آخر الأخبار

درس في الحياة الزوجية من كاتب روسي أسطوري

شارك
تعبيرية من آيستوك

يتناول اقتباس اليوم موضوعاً يدور الحديث عنه باستمرار بشأن ما الذي يجعل الزواج ناجحاً حقاً. يقول الكاتب الروسي الأسطوري ليو تولستوي إن "ما يهم في الزواج السعيد ليس مدى التوافق بينكما، بل كيفية التعامل مع الاختلاف".

ففي معظم المحادثات حول الزواج، ينصب التركيز على التوافق. يعتقد الكثيرون أنه إذا تشابه تفكير شخصين وسلوكهما، وتشاركا نفس التفضيلات، فإن الأمور ستسير على ما يرام تلقائياً. يبدو هذا منطقياً نظرياً، ويبدو صحيحاً لفترة من الوقت. لكن مع مرور الوقت، تبدأ الاختلافات الصغيرة بالظهور، أحياناً بطرق غير متوقعة على الإطلاق.

وبحسب ما جاء في تقرير نشرته صحيفة Economic Times، فإن مقولة ليو تولستوي تكتسب معنى أعمق، فبدلاً من تكرار فكرة التوافق المثالي المعتادة، تُشير إلى ما هو أكثر واقعية وصدقاً في نواحي كثيرة.

ليو تولستوي

يمكن أن تبدو المقولة، للوهلة الأولى، وكأنها تُقلل من شأن التوافق، لكنها في واقع الأمر تُغير وجهة النظر. فهي تُشير إلى أنه حتى لو لم يكن الشخصان متوافقين تماماً، فإن ذلك وحده لا يُحدد مصير علاقتهما. إن الأهم هو ما يحدث عندما تبرز هذه الاختلافات.

يتضح من المتابعات الواعية للحياة اليومية أنه لا يوجد شخصان متطابقان تماماً. إن الأزواج ينحدرون من عائلات مختلفة ويحملون تجارب متباينة ويبنون طرق تفكير مختلفة مع مرور الوقت. لذا، فإن الخلافات ليست أحداثاً نادرة، بل هي جزء لا يتجزأ من العلاقة منذ البداية. تُقر مقولة تولستوي بهذه الحقيقة بدلاً من تجاهلها.

وبالنظر إلى مقولة تولستوي يتبين أنه يتحدث عن رد الفعل أكثر من الموقف نفسه. إن الاختلافات في العلاقات يمكن أن تتحول إلى مصدر توتر دائم أو إلى مجرد جزء من الحياة، وذلك بحسب كيفية التعامل معها.

الصبر والتفاهم

وفي كثير من الأحيان، لا يكمن الضرر في الخلاف بحد ذاته، بل في ردة الفعل تجاهه. فالمشاكل الصغيرة ربما تتفاقم عندما تُقابل بالغضب أو الصمت أو الأنانية. بينما تبقى هذه المشاكل قابلة للحل بالصبر والتفهم، أو حتى بالاستعداد للتنازل.

لذا يبدو أن تولستوي يُشير في مقولته إلى أن العلاقات لا تُختبر عندما تسير الأمور بسلاسة، بل عندما لا تتوافق الأمور، أو عندما تختلف التوقعات، أو عندما تصبح المواقف غير مريحة. حينها إما أن يتعلم الأشخاص التكيف أو يبدأوا بالابتعاد عن بعضهم.

ففي المواقف اليومية، يظهر عدم التوافق بالتدريج. يمكن أن يكون ذلك في كيفية تعامل الشخصين مع المال، أو كيفية تعاملهما مع الضغوط، أو حتى كيفية قضاء وقت فراغهما. إنها ليست مشاكل كبيرة ومأساوية، لكنها موجودة باستمرار. ومع مرور الوقت، تُشكّل هذه التفاصيل الصغيرة الديناميكية العامة للعلاقة.

تعبيرية من آيستوك

نظرة فاحصة على ليو تولستوي

ولمزيد من الفهم للمغزى، يمكن أن يكون من المفيد إلقاء نظرة فاحصة على ليو تولستوي نفسه. وُلد عام 1828 في روسيا، ويُعتبر على نطاق واسع أحد أعظم الكُتّاب في تاريخ الأدب. إن أعماله ليست مجرد قصص، بل هي ملاحظات دقيقة عن الحياة البشرية وسلوكها.

يشتهر تولستوي برواياته الشهيرة مثل "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا". تتعمق كلتا الروايتين في العلاقات والاختيارات وعواقبها. في الواقع، تبدأ "آنا كارنينا" بعبارة عن العائلات لا تزال عالقة في أذهان الكثير من القراء، تشير إلى أن السعادة ربما تبدو متشابهة ظاهرياً، لكن التعاسة تتخذ أشكالاً عديدة.

عند ربطها بالمقولة حول العلاقات الزوجية، يتضح اتساق طريقة تفكيره. لم ينظر تولستوي إلى العلاقات على أنها ترتيبات مثالية، بل رآها كروابط تتشكل من خلال الأفعال والقرارات وردود الأفعال اليومية.

في النهاية، لا تقدم مقولة تولستوي وصفة جاهزة لزواج مثالي، ولا تنفي أهمية التوافق، بل تُذكّر الناس بأن الاختلافات ليست هي المشكلة الحقيقية.

إلى جانب رواياته وأفكاره الفلسفية، كرّس ليو تولستوي جزءاً كبيراً من حياته للعمل في مجال التعليم والإصلاح الاجتماعي. في ضيعته في ياسنايا بوليانا، أنشأ مدارس لأطفال الفلاحين وجرّب أساليب تعليمية تركز على الحرية والإبداع بدلاً من الانضباط الصارم.

بل إنه نشر مجلةً تستند إلى أفكاره التربوية، مما يعكس إيمانه بأن التعلم ينبغي أن يكون طبيعياً لا قسرياً. يُظهر هذا الجانب الأقل شهرة من شخصية تولستوي أن فكره لم يقتصر على الكتابة فحسب، بل امتد ليشمل كيفية عيش الناس وتعلمهم ونموهم في حياتهم اليومية.

في سنواته الأخيرة، تخلى ليو تولستوي أيضاً عن العديد من امتيازاته الشخصية واختار حياة أبسط بكثير، وهو أمرٌ غير مألوف لشخص من خلفية أرستقراطية.

وقرب نهاية حياته عام 1910، غادر منزله بهدوء، باحثاً عن حياة أكثر زهداً، لكنه مرض أثناء رحلته وتوفي في محطة قطار صغيرة تُدعى أستابوفو. عكست هذه المرحلة من حياته صراعه المستمر للتوفيق بين أفكاره وأسلوب حياته.

العربيّة المصدر: العربيّة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار