(CNN) -- في الطريق إلى قلب أمريكا الحقيقي، تمتد الطرق السريعة بلا نهاية، لكن كل ميل على ذلك الإسفلت الأسود يحمل ما يجعل الرحلة جديرة بالعبور.
إنها رحلة تجسد تمامًا حلم "الطريق الأمريكي المفتوح"، حيث تخترق طرق واسعة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخالية، وبلدات صغيرة تقع تحت سماء مترامية الأطراف، ومحطات إذاعية وحيدة تبث أصواتها في الهواء المتغير باستمرار.
لكن ما ينتظرك هناك قد يفاجئك، إذ أنه ليس نصبًا ضخمًا يرمز إلى عظمة الولايات المتحدة الممتدة في كل الاتجاهات، بل مجموعة متواضعة من المعالم ورسالة إنسانية دافئة، تبدو نادرة في عالم يموج بالاضطرابات.
ولا يزال الموقع الدقيق لـ"مركز أمريكا" محل جدل، فمصطلح "أمريكا الوسطى" يُستخدم ثقافيًا لوصف حياة الأمريكيين بين مدينتي نيويورك ولوس أنجلوس الأمريكيتين.
أما جغرافيًا، فهناك عدة مواقع تدّعي هذا اللقب. وبعد انضمام ألاسكا وهاواي عام 1959، تغيّرت الحسابات وأصبح المركز يتحرك بين ولايات داكوتا المختلفة. لكن، أوضحت وزارة الداخلية الأمريكية في تقرير عام 1964 أنه "لا يوجد تعريف متفق عليه عمومًا فيما يخص المركز الجغرافي، ولا طريقة مثالية لتحديده".
مع ذلك، لسنوات طويلة، كان هناك موقع معترف به بالفعل. وفي أوائل القرن العشرين، عندما كانت الولايات المتحدة تتكون من 48 ولاية فقط، توصل خبراء هيئة المسح الجيوديسي والسواحل الأمريكية إلى تحديد المركز بطريقة بسيطة لكنها علمية، أي قاموا بقص خريطة من الورق المقوى للولايات المتحدة، ثم حاولوا موازنتها فوق رأس دبوس لمعرفة مركز ثقلها.
وكانت النتيجة شمال ولاية كانساس الأمريكية، بالقرب من بلدة صغيرة تُدعى "لبنان". وخلال العقود التالية، شهدت البلدة الزراعية الهادئة، التي لا تختلف كثيرًا عن أي مجتمع ريفي آخر يحيط بها، ازدهارًا سياحيًا مفاجئًا.
ولا توجد طريقة سهلة للوصول إلى هناك، لكن الرحلة التي تمتد على مسافة 260 ميلًا غرب مدينة كانساس سيتي الأمريكية، أقرب مركز حضري كبير، تبدو كأنها عودة بالزمن إلى الوراء.
بعد مدينة توبيكا، يمر الطريق السريع I-70 بعلامة تاريخية تخبر السائقين أن الثمانية أميال التالية كانت أول جزء من شبكة الطرق السريعة بين الولايات في أمريكا، والتي افتُتحت عام 1956 ضمن مشروع الرئيس الأمريكي آنذاك دوايت أيزنهاور لربط البلاد بالطرق الحديثة.
رغم شهرة كانساس بأنها ولاية مسطحة، إلا أن هذا الطريق يتموج صعودًا وهبوطًا. وفوقه، تتراكم الغيوم والعواصف المحتملة، بينما يتغير الطقس بسرعة تفوق سرعة السيارات المحددة بـ75 ميلًا في الساعة.
لكن الطريق السريع لا يوصلك إلى النهاية. ويتفرع المسار لاحقًا إلى شبكة من الطرق الريفية التي تخترق قلب كانساس الزراعي، مرورًا ببلدة "مانهاتن" المعروفة باسم "التفاحة الصغيرة"، ثم "كلاي سنتر"، وهي نقطة وسط أخرى تقع في منتصف المسافة بين مدينتي نيويورك ولوس أنجلوس الأمريكيتين.
يمر الزوار بالبلدات الصغيرة سريعًا، وصوامع الحبوب، وأبراج المياه، والحظائر الحمراء، ومحطات الوقود القديمة المغلقة، والحقول التي لا تنتهي. وبالنسبة لمن طالما حلموا بقلب أمريكا الريفي، تبدو الرحلة وكأنها عودة إلى الوطن.
قبل الوصول إلى الحدث الرئيسي، هناك محطة أمريكية كلاسيكية على الطريق، إذ تقف مظلة صغيرة في بلدة "كوكر"، على بعد نحو 25 دقيقة من المركز الجغرافي، بجانب الطريق رقم 24 وتحتضن مشهدًا غريبًا جعل البلدة مشهورة، أي أكبر كرة خيط في العالم.
هذه الكرة العملاقة، المصنوعة من أكثر من 8.5 مليون قدم من خيوط السيزال، تزن أكثر من 27 ألف رطل. بدأ المزارع المحلي فرانك ستوبر صنعها عام 1953، ومنذ عام 1961 أصبحت معروضة في البلدة. وفي عام 1982 انتزعت رسميًا لقب "أكبر كرة خيط" من منافس في ولاية مينيسوتا الأمريكية.
اليوم أصبحت رمزًا للبلدة لدرجة أن برج المياه المحلي طُلي ليبدو وكأنه كرة خيط ضخمة.
وأخيرًا يظهر "المركز التاريخي للولايات الـ48 السفلى" على طريق فرعي بالقرب من الطريق السريع 281 شمال بلدة "لبنان".
رغم أن اختياره كان قائمًا على تجربة بسيطة بالدبوس والورق المقوى، إلا أن المكان يتمتع بحضور خاص يصعب تجاهله.
هناك كنيسة صغيرة بيضاء بغرفة واحدة، ومجموعة من أشجار الصنوبر، وطاولات للنزهات، ومنطقة لعب للأطفال. كما تنتشر لوحات تشير إلى أهمية الموقع، من بينها لوحة تحمل الإحداثيات الدقيقة في المكان.
عبر الطريق، تقف ثلاثة صلبان خشبية كبيرة خلف سياج شائك.
داخل الكنيسة الصغيرة، توجد 8 مقاعد تواجه منصة تحمل نسخة من الإنجيل، بينما تتدلى خلفها خريطة خشبية للولايات المتحدة وكلمات تقول: "صلّوا لأجل أمريكا".
رغم بساطة المكان، إلا أن ما بداخله يمنح شعورًا غير متوقع بالسكينة. بعيدًا عن الرياح القوية في الخارج، يبدو المكان مناسبًا للتأمل في حال العالم.
هذا تمامًا ما حاول المغني الأمريكي بروس سبرينغستين التعبير عنه عندما زار الموقع عام 2021 لتصوير إعلان لشركة "Jeep" خلال حدث السوبر بول، إذ ظهر فيه وهو يشعل شمعة ويتحدث عن أمريكا المنقسمة التي يمكن أن تلتقي مجددًا في "المنتصف".
في بلدة لبنان القريبة، يعيش بضع مئات من السكان وسط شوارع هادئة ومتقاطعة. وتطل صوامع الحبوب العملاقة على الأفق الجنوبي.
وتوجد محطة وقود قديمة رممت بعناية وتحولت إلى مركز للزوار، بينما يعد متجر “ماين ستريت” المكان المثالي لشراء التذكارات، ومنها قمصان تحمل عبارة: "لبنان، كانساس… في قلب الأحمر والأبيض والأزرق".
أما أمينة المكتبة ليندا سكوت، التي نشأت بالقرب من المركز الجغرافي، فقالت إن العيش في "منتصف أمريكا" كان يعني يومًا ما العيش بعيدًا عن ضوضاء العالم.
رغم أنها حلمت في طفولتها بمغادرة البلدة لرؤية العالم، إلا أن رحلاتها عبر الولايات المتحدة جعلتها تدرك خصوصية المكان الذي عاشت فيه طوال حياتها.
المصدر:
سي ان ان