منذ القدم، ابتكر البشر العديد من الطرق الغريبة لعلاج أمراض مستعصية عجزوا عن فهم طبيعتها. وخلال فترة الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، بلغت هذه الممارسات ذروتها، وغالباً ما أسفرت عن تدهور حالات المرضى ووفاتهم بوتيرة أسرع.
وتاريخياً، لجأ البشر إلى استخدام الفضلات البشرية لعلاج الإصابات والأمراض الجلدية، كما تناولوا أجزاء من المومياوات المطحونة خلال العصور الوسطى وعصر النهضة، واستخدموا الزئبق لعلاج مرض الزهري وعدد من الأمراض الأخرى.
ولم تقتصر هذه الممارسات على العصور السابقة فحسب، إذ شهد القرن العشرون اللجوء إلى ما عُرف باسم "الجراحة الفصية" (Lobotomy) لعلاج أمراض نفسية مثل الفصام، أو السكيزوفرينيا، والاكتئاب الحاد، والاضطراب ثنائي القطب.
الوضع خلال الثلاثينيات
وتزامناً مع فترة الكساد الكبير التي عصفت باقتصاد الولايات المتحدة الأميركية والعديد من الدول الأخرى، سجلت مستشفيات الأمراض النفسية خلال ثلاثينيات القرن الماضي اكتظاظاً كبيراً، إذ امتلأت بالأشخاص الذين عانوا من الاكتئاب الحاد واضطرابات نفسية أخرى دفعت بعضهم إلى سلوك عنيف وحالات هيجان متكررة.
في المقابل، افتقر طب الأمراض النفسية آنذاك إلى كثير من الأدوات العلاجية والأدوية الحديثة التي ساهمت لاحقاً في فهم طبيعة هذه الأمراض. ففي تلك الفترة لم يكن دواء الكلوربرومازين (Chlorpromazine)، المصنف أول مضاد للذهان، قد ابتُكر بعد، ولم يحصل الأطباء عليه إلا خلال خمسينيات القرن الماضي.
ولمساعدة المرضى، لجأ الأطباء في الثلاثينيات إلى استخدام وسائل علاجية تقليدية مثل المهدئات والمنومات والعلاج بالصدمات الكهربائية وغيرها.
ظهور الجراحة الفصية
وفي مطلع الثلاثينيات، أجرى طبيب الأعصاب الأميركي جون فولتون (John Fulton) تجارب على عدد من القردة، أزال خلالها الوصلات العصبية بين الفص الجبهي وبقية أجزاء الدماغ. وبعد انتهاء التجارب، لاحظ أن الحيوانات أصبحت أكثر هدوءاً وأقل عدوانية.
وأثارت هذه النتائج اهتمام طبيب الأعصاب البرتغالي أنطونيو إيغاس مونيز (António Egas Moniz)، الذي باشر عام 1935، بالتعاون مع زميله ألميدا ليما (Almeida Lima)، إجراء هذا النوع من العمليات على البشر. واعتمدت العملية على إحداث ثقب في الجمجمة، ثم إدخال أداة مزودة بإبرة طويلة غير حادة لقطع ألياف عصبية محددة داخل المادة البيضاء للفصوص الأمامية.
وفي وقت لاحق، تحدث مونيز عن تسجيل تحسن لدى عدد من المرضى الذين خضعوا لهذا الإجراء.
جائزة نوبل مثيرة للجدل
وعام 1936، بدأ الطبيبان الأميركيان والتر فريمان (Walter Freeman) وجيمس وات (James Watt) إجراء عمليات الجراحة الفصية التي ابتكرها مونيز داخل الولايات المتحدة. وخلال السنوات التالية، سعى فريمان إلى جعل العملية أسرع وأقل تعقيداً.
وفي حدود عام 1946، ابتكر أداة تشبه فأس كسر الجليد، كانت تُدخل عبر محجر العين للوصول إلى الفصوص الأمامية وتدمير الوصلات العصبية التي تربطها ببقية أجزاء الدماغ. وفي ذلك الوقت، أشادت بعض الأوساط العلمية بهذا الابتكار لأنه ألغى الحاجة إلى ثقب الجمجمة خلال العملية.
وبفضل تطويره للجراحة الفصية، حصل أنطونيو إيغاس مونيز على جائزة نوبل في الطب عام 1949. إلا أن هذه الجائزة سرعان ما أصبحت محل جدل واسع داخل الأوساط الطبية.
فمع بداية خمسينيات القرن الماضي، بدأت دول عديدة التخلي عن الجراحة الفصية بسبب المضاعفات الخطيرة التي خلفتها لدى المرضى، ومن بينها تقلبات مزاجية حادة، واضطرابات معرفية وإدراكية، وصعوبات في النطق، ونوبات صرع، وتغيرات واضحة في الملامح ونظرات العين، فضلاً عن حالات شلل، وأحياناً الوفاة.
ومن أبرز المتضررين من هذا النوع من العمليات روزماري كينيدي (Rosemary Kennedy)، شقيقة الرئيس الأميركي جون كينيدي، التي عانت مشكلات دائمة في النطق والحركة بعد خضوعها للجراحة الفصية.
وبحلول عام 1967، أجرى والتر فريمان آخر عملية جراحة فصية في مسيرته المهنية، إلا أن المريض توفي نتيجة العملية، لتشكل تلك الحادثة نهاية فصل مثير للجدل في تاريخ الطب النفسي.
المصدر:
العربيّة