Alp Aksoy/Alamy Stock Photo
فيسبوك (تويتر سابقا) شارك رابط
تم نسخ الرابط

(CNN) -- كان هذا المكان سجنًا، وقلعةً وخزانةً إمبراطورية، ثم تحوّل إلى أطلال مهجورة. وعلى مدى قرون طويلة، صمدت قلعة "يدي كولة" في مدينة إسطنبول، المعروفة باسم "قلعة الأبراج السبعة"، أمام تعاقب الإمبراطوريات وفترات الإهمال. واليوم، مع خضوعها لمشروع ترميم واسع بدأ عام 2020، بدأت أسرارها العميقة تظهر من جديد.

ورغم أن القلعة تعد من أهم المعالم التاريخية في إسطنبول، فإنها تستقبل عددًا أقل بكثير من الزوار مقارنة ب قصر طوب قابي أو صهريج البازيليك.

وتعود جذور تاريخ "يدي كولة" إلى نحو 1700 عام، عندما أعلن الإمبراطور قسطنطين العظيم مدينة بيزنطة عاصمة جديدة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، وأعاد تسميتها القسطنطينية. وكانت أسوار القسطنطينية في القرن الرابع من أكثر أنظمة الدفاع تطورًا ونجاحًا في العالم، ولا يزال جزء منها، المطل على بحر مرمرة، قائمًا في منطقة يدي كولة.

تضم قلعة "يدي كولة" أجزاءً من أسوار القسطنطينية القديمة، وهي حصن يعود إلى القرن الخامس عشر، استُخدم خزانةً إمبراطورية وسجنًا ملكيًا، وتقع في حي الفاتح بمدينة إسطنبول.
Ayhan Altun/Moment Open/Getty Images

في الجهة الغربية من الحصن تقع "البوابة الذهبية"، وهي قوس نصر ضخم ثلاثي المداخل بارتفاع نحو 12 مترًا، مصنوع من الرخام، ومحاط ببرجين. وكانت هذه البوابة ممرًا احتفاليًا يخرج عبره أباطرة بيزنطة إلى الحملات العسكرية ويعودون منه بعد الانتصارات. وكانت في الماضي مزينة بأبواب مذهبة وتماثيل برونزية، من بينها تماثيل للإمبراطور ثيودوسيوس والإلهة نايكي.

نُقلت الخزانة إلى قصر طوب قابي في إسطنبول خلال القرن السادس عشر، ثم تحوّلت قلعة "يدي كولة" بعد ذلك إلى سجن.
chetverg/iStockphoto/Getty Images

وبعد فتح القسطنطينية، أمر السلطان العثماني محمد الثاني سنة 1458 ببناء حصن جديد مستفيدًا من الأسوار القديمة.

وعلى مدى نحو أربعة قرون، أصبح المكان مركزًا نابضًا بالحياة، فضم ثكنة عسكرية كبيرة، ومسجدًا، وآبارًا للمياه، وكنيستين مسيحيتين ومدرسة. وفي القرن التاسع عشر، كان فيه أيضًا بيت للأسود والحيوانات الكبيرة التي نُقلت من قصر طوب قابي.

ولم يبق اليوم سوى القليل من هذه المنشآت، لكن هناك طريقًا حجريًا يمر عبر الساحة المركزية وكأنه يفصل بين حقبتين تاريخيتين. إذ أن الجزء الممتد من مدخل الحصن إلى المسجد يحتوي على بقايا طريق عثماني يعود إلى نحو 600 سنة، بينما يستند الجزء الآخر إلى طريق روماني عمره نحو 1600 عام. لذلك تمثل قلعة "يدي كوله" تراثًا مشتركًا للحضارتين البيزنطية والعثمانية.

ويختلف المؤرخون بشأن تاريخ إنشاء البوابة الذهبية، لكن من المؤكد أن الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني أضاف أبراجًا ونظامًا دفاعيًا من الحواجز والخنادق، ما جعل القسطنطينية شديدة التحصين لقرون.

يقول المرشد السياحي توران أوفلاز إن السلطان محمد الثاني استخدم "يدي كولة" مركزاً استراتيجياً حُفظت فيه الخزانة الإمبراطورية وأرشيفات الدولة المهمة.
Amazing Aerial/Alamy Stock Photo

وبعد الفتح العثماني، أضاف محمد الثاني ثلاثة أبراج جديدة وأسوارًا أخرى، ليصبح البناء مزيجًا معماريًا يجمع الحضارتين.

ورغم تسميته حصنًا، كانت وظيفته الرئيسية في بداية العصر العثماني حماية ثروات الدولة. وقد استخدم السلطان محمد الثاني "يدي كولة" لحفظ الخزانة الإمبراطورية والوثائق المهمة، حتى وصفه بعض الباحثين بأنه كان بمثابة "البنك المركزي" والخزنة الأكثر أمانًا في الإمبراطورية العثمانية. وكانت جدرانه السميكة تخضع لحراسة الإنكشارية ليلًا ونهارًا. واحتوت الخزانة على أسلحة ثمينة، وسيوف ودروع وأقواس وسروج وخيول وكتب نفيسة جُلبت من الحملات العسكرية في فارس وسوريا ومصر.

وفي القرن السادس عشر، نُقلت الخزانة إلى قصر طوب قابي، وتحولت قلعة "يدي كولة" إلى سجن. وقد احتُجز فيها نبلاء وسفراء وأجانب من بولندا وروسيا وفرنسا والمجر وغيرها.

بدأ مشروع ترميم متعدد المراحل في عام 2020.
Sergey Fedoskin/Alamy Stock Photo

وكان "برج النقوش" أحد أبرز مواقع السجن، إذ ترك السجناء على جدرانه كتابات بلغات مختلفة، منها اللاتينية، والمجرية، والفرنسية، والإيطالية. وكانت النقوش تتضمن أسماءهم ومدنهم وتواريخ سجنهم وأحيانًا معاناتهم.

وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كان عدد كبير من المسجونين من المجريين والبولنديين، في زمن كثرت فيه الصراعات الحدودية بين الدولة العثمانية وتلك القوى الأوروبية. وكان الأسرى يستخدمون أحيانًا كورقة تفاوض سياسية، ويُطلق سراحهم مقابل فدية كبيرة.

لكن بعض المسجونين واجهوا نهايات مأساوية. إذ أُعدم ديفيد كومنينوس، آخر حكام إمبراطورية طرابزون، مع أبنائه وأقاربه في القرن الخامس عشر. كما واجه أمير الأفلاق (منطقة في رومانيا) قسطنطين برانكوفينو وأبناؤه مصيرًا مشابهًا سنة 1714، بعدما تعرّضوا للتعذيب ثم أُعدموا.

نقش من القرن التاسع عشر لأوغسطين فرانسوا ليميتر وجان بابتيست أرنو، من كتاب "تاريخ تركيا" لجوزيف ماري جوانين وجول فان جافير
PHAS/Universal Images Group Editorial/Getty Images

وترتبط بالحصن أيضًا أسطورة البئر الدموية، التي يُقال إن رؤوس السجناء الذين أُعدموا كانت تُلقى فيها ثم تنجرف عبر ممر سري إلى بحر مرمرة. ومع ذلك، يؤكد المؤرخون أن الموقع الحقيقي لهذه البئر غير معروف.

ويرتبط أحد الأبراج بالسلطان عثمان الثاني، الذي تولى الحكم وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد صراعه مع الإنكشارية (قوات مشاة وفرسان من النخبة بالجيش العثماني) أُطيح به واحتُجز فترة قصيرة في "يدي كولة"، ثم قُتل سنة 1622. والمفارقة أن أحد المشاركين في قتله، الصدر الأعظم قرة داود باشا، أُعدم لاحقًا في المكان ذاته.

لكن، لم تكن حياة جميع السجناء شديدة القسوة. إذ سُمح لبعض الأجانب بحرية الحركة داخل القلعة، بل وخارجها أحيانًا. ومن أشهرهم الطبيب والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا بوكفيل، الذي سُجن بين عامي 1799 و1801، واستغل تلك الفترة في القراءة والكتابة وتعلّم التركية واليونانية وعلاج الجنود.

يمكن للزوار مشاهدة القلعة في ظل استمرار أعمال الترميم.
sinan dogan/Alamy Stock Photo

وبحلول منتصف القرن العشرين، تراجع حضور الماضي المظلم للحصن، وأصبح مشهورًا كموقع لتصوير أفلام "يشيلتشام"، أي العصر الذهبي للسينما التركية. ثم دخل المكان في مرحلة من الإهمال خلال السبعينيات.

أما اليوم، فقد أعاد مشروع الترميم الحياة إلى "يدي كولة".

ويرى المرشد توران أوفلاز أن الحصن يمثل ختم إسطنبول أو توقيعها التاريخي. ومن أعلى البوابة الذهبية، يمكن للزائر أن يسمع صخب المدينة الحديثة من جهة، ويشعر بصمت يمتد لأكثر من ألف وخمسمائة عام من الجهة الأخرى؛ وكأن المشهد يجمع في لحظة واحدة عظمة روما، وجمال بيزنطة، وقوة الدولة العثمانية