بعد وفاة رئيس مجلس الدولة الروماني جورجي جورجيو-ديج (Gheorghe Gheorghiu-Dej) عام 1965، صعد نيكولاي تشاوتشيسكو (Nicolae Ceaușescu) إلى قمة السلطة بتوليه منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي الروماني.
ومع مرور الوقت، عزز نفوذه داخل الدولة، فشغل منصب رئيس مجلس الدولة عام 1967، قبل أن يصبح عام 1974 أول رئيس لجمهورية رومانيا الاشتراكية، وهو المنصب الذي استُحدث خصيصاً في ذلك العام.
وعلى مدى أكثر من عقدين، حكم تشاوتشيسكو البلاد بقبضة حديدية، في فترة شهدت تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً حاداً وأزمات متلاحقة ارتبط كثير منها بسياساته وقراراته. ومن أبرز المشاريع التي تركت بصمة مثيرة للجدل في تاريخ رومانيا مشروع تشييد قصر البرلمان العملاق.
فمنذ وصوله إلى السلطة، أسس تشاوتشيسكو نظاماً دكتاتورياً فرض قيوداً صارمة على الحريات العامة وأخضع وسائل الإعلام للرقابة، فيما توسعت صلاحيات أجهزة الأمن التي لعبت دوراً محورياً في ملاحقة المعارضين وترسيخ سلطة الدولة.
أما اقتصادياً، فاتجه خلال سبعينيات القرن الماضي إلى اقتراض مبالغ مالية كبيرة بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد ودعم الصناعة. ورغم تحقيق هذه السياسة بعض النتائج الإيجابية في بدايتها، إلا أن البلاد دخلت خلال الثمانينيات في أزمة حادة بسبب سعي الحكومة إلى سداد ديونها الخارجية. ما أدى إلى نقص كبير في المواد الغذائية والوقود والكهرباء والتدفئة، في وقت اعتمد فيه الاقتصاد الروماني على نظام مركزي يرتبط تجارياً بالاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية مع الدول الغربية للحصول على القروض والتكنولوجيا.
فيما شكلت زيارة تشاوتشيسكو إلى كوريا الشمالية عام 1971 نقطة تحول في رؤيته العمرانية. فقد أُعجب بالنموذج الحضري الذي شاهده هناك، وقرر تطبيق مشروع مشابه في رومانيا ضمن خطة تهدف إلى بناء "مجتمع اشتراكي متطور".
وفي إطار هذه الرؤية، طرح فكرة إعادة تصميم قلب العاصمة بوخارست وتحويله إلى مركز حضاري ضخم، يتصدره مبنى حكومي هائل يضم قيادة الدولة وتحيط به الوزارات والمؤسسات الرسمية.
غير أن المشروع أثار مخاوف كبيرة بسبب ما استلزمه من تهجير للسكان وهدم أحياء ومواقع تاريخية، فضلاً عن تكلفته المالية الباهظة.
لكن في الرابع من مارس (آذار) 1977، تعرضت رومانيا لزلزال قوي بلغت شدته 7.5 درجة على مقياس ريختر، ما أسفر عن مقتل نحو 1500 شخص، معظمهم في العاصمة بوخارست، إلى جانب تدمير أو تضرر عشرات الآلاف من المباني.
فاستغل تشاوتشيسكو جهود إعادة الإعمار التي أعقبت الكارثة لإطلاق مشروعه العمراني الضخم. وتحت إشراف فريق يضم نحو 700 مهندس، وبقيادة المهندسة المعمارية أنكا بيتريسكو (Anca Petrescu)، بدأت أعمال بناء قصر البرلمان رسمياً في 25 يونيو (حزيران) 1984.
وتطلب المشروع إزالة أحياء تاريخية كاملة في العاصمة، كما استُخدم عشرات الآلاف من العمال لتنفيذ أعمال البناء. جاء ذلك في وقت كانت فيه البلاد تمر بأزمة اقتصادية خانقة وتعاني نقصاً في السلع الأساسية والطاقة.
فيما تزامن المشروع مع سياسة تقشف صارمة فرضها تشاوتشيسكو خلال الثمانينيات بهدف سداد الديون الخارجية. وشملت الإجراءات خفض الواردات، وزيادة الصادرات، وتقنين استهلاك الطاقة، وفرض قيود على الكهرباء والتدفئة، فضلاً عن تشديد الرقابة على الأسعار والأجور والإنفاق الحكومي.
إلا أن تشاوتشيسكو لم يعش ليرى مشروعه مكتملاً. ففي عام 1989 أُطيح به خلال الثورة الرومانية، قبل أن يُعدم رمياً بالرصاص في نهاية العام نفسه. وبحلول ذلك الوقت، كانت تكلفة المشروع قد بلغت نحو 1.75 مليار دولار أميركي.
في حين استمرت أعمال البناء بعد الإطاحة بتشاوتشيسكو، إلى أن اكتمل القصر عام 1997. واليوم يُعرف قصر البرلمان في بوخارست بأنه أضخم مبنى في العالم، إذ يتجاوز وزنه 4 ملايين طن، كما يُصنف كأكبر مبنى إداري مدني على مستوى العالم.
المصدر:
العربيّة