آخر الأخبار

سببان وراء معاناة ذوي الانضباط العالي من الإرهاق بشكل أسرع

شارك
تعبيرية

يُعدّ الانضباط من أبرز السمات التي تُحتفى بها في ثقافة الإنجاز الحديثة. إنه يملأ عناوين المؤثرين في مجال اللياقة البدنية ويرتكز عليه سير الرؤساء التنفيذيين ويُنسب إليه الفضل في التمييز بين الناجحين والفاشلين.

وفقاً لما نشرته مجلة "فوربس" الأميركية، يتم التعامل مع الانضباط وكأنه قوة خارقة أي أنه كلما زاد، كان ذلك أفضل.
لكن هناك نمطاً من الانضباط يُعيق الأشخاص الذين يمتلكونه بكثرة، لأنهم يمارسونه باستمرار وبشكل كامل لدرجة أنهم لا يتركون مجالاً للتعافي النفسي الذي يتطلبه الأداء العالي المستدام.

يتكرر بشكل شائع نمط الشخص، الذي يبدو أنه يُسيطر على كل شيء مثل عاداته وجدوله الزمني والتزامه ثم ينهار فجأة وبقوة أكبر من أي شخص آخر تقريباً. تُساعد الأبحاث في تفسير السبب من خلال آليتين تجعلان الأشخاص ذوي الانضباط العالي أكثر عرضة للإرهاق، كما يلي:

1. التعامل مع ضبط النفس وكأنه لا يُكلف شيئاً

في عام 1998، أجرى عالم النفس روي باوميستر وزملاؤه تجربة شهيرة. تم إحضار المشاركين إلى غرفة تحتوي على كعكات طازجة ووعاء من الفجل. طُلب من البعض تناول الفجل فقط مع مقاومة البسكويت، بينما سُمح للآخرين بتناول ما يشاؤون. بعد ذلك، طُلب من المجموعتين حل لغز صعب لا يُمكن حله.

"استنزاف الأنا"

استسلم من تناولوا الفجل للغز أسرع بكثير. لم يُصبحوا أقل ذكاءً أو أقل حماساً بأي شكل من الأشكال، بل ببساطة استنفدوا شيئاً ما، وهو مصدر قوة ضبط النفس، ولم يتبقَّ لديهم منه إلا القليل.

أطلق باوميستر على هذه الظاهرة اسم "استنزاف الأنا". ورجح باوميستر أن ضبط النفس يعمل كالعضلة فهو قوي وقابل للتدريب، لكنه يُصاب بالإرهاق مع الاستخدام.

تكمن الآلية ببساطة في أن الدماغ يبدأ في تحويل أولوياته التحفيزية بعيداً عن التحكم القائم على الجهد ونحو الإشباع. بعبارة أخرى، بعد ضبط النفس لفترة طويلة، تبدأ نفسية الشخص بالضغط من أجل الحصول على استراحة. وعندئذ تتحول ميزة الشخص شديد الانضباط إلى نقطة ضعف. أنهم يُمارسون ضبط النفس أكثر من الشخص العادي، حيث يقاومون خيارات غذائية أكثر ويكبحون دوافع أكثر ويتجاهلون مشاعر عدم الراحة، ومن ثم يتراكم لديهم هذا الحمل التحفيزي بشكل أسرع. ويبقى أن المشكلة لا تكون في افتقارهم للانضباط، بل في أنهم لم يُدركوا أبداً أن هذا الضبط له ثمن.

2. فقدان الذات بسبب اندماج الهوية مع الروتين

إن هناك ديناميكية أكثر دقة تعمل لدى الأشخاص الذين يحافظون على انضباط عالٍ لسنوات بدلاً من أسابيع، فمع مرور الوقت، تتوقف العادات عن كونها مجرد أفعال يقومون بها، وتبدأ في أن تصبح جزءاً من كيانهم. تندمج هويتهم مع الروتين. وتشير الأبحاث إلى أن هذا أحد أكثر الطرق فعالية للإرهاق.

تتبعت دراسة، نُشرت عام 2025 في دورية Frontiers in Psychology، 422 رياضياً عبر ثلاث مراحل تقييم على مدار عام. واكتشف الباحثون أن السعي نحو الكمال الموجه نحو الذات، أو الميل إلى وضع معايير شخصية عالية للغاية، وغالباً ما تكون قاسية، كان مؤشراً هاماً على الإرهاق لاحقاً. وكان المسار واضحاً حيث أن المعايير العالية تنبئ بزيادة الشعور بالوحدة، والشعور بالوحدة ينبئ بالإرهاق.

يصبح الأمر بديهياً بمجرد إدراكه. يُعيد الأشخاص ذوو الانضباط العالي غالباً تنظيم حياتهم وفقاً لروتينهم اليومي. يرفضون الدعوات الاجتماعية لأنها تتعارض مع جداول التدريب أو أوقات النوم. يتجاهلون الراحة لأنها تبدو لهم كالاستسلام. ينتهي بهم الأمر إلى الانضباط الذي كان من المفترض أن يخدمهم، بعزلهم عن التواصل الإنساني الطبيعي الذي يُساعد على تنظيم التوتر.

"المخاوف التقييمية"

كما أن هناك طبقة إضافية، وُصفت في الأبحاث حول ما يُسميه علماء النفس "الكمال المُرتبط بالمخاوف التقييمية". إن هؤلاء هم الأفراد الذين، على الرغم من أدائهم العالي، يُعانون من عدم القدرة على الشعور بالرضا الحقيقي عما أنجزوه. ويصبح الهدف دائماً في تغير مستمر وبالتالي يتحول خط النهاية إلى مجرد نقطة انطلاق مجدداً.

نوع أذكى من الانضباط

لا تعد المعطيات حججا ضد الانضباط، إنما هي دلائل تدعو إلى بناء نفس القدر من الجدية في التعافي كما هي الحال في الأداء.
أظهرت دراسة رائدة نُشرت في دورية Personality and Social Psychology Bulletin أن ضبط النفس، الذي يُمارس لأسباب جوهرية، لأن الهدف ذو معنى حقيقي بالنسبة للشخص ، يستنزف طاقته بشكل أقل بكثير من ضبط النفس الذي يُمارس بدافع الإلزام أو الضغط الخارجي. وتشير النتائج إلى أن من أهم الأمور التي يمكن للشخص المنضبط القيام بها هو مراجعة الأسباب الكامنة وراء عاداته ثم يقوم بعدئذ بفصل جوهره عن نتاج روتينه.

العربيّة المصدر: العربيّة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار