(CNN) -- في أحد المواقع الأثرية الصغيرة في العاصمة اليونانية أثينا، تخرج مجموعة من النساء بأردية بيضاء احتفالية من خلف راية نُصبت أمام كهف صغير، بينما يقف رجال ونساء من مختلف الأعمار في نصف دائرة حول مذبح حجري.
وتتقدّم النساء في موكب ديني صغير، وتضع إحداهنّ تمثالًا صغيرًا للإلهة أثينا، رمز الحكمة في الميثولوجيا اليونانية القديمة، على المذبح، بالتوازي مع تصاعد دخان اللبان في أجواء تُذكّر بطقوس اليونان القديمة.
ورغم أنّ المشهد يبدو وكأنه جزء من التاريخ، فإنه يحدث في اليونان المعاصرة. فما زال هناك مجتمع صغير في أثينا يمارس الديانة اليونانية القديمة، ويعبد آلهة مثل أثينا، وزيوس، وبوسيدون، وديونيسوس باعتبارهم آلهة حقيقية، وليس مجرد رموز ثقافية أو شخصيات أسطورية. ويحتفل هؤلاء بمهرجان بلينتيريا، وهو عيد أثيني قديم كان يُخصص لتطهير تمثال أثينا المقدس.
ويُنظّم هذه الاحتفالات تجمّع يُعرف باسم "Labrys"، الذي يُعد من أبرز الجماعات التي تدعم الديانة اليونانية متعددة الآلهة في العصر الحديث، وتُشجّع أفرادها على ممارسة الطقوس الجماعية والعبادة المنزلية، مستلهمين تقاليدهم من النصوص والأساطير اليونانية القديمة، مثل ملحمة الأوديسة.
ويعتقد أعضاء "Labrys" أنّ الاهتمام العالمي المتجدّد بالأساطير اليونانية، ومنه فيلم المخرج كريستوفر نولان الجديد المقتبس عن الأوديسة، يعكس جانبًا من المشكلة إذ بحسب رأيهم، تقدم هوليوود الثقافة اليونانية القديمة باعتبارها تراثًا عالميًا منفصلًا عن اليونانيين المعاصرين، وغالبًا من دون مشاركة كافية لفنانين يونانيين في هذه الأعمال.
ويؤكد المؤسس المشارك للمجموعة، كريستوس بانوبولوس، الذي يتّخذ الاسم الديني "بانديون"، أنّ ما يمارسونه ليس إعادة تمثيل للتاريخ أو محاولة لإحياء دين اندثر، بل استمرار لتقاليد دينية لم تنقطع تمامًا عبر القرون.
ويرى أنّ كثيرًا من عناصر المسيحية الأرثوذكسية في اليونان تأثّرت بالموروث الديني القديم، وأن بعض الشخصيات والرموز الدينية تطوّرت من معتقدات سبقتها.
ويُشير بانوبولوس إلى أنّ اهتمامه بهذه الديانة جاء بعد سنوات من البحث الروحي، إذ وجد أنّ تعدّد الآلهة ينسجم مع فهمه للعالم وللحياة أكثر من غيره من الأنظمة الدينية.
ويوضح أنّ الأمر لا يتعلّق برؤى خارقة أو تجارب استثنائية، بل بإحساس متدرّج في الارتباط بالمقدس. فالأساطير والطقوس، في نظره، تُشكّل لغة رمزية تُساعد الإنسان على بناء علاقة مع الإلهي، تمامًا كما يفعل أتباع الديانات الأخرى بطريقتهم الخاصة.
ولا تقتصر هذه المعتقدات على مجموعة واحدة، إذ أنّ هناك منظمات أخرى تتبنّى الديانة اليونانية القديمة، وإن كانت تختلف في توجّهاتها.
وقد تأسست Labrys" بعد انفصالها عن منظمة أخرى بسبب خلافات حول التركيز على السياسة عوض الممارسة الدينية. ويؤكد أعضاء "Labrys" أنهم يرحّبون بكل من لديه اهتمام ديني صادق، بغض النظر عن خلفيّته أو جنسيّته، كما يفتحون بعض احتفالاتهم للعامة والزوار الراغبين بالتعرّف إلى هذه التقاليد.
ومن بين هذه الاحتفالات مهرجان "فاليفوريا"، المكرّس للإله ديونيسوس، حيث تُقام مواكب احتفالية تحمل رموزًا قديمة مرتبطة بالحياة والخصوبة وتجدّد الطبيعة. وقد انضمّ عدد من أعضاء المجموعة الحاليين بعد حضورهم هذه الاحتفالات العامة.
ومنهم باناجيوتيس كوتالوس، مدرس لغة إنجليزية نشأ في أسرة مسيحية محافظة، لكنه شعر بعدم الاكتفاء الروحي، فبحث في البوذية وبعض المذاهب الأخرى قبل أن يجد في الديانة اليونانية القديمة ما يتوافق مع قناعاته.
ويقول كوتالوس إنه وجد فيها مساحة للتديّن من دون الشعور بالخوف من الإدانة، مؤكدًا أنّ الطبيعة الإنسانية لا تُرفض فيها، بل تُفهم بوصفها جزءًا من الإنسان. ولا يزال يعتبر نفسه متأثرًا بالبوذية إلى جانب اعتناقه التقاليد الهيلينية، ويرى أن المسارين لا يتعارضان.
أما آنا سينان، الآتية من البرازيل، فقد تعرّفت إلى المجموعة عندما شاهدت أحد طقوسها في موقع أثري بأثينا، رغم أنها لم تكن تتحدّث اليونانية آنذاك. وقد دفعتها التجربة إلى الانضمام إليهم، بعدما كانت مهتمة سابقًا بفكرة تعدّد الآلهة.
وتقول إنّ عائلتها المسيحية لم تعترض على خياراتها الدينية، كما أنها لا تخفي معتقداتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقارن آنا بين احتفالات ديونيسوس والكرنفالات التي عرفتها في البرازيل، لكنها ترى أن الاحتفال اليوناني يحتفظ بجوهره الديني، إذ تسبقه وتليه صلوات وطقوس تمنحه معنى روحيًا يتجاوز كونه مجرد مناسبة للترفيه.
وتحرص الجماعة على إعادة بناء طقوسها استنادًا إلى المصادر التاريخية المتاحة، مع الاعتراف بأنّ كثيرًا من تفاصيل الاحتفالات القديمة قد ضاع عبر الزمن. لذلك يعتمدون على البحث والتجربة لتطوير ممارسات حديثة تحافظ على روح التقاليد القديمة وتناسب الحياة المعاصرة.
وخلال الاحتفالات، ينجذب السيّاح عادة إلى مشاهدة الطقوس، خصوصًا عندما تُعزف موسيقى آلة الأولوس القديمة ذات الصوت المميز.
ويقف المشاركون في دائرة، رافعين أيديهم نحو السماء، ويرتّلون مقاطع من "الأناشيد الأورفية" إلى جانب أدعية حديثة. وفي إحدى الصلوات يدعون الإلهة أثينا إلى أن ترعى المدينة من جديد، معتبرين أن العناية بتمثالها ترمز أيضًا إلى العناية بأثينا نفسها.
وفي نهاية المراسم، يتبادل المشاركون العناق ويتمنّون اللقاء في العام المقبل، ثم يقدمون قربانًا من النبيذ على المذبح، كاستمرارية لتقليد ديني يعود إلى آلاف السنين.
ويرى أعضاء "Labrys" أن الاهتمام العالمي المتزايد بالأساطير اليونانية قد يدفع مزيدًا من الناس إلى اكتشاف هذه المعتقدات، لكنهم يؤكدون أنّ الآلهة بالنسبة إليهم ليست شخصيات أدبية في ملاحم هوميروس، بل تُمثّل حضورًا دينيًا حقيقيًا في حياتهم.
ويُضيف بانوبولوس أنّ العالم الحديث فقد السعي إلى السعادة القائمة على الفضيلة، وهو ما يسميه الفلاسفة اليونانيون "اليودايمونيا"، أي حالة من الازدهار والطمأنينة الدائمة تتحقّق من خلال التحلّي بالحكمة والعدالة وسائر الفضائل التي اعتبروها هبات إلهية للإنسان.
المصدر:
سي ان ان