آخر الأخبار

هل حان وقت تعلّم أن تكون إنسانا؟.. الذكاء الاصطناعي يعيد الشباب إلى المكاتب

شارك

بعد سنوات جعل فيها العمل الهجين المكتب خيارا أكثر منه ضرورة يومية، وبدأت بعض شركات الاستشارات الكبرى في بريطانيا تعيد التفكير في حضور الموظفين الشباب، لكن لسبب مختلف هذه المرة. فالذكاء الاصطناعي يتولى مزيدا من الأعمال الفنية والروتينية، بينما تزداد قيمة مهارات مثل التواصل وبناء العلاقات والحكم المهني، والتي يرى مسؤولون أن اكتسابها يحتاج إلى احتكاك مباشر بالآخرين.

ولا يعني ذلك نهاية العمل الهجين، فشركات مثل "إرنست ويونغ " و "برايس ووترهاوس كوبرز " تواصل العمل بنماذج مرنة، بينما تمنح "ديلويت " الفرق مساحة لتحديد مقدار العمل الحضوري. لكن السؤال تغير: إذا كانت الآلة قادرة على إنجاز جزء متزايد من العمل التحليلي، فما الذي يحتاج الموظف الشاب إلى تعلمه من زملائه داخل المكتب؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 عام 4413 بلا بشر.. لماذا عادت قصة "مسافر عبر الزمن" في عصر الذكاء الاصطناعي؟
* list 2 of 2 "حرائق الزومبي" تقلق رجال الإطفاء.. ماذا يفعل الثعبان الناري تحت الأرض؟ end of list

من الروتين إلى ما يميز الإنسان

في تقرير لصحيفة " فايننشال تايمز " قال مسؤولون في شركات استشارات بريطانية كبرى إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دورا متزايدا في الأعمال الروتينية، فيما سيحتاج المستشارون إلى التركيز أكثر على التعامل مع العملاء والزملاء.

وقالت سايه غانباري، رئيسة الاستشارات في المملكة المتحدة لدى "إرنست ويونغ " إن العمل عن بعد على نطاق واسع لا يمثل الطريق الأفضل لبناء مسيرة مهنية في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن تطوير المهارات الإنسانية يحتاج إلى فرص للتعلم والتفاعل المباشر. ومع ذلك، أكدت الشركة استمرار نهجها في العمل المرن.

المكتب.. تلمذة مهنية لا توفرها الشاشة

تعتمد شركات الاستشارات تقليديا على ما يشبه "التلمذة المهنية " إذ يتعلم الموظف الجديد من مراقبة أصحاب الخبرة أثناء تعاملهم مع العملاء، ثم مناقشة الاجتماعات والمواقف الصعبة معهم.

وهذه المعرفة لا تكون دائما مكتوبة في دليل، فقد يتعلم الموظف كيف يقرأ رد فعل العميل، ومتى يتدخل في النقاش، وكيف يتعامل مع موقف مفاجئ، بمجرد مراقبة زميل أكثر خبرة.

إعلان

لكن العمل عن بعد قلل هذه الفرص لدى بعض الموظفين الذين بدؤوا حياتهم المهنية خلال الجائحة. وعام 2023، قدمت "ديلويت " و"برايس ووترهاوس كوبرز " تدريبا إضافيا لأصغر موظفيهما في المملكة المتحدة، بعدما لاحظتا ضعفا في بعض مهارات العمل الجماعي والتواصل.

الشباب أنفسهم يريدون التعلم من البشر

ولا تأتي هذه الرؤية من إدارات الشركات وحدها، ففي استطلاع أجرته "كيه بي إم جي" في يوليو/تموز 2026 وشمل 906 متدربين في الولايات المتحدة، قال 76% إن النجاح المهني مستقبلا سيتطلب الجمع بين المهارات الإنسانية والقدرة على توجيه الذكاء الاصطناعي بفاعلية.

وقال 57% من الذين استطلعت آراؤهم إن التدريب المباشر من الأشخاص كان أكثر وسائل التعلم قيمة خلال فترة تدريبهم، مقابل 3% فقط للتعلم بمساعدة الذكاء الاصطناعي. كما قال 48% إن بناء العلاقات والتحدث مع الآخرين عن الفرص والتحديات أكبر قيمة للحضور إلى المكتب.

وتكشف هذه النتائج مفارقة لافتة: الجيل الذي نشأ مع الأدوات الرقمية لا يرى أن التكنولوجيا تغنيه عن البشر، بل يرى أن بعض أهم ما يحتاج إليه مهنيا لا يزال يُكتسب من الممارسة والتفاعل والملاحظات المباشرة.

حين تصبح الخبرة البشرية ميزة

في بيئة تستطيع فيها الآلة إنتاج المعلومات والتحليل بسرعة، تصبح قيمة الموظف مرتبطة أيضا بقدرته على تقييم ما تنتجه وتحديد كيفية استخدامه.

وفي استطلاع "كيه بي إم جي " جاء التفكير النقدي وحل المشكلات في مقدمة المهارات التي ستزداد أهميتها مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب القدرة على التكيف والتعلم المستمر والتواصل. وقال 43% إن أكبر مخاوفهم بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في تطوير القيادات أن يؤدي الإفراط في الاعتماد عليه إلى إضعاف التفكير النقدي.

فالمطلوب من الموظف ليس منافسة الآلة في سرعة إنتاج الإجابة، بل معرفة السؤال الذي يجب طرحه، وكيفية تقييم الإجابة، ومتى يثق بها أو يشكك فيها، وكيف يتصرف عندما لا تكون هناك إجابة جاهزة.

كيف تحاول الشركات إعادة الحياة إلى المكتب؟

لا تقتصر المحاولات على التدريب الرسمي، ففي مكتب "بوسطن كونسالتنغ غروب " في لندن، توسعت أنشطة مثل الشطرنج والبادل وكرة الشبكة، بهدف تشجيع الموظفين الذين بدؤوا حياتهم المهنية خلال الجائحة على قضاء وقت أطول مع زملائهم وبناء علاقات مهنية.

أما شركة "أزيتس " فخفضت شرطها الأكاديمي للتوظيف من تصنيف 2:1 إلى 2:2، وأقامت شراكات مع مؤسسات في قطاع الضيافة لتطوير مهارات الخريجين الشخصية، كما تشجع الموظفين الجدد على الحضور إلى المكتب 4 أيام في الأسبوع لتعزيز التعلم غير الرسمي.

وتجرب "كيه بي إم جي " بدورها أساليب جديدة للتدريب الحضوري. وترى الشريكة ليزا فيرنيهو أن التعلم وجها لوجه أسرع من التعلم عن بعد، بينما يرى كالوم لايسنس، رئيس أعمال الاستشارات في المملكة المتحدة، أن التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي تجعل فرص التعلم المباشر أكثر أهمية بداية الحياة المهنية.

هل انتهى العمل الهجين؟

ليس بعد، فالشركات لا تتحرك في اتجاه واحد، ولا تشير هذه التحولات إلى عودة شاملة إلى المكاتب. لكن الذكاء الاصطناعي غيّر السؤال بشأن الموظف الجديد. وحين تتولى الآلة مزيدا من العمل الروتيني، تصبح الخبرة البشرية نفسها مهارة تحتاج إلى التعلم.

إعلان

ولذلك، قد لا تكون عودة بعض الموظفين الشباب إلى المكتب تراجعا عن تجربة العمل الهجين، بقدر ما هي محاولة لاستعادة التعلم المهني المباشر: أن يتعلم الموظف من مراقبة من سبقه، ومن النقاش معه، ومن التجربة والخطأ. بينما تتولى الآلة جزءا متزايدا من العمل في الخلفية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار