في طفولته، حاول شادي نصيف أن يغادر حصة اللغة العربية حين بدأ زملاؤه حفظ سور قصيرة من القرآن. لكنّ معلمته زينب كامل أوقفته بجملة بقيت معه لسنوات: "دي مش حصة دين، دي حصة عربي".
تظهر هذه الذكرى في مقابلة مصورة مع الأستاذ بكلية التربية الموسيقية في جامعة حلوان، وهو يستعيد كيف رأت معلمته في الحصة بابا لتعلّم العربية، وليست سببا لعزله عن زملائه. ويقول إن المعلمة أخبرته أن حفظ السور سيفيده في اللغة، وأضافت: "يا شادي يا حبيبي إحنا ما بنغيرش دين حد".
لم تكن العبارة، كما يروي نصيف، درسا عابرا، فقد طلب من معلمته أن تعلّمه، ويقول إنها حفظته القرآن بروايتين، في تجربة يصفها بأنها اجتهاد شخصي نابع من محبته للأستاذة وما قدمته له من دعم في اللغة وإلقاء الشعر.
ويستحضر نصيف آية من سورة المائدة يقول إنها تختصر المعنى الذي بقي معه من تلك التجربة: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى". ويضعها في سياق حديثه عن معلمته زينب كامل، التي شجّعته على التعلّم، وقالت له، بحسب شهادته: "إحنا ما بنغيرش دين حد". في روايته، لم يكن الدرس سعيا إلى تغيير الهوية الدينية، بل مساحة للمحبة والمعرفة وتعلّم اللغة العربية.
ويظهر نصيف وهو يتلو آيات من سورة الضحى، قبل أن يعود إلى الحديث عن معلمته التي وصفها بأنها كانت تعامل تلاميذها كأبنائها، من دون تفرقة على أساس الدين.
وُلد نصيف عام 1983 في سمالوط بمحافظة المنيا، ودرس في مدارس النور والأمل للمكفوفين قبل أن تبدأ معه تلك الذكرى في المرحلة الابتدائية. وبعد المدرسة، اتجه اهتمام نصيف إلى دراسة الموسيقى. ويقول إنه وأسرته بحثوا عن مؤسسة تستقبل المكفوفين وتتيح لهم دراسة الموسيقى، حتى التحق بكلية التربية الموسيقية في جامعة حلوان. ووفق روايته، أكمل دراسته في الكلية، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه.
بعيدا عن القاعة الدراسية والعود، يتحدث نصيف عن اهتمام قديم بالصوت، فيقول إن ذلك بدأ معه منذ الطفولة، حين كان يستمع إلى شريط أو أسطوانة ويلتقط ما يشبه الهواء أو الزنة أو الخشخشة المصاحبة للموسيقى. ويضيف: "كنت بقعد أفكر بيني وبين نفسي وأنا طفل إزاي أصفي هذا الهواء أو هذه الخشخشة". ويقصد بالخشخشة العيوب الصوتية التي يسمعها مع الموسيقى أو التلاوة في التسجيلات القديمة.
في مرحلة الجامعة، لجأ إلى مهندس صديق ليعلّمه الهندسة الصوتية والتنقية والمعالجة. وبعد ذلك، يقول إنه بدأ يحصل على أشرطة وأسطوانات من بعض شركات الكاسيت ليعمل عليها في منزله.
يجمع التقرير بين أكثر من صوت في سيرة نصيف: تلاوة من سورة الضحى، وذاكرة معلمة العربية، وحديث عن دراسة الموسيقى، ثم عزف على العود وغناء مقطع من أغنية "زهرة المدائن". ولا يقدم هذا الجمع الأديان أو الفنون بوصفها متنافسة، بل يكشف كيف صنعت المعرفة المبكرة مساحة أوسع للغة والموسيقى والإنصات.
في النهاية لا يعود شادي نصيف إلى عنوان المفارقة، بل إلى العود والصوت، وبين تلاوة تعلّمها في فصل مدرسي، وخشخشة حاول فهمها في أسطوانة قديمة، تبدو حكايته أقرب إلى درس هادئ في أثر المعلم، وفي قدرة المعرفة على فتح أبواب لا تحتاج إلى إغلاق أبواب أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة