على مر التاريخ، ارتبطت عدة حالات الانتحار الجماعي بطقوس ومعتقدات دينية، فيما جاء بعضها الآخر في لحظات الهزيمة والخوف من الوقوع في قبضة العدو.
لكن واحدة من أكثر وقائع الانتحار الجماعي إثارة للصدمة وقعت بعيداً عن ساحات الحروب. ففي 18 نوفمبر 1978، تحولت مستوطنة نائية في أدغال غويانا إلى مسرح لمأساة راح ضحيتها أكثر من 900 شخص، بينهم مئات الأطفال، بعدما أمر زعيم ديني أتباعه بتنفيذ ما وصفه بـ"الانتحار الثوري".
خلف هذه الكارثة وقف رجل واحد نجح، خلال سنوات، في بناء جماعة دينية واسعة النفوذ، ثم تحويلها تدريجياً إلى مجتمع مغلق تحكمه الطاعة المطلقة والخوف والعزلة، ذلك الرجل هو جيم جونز، مؤسس "معبد الشعوب"، الذي انتقل من واعظ شاب يتحدث عن المساواة والعدالة إلى زعيم يمارس نفوذاً شبه مطلق على أتباعه، قبل أن تنتهي تجربته في واحدة من أسوأ المآسي الجماعية في التاريخ الحديث.
منذ العاشرة من عمره، أبدى جيم جونز (Jim Jones)، المولود لعائلة فقيرة يوم 13 مايو (أيار) 1931 في كريت بولاية إنديانا الأميركية، اهتماماً كبيراً بالدين والوعظ، ومن جهة ثانية، قرأ في طفولته كتابات لكل من كارل ماركس وأدولف هتلر وغاندي، وبدأ في بلورة شخصيته.
كما انتقل، عقب طلاق والديه، للعيش مع والدته في ريتشموند بولاية إنديانا، قبل أن يتحول، عقب زواجه من الممرضة مارسلين بالدوين عام 1949، للعيش في بلومنغتون بالولاية نفسها، وخلال مشواره الدراسي، التحق جيم جونز بجامعتي إنديانا وبتلر وتخصص في مجال التدريس الثانوي.
وعقب تعيينه قساً، باشر جونز بتقديم مواعظ وجذب مزيد من الأشخاص، لكن على الرغم من وجود ميول شيوعية وماركسية لديه، كسب هذا الشاب الأميركي شهرة خلال الخمسينيات بسبب ظهوره مع شخصيات دينية بارزة مثل وليام برانهام.
وبحلول العام 1955، أسس منظمته الدينية التي عرفت فيما بعد باسم "معبد الشعوب"، وتميزت بجمعها لعناصر من المسيحية ممزوجة بالأيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية وتركيزها على المساواة العرقية خاصة مع تزايد إعجاب مؤسسها بشخصية الأب ديفين (Father Divine) مؤسس حركة بعثة السلام الدولية.
وخلال الستينيات، نقل حركته نحو كاليفورنيا وأنشأ لها مكاتب عديدة بمناطق مختلفة من الولاية تزامنا مع اختياره لسان فرانسيسكو لمقر رئيس لها، وبتلك الفترة، استقطبت منظمة معبد الشعوب الآلاف من الأعضاء الجدد كان جلهم من كاليفورنيا.
ثم مارس بشكل تدريجي سياسة قمعية بمنظمته حيث لجأ مرات عديدة للتحكم بممتلكات أتباعه ومارس عليهم ضغوطا ورقابة لضمان عدم مغادرتهم.
كما انتقد جونز بشدة خصومه واعتمد خطابا شديد اللهجة مثيراً بذلك انتباه السلطات الأميركية، ومع تزايد الرقابة والاهتمام الإعلامي به وبممارسات منظمته، اتخذ جيم جونز قراراً بنقل منظمته نحو غويانا وحث العديد من أتباعه ومؤيديه على الرحيل نحو هذه الدولة، التي استقلت عام 1966، لتأسيس مجتمع زراعي، اشتراكي، منعزل وذي اكتفاء ذاتي عرف بجونز تاون.
لكن بجونز تاون، تبخرت أحلام أكثر من ألف شخص انتقلوا للعيش هنالك رفقة جيم جونز؛ فبدلاً من الاكتفاء الذاتي والمساواة والمجتمع المثالي، عانى السكان، من الحرارة والأمراض وقلة الغذاء ودكتاتورية جيم جونز الذي فرض نظام رقابة على الحريات والأفراد والتنقلات والعمل ولجأ لإهانة واعتقال المخالفين.
كذلك مارس ما عرف بتقديس الذات جاعلاً من نفسه الشخصية المركزية بهذا المجتمع وألقى خطابات ليلية حول أهمية معبد الشعوب ونجاة أفراده من كارثة عالمية وشيكة.
إلى ذلك ومع تزايد الحديث حول الانتهاكات في جونز تاون، حل النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا ليو ريان بغويانا للتحقيق، وأثناء استعداده للعودة للأراضي الأميركية، اغتيل ليو ريان رميا بالرصاص يوم 18 نوفمبر 1978، رفقة الصحفي بشبكة "إن بي سي" دون هاريس وعدد من مرافقيه وبعض من المحررين من جونز تاون، على يد أوفياء تابعين لجيم جونز.
وخوفاً من تدخل أميركي بمجتمعه الذي أسسه بغويانا، أمر جونز عقب اغتيال ليو ريان، سكان "جونز تاون بتنفيذ" ما وصفه بانتحار جماعي ثوري باستخدام سم السيانيد والأسلحة، بالنظر لكون سم السيانيد مادة كيميائية شديدة السمية وسريعة المفعول، تعمل على منع خلايا الجسم من استخدام الأكسجين مما يؤدي إلى الوفاة خلال دقائق أو ساعات حسب الجرعة وطريقة التعرض. وتنفيذاً لرغبة الأخير، شهدت جونز تاون انتحاراً جماعياً يوم 18 نوفمبر 1978 قتل خلاله نحو 909 أشخاص كان من ضمنهم 304 أطفال.
حينها، عمد الآباء لتسميم أطفالهم بينما سمم بالقوة كل من رفض الموت، ومن جهته، وضع جيم جونز حداً لحياته عبر إطلاق النار على نفسه. وبسبب عدد القتلى الكبير، وصفت أحداث جونز تاون بأكبر كارثة قتل بها أميركيون دفعة واحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وحافظ على هذا اللقب لحدود أحداث 11 سبتمبر 2001.
المصدر:
العربيّة