مقديشو- يزخر الصومال بعادات رمضانية فريدة تعد إيذانا بقدوم الشهر الفضيل، ورغم أن طبيعة الحياة اليومية والوضع الأمني المضطرب الذي عاشته البلاد لعقود قد فرضا تحديات كبيرة، إلا أن المجتمع الصومالي ظل محتفظا بخصوصيته؛ إذ لا يزال الصوماليون يتمسكون بممارسات سلوكية واجتماعية ذات أثر وجداني عميق، تتجاوز في رسوخها هشاشة الظروف المحيطة.
ففي الوقت الذي تفرض فيه أجواء السلام المستدام استقرارا للممارسات بمرور الزمن، يبتكر الصوماليون تقاليدهم الخاصة التي تعكس روح التحدي والوفاء للموروث الشعبي.
وتتجلى هذه الروح في مظاهر متنوعة، تتراوح بين طقوس المائدة التي تتصدرها "السمبوسة" و"حليب النوق"، ومرورا بمدارسات القرآن الجماعية كـ "سبع سون" والمسابقات القرآنية، وصولا إلى مبادرات التضامن الاجتماعي وسهرات مقديشو النابضة بالحياة.
مع حلول رمضان المبارك وثبوت رؤية الهلال، تغلق المطاعم الكبيرة والمطابخ الشهيرة أبوابها، وهي عادة رمضانية درجت في حياة الصوماليين، بينما تنتعش المقاهي الصغيرة موسميا مستغلة هذا الوضع.
ويقول ماهر (40 عاما) للجزيرة نت -وهو نادل في أحد مطاعم مقديشو- إنه يعتبر رمضان "إجازة العام" لاستغلال نفحات الشهر الفضيل وقضاء وقت ذي جودة مع أسرته، كما يستعد نفسيا للعودة إلى العمل بروح وحيوية أكبر.
أما ملاك المطاعم فيستفيدون من هذا الشهر في إعادة ترميم المرافق وتجهيزها للعمل طوال 11 شهرا متواصلة، ومنح إجازة للموظفين للتركيز على حياتهم الخاصة وتعزيز استفادتهم من بركات الموسم المبارك.
تعد السمبوسة في الصومال سيدة المائدة الرمضانية بلا منازع، إذ تحتل مكانة متقدمة لدى الصوماليين في مائدة الإفطار ويتم إنتاجها كل حسب قدراته المادية.
وتكثر في رمضان طلبيات السمبوسة وتلقى رواجا كبيرا، ويجري إعدادها بتجهيز غلاف مثلث مصنوع من العجين يحشى باللحم أو السمك أو الدجاج المفروم أو حتى الخضروات والبطاطس الطازجة مع بهارات خاصة؛ حيث تحظى باهتمام الأسر الميسورة والمعوزة على حد سواء.
ويقول عبد الرحمن بشير، مالك أحد المحلات، للجزيرة نت "رمضان هو الفترة الأكثر ازدحاما بالنسبة لنا، حيث تزداد المبيعات بأكثر من 207% مقارنة ببقية أشهر السنة، إذ يرتفع الطلب على السمبوسة ذات الجودة العالية المناسبة للإفطار، وهي أول ما يفضل الناس البدء به بعد التمر مباشرة".
يعد حليب النوق مادة أساسية عند الصوماليين، لكن في رمضان تزداد الطلبات عليه بشكل ملحوظ؛ حيث ترتفع أسعار أنواع الحليب المختلفة وخاصة حليب النوق، إذ لا تستطيع مزارع تربية الإبل في ضواحي مقديشو تلبية كامل احتياجات السوق خلال الشهر. ويلجأ كثير من كبار السن إلى شربه لتعزيز جودة الغذاء والحصول على فوائده الصحية.
ويشجع الأطباء المرضى الذين يعانون من مشاكل في الهضم على تناوله، كما يساعد البعض على تقليل مقاومة الأنسولين، وهو مادة غذائية طبيعية غنية بالبروتين والدهون الصحية.
تعد "السور" من الأكلات الشعبية الوطنية التقليدية في الصومال، وهي أكلة قديمة في حياة الريف قبل سيطرة الأرز والسباغيتي (Spaghetti) والأكلات السريعة على النمط الغذائي، وتتجدد قيمتها في كل رمضان. وتصنع هذه الأكلة من الذرة المطحونة أو الدقيق وتقدم مع السمن أو اللبن أو اللحم والمرق.
وتحتل "السور" مكانة خاصة في رمضان؛ إذ تعد وجبة السحور الأكثر شيوعا عند الصوماليين، وذلك بسبب سهولة إعدادها في ظل ضيق الوقت الناجم عن الالتزامات الروحية والأجواء الإيمانية.
في رمضان تكثر موائد الإفطار الجماعية في الصومال، إلا أنها تحمل طابعا فئويا متنوعا؛ حيث تقيم كل شريحة من المجتمع تجربة إفطار خاصة بها، كالشركات الكبيرة ومسؤولي الحكومة والنقابات المهنية.
وتزداد في السنوات الأخيرة عادة افتراش الشوارع الكبيرة في مقديشو بموائد الإفطار؛ ففي أول مائدة جماعية لعام 2026، أقيم إفطار في مديرية "هدن" وسط العاصمة، ولتجاوز الفئوية، حضر الإفطار مختلف الفئات من مسؤولين حكوميين وممثلي قطاع الأعمال وشرائح المجتمع المدني.
في رمضان يعود أبناء الشتات إلى البلاد للتقرب من الأهل والأصدقاء، ويحرص بعضهم على توفيق إجازات عملهم وعطلاتهم السنوية مع موعد رمضان للالتقاء بالأقربين بعيدا عن ضغوط الغربة.
ومن أسباب هذه العودة، التي أصبحت تدريجيا عادة راسخة، قلة ساعات الصيام في الصومال مقارنة ببلدان أوروبا وأمريكا الشمالية.
ولا تتجاوز ساعات الإمساك في الصومال ما بين 12 و13 ساعة، بينما يصل الصيام في بعض بلدان المغتربين إلى 18 أو 19 ساعة.
انطلاقا من الإيمان بأهمية إحياء القرآن في رمضان، تكثر المسابقات القرآنية في عموم البلاد وعلى مستويات متعددة؛ حيث تعقد المدارس مسابقات لمنتسبيها، وتجري الولايات الفدرالية مسابقات في مناطقها.
وفي عام 2023، أطلقت مسابقة قرآنية رئاسية لأول مرة في تاريخ الصومال برعاية رئاسة الجمهورية وتنظيم وزارة الأوقاف، وجرت ثلاث دورات متتالية (2023، 2024 و2025)؛ حيث يشارك فيها الفائزون الأوائل من مسابقات الولايات، وجائزتها المالية تقدر بأقل من 100 ألف دولار.
تتألف هذه العادة من كلمتين؛ الأولى "سبع" وهي عادة مراجعة القرآن عبر الجلوس في حلقات دائرية، وتعني أيضا تقسيم القرآن إلى سبعة أجزاء بأسماء أيام الأسبوع، وكلمة "سون" تعني بالصومالية الصيام، لذا فالمصطلح يشير إلى مدارسة القرآن الرمضانية.
هذه الطريقة في المدن لكنها تظهر بكثافة في القرى والأرياف؛ وعلى المستوى الرسمي، اشتهر بها مؤخرا سفير الصومال لدى جيبوتي، السفير صلاد علي غيلي، الذي ينظمها سنويا.
يجتمع الحفاظ في فرق تطوف أحياء القرى يقرؤون القرآن معا (آية لكل فرد)، وتتولى الأسر تقديم الإفطار وعشاء فاخر بـ "ذبيحة خاصة" إكراما لهم، ويختمون الجزء الخاص بذلك اليوم في بيوت من وجهوا لهم الدعوة، وهي عادة رمضانية بامتياز.
وتكثر حملات إغاثة الملهوفين اقتداء بهدي الرسول الكريم محمد ﷺ الذي كان أجود ما يكون في هذا الشهر.
ويتبنى الشباب ومؤسسات المجتمع المدني حملات إفطار للأسر النازحة في المخيمات، وحملات لشراء ملابس العيد للأطفال الفقراء؛ إذ يعيش 54.4% من السكان تحت خط الفقر وفق بيانات عام 2022.
ومن بين هذه المبادرات "حملة كسوة العيد للأطفال"، وهي حملة شبابية أطلقها طلاب جامعات بالتعاون مع إدارة مسجد "أبي هريرة"، والتي تأسست عام 2021 وحتى عام 2025 نجحت في توفير ملابس العيد لـ 4665 طفلا من الأسر الفقيرة وسكان المخيمات.
في السابق كانت أنشطة "المسحراتي" تحتل مكانة متقدمة، ولكن حاليا تبدأ حياة جديدة في مقديشو بعد صلاة التراويح؛ حيث تعود حركة الأسواق إلى ذروتها للتسوق بعيدا عن زحمة النهار، وتنبض المدينة بالحياة ويسهر الشباب في المقاهي والشوارع حتى السحر.
وقد عزز التحسن الأمني وانتشار أماكن الترفيه تجربة الحياة الليلية، بينما تجتهد بعض الأسر في إحياء الليل بالصلاة والدعاء. وبشكل عام، تقل حركة الناس نهارا، مما أدى إلى تراجع مهنة المسحراتي التي باتت تقتصر على بعض الأحياء العتيقة.
"جيروني" هو اسم صومالي يطلق على منافسات كرة القدم الرمضانية، حيث تنتشر مسابقات ينظمها الشباب الهواة في الأحياء والشوارع، وغالبا ما تُقام بين العصر والمغرب.
وبدأت مؤخرا بعض الشركات والمؤسسات بتنظيمها بين موظفيها لإبقاء ثقافة الرياضة البدنية حية، وتعزيز الروابط الاجتماعية وتقوية روح التنافس والتسلية بين المشاركين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة