يقول علم النفس إن الأشخاص الذين يسخرون من الآخرين ليسوا مجرد أشخاص لئيمين، بل إنهم يكشفون الكثير عن أنفسهم.
فوفقاً لما نشرته صحيفة Economic Times، مر معظم الأشخاص بهذه التجربة في مرحلة ما من حياتهم، شخص ما يمزح بشأن مظهرهم أو يضحك على خطأ ارتكبوه أو يحول موقفاً محرجاً إلى تسلية. أحياناً يكون الأمر مجرد مزاح بين أصدقاء مقربين. وفي أحيان أخرى، يتجاوز الأمر الحدود ويترك جروحاً عاطفية عميقة.
يوضح علم النفس إن أسباب سخرية البعض من الآخرين أكثر تعقيداً بكثير من مجرد كونهم "لئيمين"، حيث تُظهر الأبحاث أن المزاح والسخرية قد ينبعان من عدة عوامل نفسية، بما يشمل التعلم الاجتماعي وتقدير الذات وديناميكيات الجماعة والمقارنة الاجتماعية وأنماط الفكاهة المختلفة.
ومن المهم الإشارة إلى أن ليس كل مزاح ضار. إن الدعابة الودية بين الأشخاص الذين يثقون ببعضهم البعض يمكن أن تقوي العلاقات، بينما يمكن أن تؤدي السخرية أو الإذلال المتكرر إلى الإضرار بالثقة بالنفس والرفاهية. يساعد فهم هذه العمليات النفسية في تفسير سبب لجوء بعض الأشخاص إلى الفكاهة على حساب الآخرين، كما يلي:
يتعلم بعض الأشخاص هذا السلوك من بيئتهم. يُعد أحد أقوى التفسيرات نظرية التعلّم الاجتماعي، التي وضعها عالم النفس ألبرت باندورا، الذي يرى أن البعض يكتسبون سلوكيات معينة من خلال مراقبة آبائهم وإخوتهم وزملاء الدراسة وشخصيات الإعلام وأقرانهم.
على سبيل المثال، يمكن أن يبدأ الطفل الذي ينشأ في أسرة يسودها السخرية والاستهزاء باستخدام أسلوب التواصل نفسه دون أن يدرك تأثيره على الآخرين. إن هذا لا يُبرر السلوك المؤذي، ولكنه يُساعد في تفسير كيفية تطوره.
تشير نظرية المقارنة الاجتماعية لعالم النفس ليون فستنغر إلى أن الأشخاص يقارنون أنفسهم بالآخرين بشكل طبيعي لتقييم قدراتهم وقيمتهم. أحياناً، يُحسن السخرية من أخطاء الآخرين صورة الشخص عن نفسه مؤقتاً.
إن قيام شخص بالضحك عندما يُجيب زميل له إجابة خاطئة خلال اجتماع. يمكن أن تجعله هذه المزحة يشعر لفترة وجيزة بمزيد من الكفاءة بالمقارنة. تُؤكد الأبحاث أن هذا لا ينطبق على الجميع، ولكن المقارنة الاجتماعية ربما تؤثر على بعض سلوكيات المزاح.
تُعد نظرية التفوق في الفكاهة من أقدم التفسيرات للضحك، وقد ناقشها فلاسفة مثل توماس هوبز، ثمّ درسها علماء النفس. تشير هذه النظرية إلى أن الأشخاص يضحكون أحياناً لأنهم يشعرون للحظات بالتفوق على خطأ أو موقف محرج أو سوء حظّ شخص آخر.
على سبيل المثال، يمكن أن يضحك المشاهدون عندما تنزلق شخصية خيالية على قشرة موز، ليس لأن السقوط خطير، بل لأنهم يشعرون مؤقتاً بالانفصال عن الإحراج. أما في الحياة الواقعية، فإن استخدام الفكاهة بشكل متكرر للتقليل من شأن الآخرين يمكن أن يلحق الضرر بالعلاقات.
يُعرّف علماء النفس الذكاء العاطفي، الذي شاع استخدامه على يد دانيال جولمان، بأنه القدرة على إدراك المشاعر وإدارتها في الأنفس وفي الآخرين.
تشير الأبحاث في نظرية الهوية الاجتماعية، التي وضعها هنري تاجفيل وجون تيرنر، إلى أن الأشخاص غالباً ما يسعون إلى القبول داخل الجماعات. يسخر الأفراد أحياناً من شخص غريب لأنهم يعتقدون أن ذلك سيعزز مكانتهم داخل الجماعة.
على سبيل المثال، يمكن أن يضحك الطلاب على خطأ زميلهم لأن الجميع يضحك، حتى لو لم يكونوا ليسخروا منه شخصياً. يمكن لضغط الجماعة أن يؤثر بقوة على السلوك.
ويلاحظ علماء النفس أيضاً أن تدني تقدير الذات يمكن أن يساهم في النقد أو السخرية في بعض المواقف. يمكن أن يحول الشخص الذي يشعر بعدم اليقين بشأن قدراته انتباهه إلى عيوب الآخرين.
على سبيل المثال، قد يشير موظف قلق بشأن أدائه إلى أخطاء زملائه في العمل بشكل متكرر خلال الاجتماعات. إنه لا يعد التفسير الوحيد للسخرية، لكن تشير الأبحاث إلى أن انعدام الأمان ربما يلعب دوراً في بعض الأحيان.
لا تأتي كل الدعابة على حساب الآخرين. تُظهر الأبحاث في علم النفس الإيجابي أن الضحك المشترك والمزاح اللطيف بالتراضي والفكاهة التي تُقلل من شأن الذات تُعزز العلاقات وتُخفف التوتر وتُحسن الروابط الاجتماعية.
يكمن الفرق الجوهري في شعور جميع الأطراف بالاحترام والانتماء. إن الفكاهة التي تُهين أو تُعزل شخصاً ما باستمرار، تؤدي إلى إلحاق الضرر بالثقة والصحة النفسية.
يؤكد علماء النفس أن فهم دوافع سخرية شخص ما من الآخرين لا يُبرر السلوك المؤذي، بل يُبرز أهمية الفكاهة المُحترمة والتعاطف.
المصدر:
العربيّة