.
تقول سلمى نبيل، الكاتبة الشابة: "مشكلتي مع قرار تخفيف الأحمال أنه حول المدينة إلى شوارع تشبه بعضها بعضا، حيث تفقد المسافات قيمتها بتشابه المسير.. لم أعد أشعر بدفء تلك الشوارع كما في الماضي، لأن الظلام شيء غريب ولا يمكن تصديقه في القاهرة".
بينما يرى شادي أسامة (26 عاما) أنه "شرّ لا بد منه" في ظل طبول الحرب الإقليمية التي تُسمع أصداؤها على بعد كيلومترات.
تؤكد الدكتورة إيمان عبد الحليم أن العلاقة الشخصية بين القاهري ومدينته تستمد صفتها من "الضوء كامتياز اجتماعي"، وأن إطفاء الأضواء يترك أثرا نفسيا عميقا يعطل هذا الشعور بالزهو، وهو شعور سيبقى مستمرا حتى تعود الأمور إلى طبيعتها.
القاهرة هي مدينة غرباء وأرض للوافدين الجدد ونقطة التقاء ديمغرافي تعج بأجناس وأعراق ولغات. لكن حين انطفأت أنوارها، بدا الغرباء كأنهم الأكثر انكشافا في جسد المدينة، فالقاهرة التي كانت تمنحهم الانتماء عبر ضجيجها وضوئها المتواصل، تحولت في الظلام إلى فضاء واسع بلا علامات، كأنها مدينة فقدت إشاراتها الداخلية. لم يعد المقهى دليلا، ولا النور على ناصية الشارع مرشدا، فصار السير فيها أقرب إلى اختبار للذاكرة منه إلى حركة في المكان.
عبد الرحمن يوسف، طالب بجامعة الأزهر، يختصر المشهد وهو يراجع دروسه على ضوء شمعة: "أنا ضد القرار بكل تأكيد، خاصة أننا بعيدون عما يحدث وليس لنا علاقة به". وبينما كان يتحدث، هبط لون الظلام ليحلق فوق الرؤوس، وهتف عبد الرحمن بصوت هو صدى للمكان والزمان: "إنها التاسعة إذًا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة