تحاول شركة أبل دفع المستهلكين إلى تقبّل واقع جديد، بل والترحيب به: أجهزتك التقنية تستمع إليك طوال الوقت.
وفي مؤتمر إطلاق هواتف آيفون الجديدة الذي عقدته الشركة يوم الأربعاء، وكشفت خلاله عن مجموعة أجهزتها الجديدة، اتضح أن المفاجأة الحقيقية لم تكن هاتف آيفون القابل للطي، وإنما الطريقة التي قررت بها شركة التكنولوجيا المعروفة بحساسيتها تجاه الخصوصية أن تتيح لساعاتها الآن معالجة الصوت المباشر وتفريغ ما قيل إلى نص.
فهل يعني ذلك أنه يتم التسجيل لك طوال الوقت إذا كان الشخص الذي تتحدث معه يرتدي Apple Watch؟ ليس تمامًا، رغم أن الأمر قد يسبب شعورًا بعدم الارتياح لدى بعض الأشخاص على أي حال، بحسب تقرير لموقع "تك كرانش" المتخصص في أخبار التكنولوجيا، اطلعت عليه "العربية Business".
كما يثير ذلك تساؤلًا حول ما إذا كان المستهلكون يريدون هذه التكنولوجيا بالفعل، أم أن "أبل" مضت قدمًا في هذا المجال لأنها تخشى أن تقدم شركة أخرى، مثل أوبن إيه آي، قريبًا جهازًا منافسًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وتنطلق حاليًا عدة شركات ناشئة من اعتقاد أن تحويل الصوت إلى نص بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي يمثل أحد الاستخدامات الاستهلاكية الرئيسية لهذه التكنولوجيا. وحتى الآن، يتركز هذا الاستخدام غالبًا على تفريغ ملاحظات الاجتماعات أو تسجيل المحاضرات والمقابلات. لكن بعض الشركات، مثل قلادة الذكاء الاصطناعي Friend وجهاز Bee من Amazon، اتجهت أيضًا إلى مجالات أخرى، من خلال تقديم رفقاء للذكاء الاصطناعي متاحين دائمًا ويمكنهم مساعدة المستخدم على تذكر تفاصيل يومه عبر تدوين الملاحظات بشكل تلقائي.
لكن "أبل" اختارت مسارًا مختلفًا قليلًا. فمن خلال ميزات "Audio Intelligence" (تعني "الذكاء الصوتي") و"Live Rewind" و"Siri Recap" الجديدة في ساعاتها، تتحرك الشركة على الخط الفاصل بين إتاحة التكنولوجيا وسهولة استخدامها من جهة، والتكنولوجيا التي قد تبدو متطفلة من جهة أخرى
وبمفردها، تبدو ميزة "الذكاء الصوتي" مفيدة للأشخاص الصم أو الذين يعانون ضعف السمع، إذ يمكنها تنبيه مستخدمي Apple Watch إلى أصوات مثل صفارات الإنذار وأجهزة الإنذار وأجراس الأبواب وبكاء الأطفال وغيرها، باستخدام الذكاء الاصطناعي على الجهاز نفسه.
ويمكن أن تعمل هذه الميزة حتى عندما لا يكون هاتف آيفون الخاص بالمستخدم معه، وفي بعض الحالات قد توفر مساعدة تنقذ الحياة، مثل عند انطلاق إنذار الحريق أو جهاز الكشف عن أول أكسيد الكربون. ومن المستبعد أن يعترض أي شخص على هذا النوع من استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة الصوت.
لكن ميزتي Live Rewind وSiri Recap تنتقلان من مجال التقنيات المساعدة إلى منطقة أكثر غموضًا.
ورغم أن إجراءات "أبل" لحماية البيانات قد تجعل هذه الميزات مقبولة بدرجة أكبر لدى البعض، فلا يزال هناك احتمال بأن تطبيع تكنولوجيا الاستماع ليس أفضل خطوة لشركة تضع الخصوصية في مقدمة أولوياتها.
ويزداد ذلك أهمية في ظل تنامي رد الفعل الرافض بين المستهلكين تجاه تقنيات المراقبة، مثل كاميرات Flock ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي عمومًا.
تتيح ميزة Live Rewind المعتمدة على الذكاء الاصطناعي العودة 15 ثانية إلى الوراء وتفريغ ما قيل للتو إلى نص، وذلك من خلال الضغط مرتين على التاج الرقمي في الساعة. ويمكن بعد ذلك حفظ هذا التفريغ النصي في تطبيق Siri المستقل الجديد من "أبل"، حتى يتمكن المستخدم من العودة إلى المعلومات لاحقًا.
وتقترح "أبل" إمكانية استخدام هذه الميزة لتذكر أشياء مثل "ترشيح لكتاب، أو فكرة رائعة من أحد الزملاء، أو شيء لم تسمعه في المرة الأولى"، لكنها تعني أيضًا أنه يمكنك، عمليًا، التقاط كلام قاله شخص آخر ربما لم يكن يقصد تسجيله وتدوينه كملاحظة.
ولهذا الأمر تداعيات تتعلق بالموافقة، ليس من الناحية الأخلاقية فحسب، بل القانونية أيضًا. فعلى سبيل المثال، تنصح شركة Plaud المتخصصة في أجهزة الذكاء الاصطناعي عملاءها بالحصول على الموافقة التي يفرضها القانون قبل التسجيل. كما تذكّر شروط خدمة جهاز Bee من Amazon المستخدمين بأنهم وحدهم المسؤولون عن الالتزام بالقوانين المتعلقة بخصوصية بيانات القاصرين، وليس Amazon.
وبما أن "أبل" لا تحفظ التسجيلات الصوتية، فمن غير الواضح كيف يمكن للنظام القضائي التعامل مع هذه النصوص المفرغة فقط. ومن المحتمل أن تُقدَّم هذه الملاحظات كأدلة في المحاكم، لكن غياب التسجيل الصوتي قد يجعل التحقق من صحتها أو توثيقها أكثر صعوبة. كما أن قواعد قبول هذه الأدلة واستخدامها ستختلف على الأرجح من دولة لأخرى.
وبعيدًا عن القضايا القانونية، فإن فكرة أن شخصًا ما يمكنه التسجيل دائمًا باستخدام ساعته تحمل تداعيات ثقافية أيضًا.
فقد أثرت أجهزة التسجيل بالفعل في الطريقة التي يتصرف بها الناس في حياتهم اليومية، وفقًا لما أظهرته الدراسات، وكذلك فعلت مواقع التواصل الاجتماعي وثقافة مراقبة البيانات. ومعرفة أنك قد تكون مسجلًا في أي وقت لها تأثير مثبط على طريقة تفاعلك مع الآخرين وعلى تعبيرك عن نفسك.
ومع ذلك، فإن التقاط صورة أو تسجيل مقطع فيديو لا يزال يتطلب حركة واضحة نسبيًا من الشخص الذي يقوم بالتسجيل، إذ يتعين عليه رفع هاتفه وتوجيهه نحو ما يحدث. أما التقاط جزء من الصوت وتحويله إلى نص بمجرد الضغط على التاج الرقمي في الساعة، فيمكن القول إنه حركة أكثر خفاءً، رغم أن العملية يصاحبها صوت تنبيه ورسوم متحركة لميكروفون تظهر على الشاشة بالكامل، بحسب "أبل".
وتستخدم ميزة جديدة أخرى في Apple Watch، وهي "Siri Recap"، الاستماع إلى الأصوات المحيطة من أجل "تدوين ملاحظات عامة" حول محادثاتك، ويمكن مراجعة هذه الملاحظات في تطبيق Siri على نظام iOS.
وتنشئ الميزة تلقائيًا عنوانًا وملخصًا وأبرز النقاط استنادًا إلى ما تم تسجيله وتلخيصه بواسطة الذكاء الاصطناعي. ولن تكون هذه الملاحظات تفريغًا حرفيًا للمحادثات.
وتشير أبل إلى أن استخدام الميزة قد يكون مناسبًا، على سبيل المثال، لتدوين أبرز ما جاء في الاجتماعات أو المعلومات المهمة التي طُرحت خلال اجتماع بين أولياء الأمور والمعلمين.
وحاولت الشركة أيضًا طمأنة المستخدمين إلى أنها طورت هذه الميزات التي تعتمد على الاستماع مع مراعاة خصوصية المستخدمين.
وتوضح "أبل" أن ميزة Siri Recap لا تعمل افتراضيًا طوال الوقت، على عكس بعض الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وبدلًا من ذلك، يمكن للمستخدم اختيار أوقات تفعيلها، مثل تشغيلها أثناء العمل فقط أو خلال ساعات النهار فقط. كما يمكن تشغيل الميزة أو إيقافها في أي وقت من خلال مركز التحكم.
واللافت أن "أبل" تؤكد أنها لا تنشئ تسجيلات صوتية ولا تخزنها، وأن الصوت الخام لا يمكن الوصول إليه، حتى من جانب "أبل" نفسها. كما أنها لا تحدد هوية المتحدثين أو تنسب الكلام إلى أشخاص بعينهم، وتحمي النصوص المفرغة والملخصات التي يتم إنشاؤها باستخدام التشفير من طرف إلى طرف.
المصدر:
العربيّة