"جبال الفردوس" في قيرغيزستان.. رحلة في أحضان الطبيعة والخيام التقليدية
ملاحظة المحرر: هذا المقال بقلم مصور السفر والكاتب ستيفن ليوي.
( CNN )-- لم يتبقَّ سوى بضع خطوات فوق منحدر صخري تُغطيه الثلوج للوصول إلى قمة الممر، وعندما اجتزته أخيراً، ظهرت أمامي إطلالة بانورامية لسلاسل جبلية تشكل خلفية لامتداد من المياه الجليدية زرقاء اللون.
تُعرف القمم المحيطة باسم "جبال الفردوس"، وهي ترجمة تقريبية لاسم "تنجير تو" باللغة القيرغيزية و"تيان شان" باللغة الصينية. ومن موقعي هذا، حيث أشعر وكأنّني على قمة العالم، لا يسعني إلا أن أوافق على هذه التسمية.
يُعد المشهد المطل على بحيرة "آلا-كول" ( Ala-Kol ) من ضمن العديد من المعالم المذهلة على طول مسار المشي لمسافات طويلة الممتد لـ 110 كيلومترات عبر قيرغيزستان .
يحتضن مسار "أك-سو العرضي" ( Ak-Suu Transverse Trail )، أو "AST"، أحد أجمل أجزاء جبال "تيان شان" القيرغيزية. في الماضي، كان هذا المسار حكراً على المتنزهين المتمرسين المستعدين لحمل حقائب ثقيلة مليئة بمستلزمات تكفي لأيام، بما في ذلك الخيام والطعام والملابس.
ومؤخراً، بفضل مبادرات ريادية لإعادة توظيف خيام "بوز-أوي يورت" الدائرية التقليدية التي يستخدمها الرعاة الرحل موسمياً، وتحويلها إلى شبكة إقامة مريحة نسبياً وسط هذا الموقع المعزول، أصبح من الممكن اجتياز هذا المسار بحقيبة ظهر صغيرة بها مستلزمات تكفي ليوم واحد فقط.
غمرني الشك خلال رحلة نزولي من الممر الجبلي، وتساءلت: هل سأتمكن من العثور على المخيم إذا استمر هطول المطر؟
وبينما زادت شكوكي عندما حلّ الظلام، سمعتُ صوتاً ينادي باسمي من مكان مرتفع: "ستيفن!".
اتّضح أنّه الشخص المسؤول عن المخيم.
تجربة تستحق التكلفة
لحقته إلى الخيمة، وفي غضون نصف ساعة، وجدتُ الشاي جاهزاً وطبق "بيلوف" أمامي، وهو وجبة أساسية مشبعة في آسيا الوسطى تتكون من الأرز واللحم والخضروات.
وعندما أزلت ملابسي المبللة مستمتعاً بالدفء المنبعث في المكان، أدركتُ أنّ تكلفة الإقامة في هذه الخيام تستحق التكلفة.
يبدأ المسار من جيرغالان التي تُعد مركزاً للسياحة البيئية في أقصى شرق قيرغيزستان، ويمر عبر سبع ممرات جبلية بارتفاع عمودي إجمالي يتجاوز 21,600 قدم (نحو 6،500 متر).
يحتضن المسار بحيرات جبلية وشلالات وسط مراعي "جايلو" الخضراء، حيث يرعى الرعاة قطعانهم خلال فصل الصيف.
عادةً ما تُنجز الرحلة خلال تسع أيام، مع توفر خيارات المبيت في خيام "يورت" التقليدية على طول المسار.
في عام 2024، حوّل دانيار أليمبيكوف، وهو مرشد محلي للمسارات تحوَّل إلى رائد أعمال، نشاط شركته السياحية " Kyrgyz Life "، فبدلاً من الاكتفاء بتنظيم فرق استكشافية تضم مرشدين وطهاة وحمّالين، عمل على إنشاء شبكة متكاملة من مخيمات "يورت" على امتداد المسار بأكمله.
يقول أليمبيكوف إنّه استلهم فكرة توفير أماكن الإقامة هذه بعد أن رأى ازدهار ثلاث مخيمات كانت موجودة بالفعل على المسار.
في البداية، فكّر بالاكتفاء بإضافة ثلاثة مواقع أخرى فقط، لكنه أوضح: "أدركت لاحقاً أن المشروع سينمو، وأنّني بحاجة لتغطية المسار بأكمله".
السفر بخفّة
توسعت المخيمات الآن لتصبح أشبه بقرى صغيرة، وتواصِل الأعمال ازدهارها رغم بعض التحديات اللوجستية.
وعلى عكس الغالبية العظمى لمسارات المشي لمسافات طويلة في قيرغيزستان، يتيح مسار "أك-سو" للمتنزهين خوض التجربة بمفردهم، مكتفين بحقيبة ظهر صغيرة وعصي المشي الجبلي.
وبفضل توفير مخيمات "يورت" التابعة لشركة " Kyrgyz Life " للوجبات والمأوى، لا يحتاج المتنزهون فعلياً سوى لملابس إضافية وكاميرا لتحقيق أقصى استفادة من الرحلة.
إبريق شاي بانتظارك
في منتصف الرحلة، يتّضح الفرق بشكلٍ كبير، فقبل سنوات، كان المتنزهون لا يرون سوى عدد قليل من الرعاة على امتداد الأيام الخمسة الأولى أو اليومين الأخيرين من المسار.
لكن أصبحتُ أصادف الآن مجموعات عديدة من هواة المشي وهم يشقون طريقهم نحو بحيرة "آلا-كول".
وفي ظل غياب الطرق والمصاعد والبنى التحتية في هذه المناطق النائية، هناك اعتقاد عام بأنّ العثور على مثل هذه الطبيعة البكر أصبح أمراً نادراً في الوجهات السياحية الشهيرة.
وخلف البحيرة ونهر "تاكير-تور" ( Takyr-Tor ) الجليدي، تُشكّل القمم الجبلية التي يتجاوز ارتفاعها 16 ألف قدم (4،800 متر تقريبًا) مشهدًا بانوراميًا يظل محفورا في الذاكرة.
وفي أحد مخيمات "يورت" القريبة، يكون إبريق الشاي الدافئ بانتظار الزوار دائماً.
وتقول تارا فينويك-سميث، وهي رحالة أمريكية أكملت مسار " AST ": "بصفتي شخصاً خاض تجارب عديدة للمشي لمسافات طويلة حول العالم، أستطيع القول إن هذا المسار يجمع بين كل المزايا الرائعة حقاً".
وأضافت: "لم تقتصر تجربتنا على مشاهدة مناظر طبيعية خلابة في المناطق النائية بقرغيزستان فحسب، بل أُتيحت لنا أيضاً فرصة التعرف على الثقافة المضيافة التي يتميز بها السكان".
معلومات عملية
صُنِّف مطار "كاراكول" ( IKG )، الذي يُعد مركزاً رئيسياً لرحلات المشي لمسافات طويلة، كمطار دولي بعد إعادة افتتاحه التي طال انتظارها عام 2024، إلا أنّ الرحلات الجوية التي تُسيَّر حالياً تقتصر على المسارات الداخلية بين العاصمة القرغيزية بيشكيك ومدينة أوش الجنوبية.
وفي المقابل، يستقبل مطار "إيسيك-كول" الدولي ( IKU ) القريب رحلات موسمية قادمة من كازاخستان وأوزبكستان وروسيا، بينما يتمتع مطار "ماناس" الدولي ( BSZ ) في بيشكيك بشبكة رحلات واسعة تربطه بالمطارات الرئيسية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
تبدأ تكلفة رحلة المشي لمسافات طويلة ذاتية التوجيه والشاملة للخدمات (بما في ذلك الإقامة في خيام "يورت" التقليدية وثلاث وجبات يومياً من 64 دولاراً تقريباً في اليوم الواحد عند الحجز مباشرة عبر شركة " Kyrgyz Life ".
كما تتوفر خدمات المرشدين والخيول بتكلفة إضافية عند الحاجة.