مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد المنافسة بين شركات التكنولوجيا تقتصر على تطوير النماذج اللغوية الأكثر تقدما، بل امتدت إلى البنية التحتية التي تشغل هذه النماذج، حيث استثمرت غوغل على مدى سنوات في تطوير شرائحها الخاصة المعروفة باسم وحدات معالجة التنسور (Tensor Processing Units – TPUs) لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك عائلة جيميناي، في خطوة تهدف إلى تقليل التكاليف، وتحسين الأداء، وتعزيز استقلالها التقني.
أطلقت غوغل أول جيل من شرائح وحدات معالجة الموتر "تي بي يو" (TPU) عام 2016، موضحة أن الهدف منها هو تسريع عمليات التعلم الآلي مقارنة بالمعالجات التقليدية ووحدات معالجة الرسومات "جي بي يو" (GPU). ووفقا لغوغل، صُممت هذه الشرائح لتنفيذ العمليات الرياضية التي تعتمد عليها الشبكات العصبية بكفاءة عالية، سواء في أثناء تدريب النماذج أو تشغيلها لخدمة المستخدمين.
ومع تطور نماذج جيميناي التي تضم مليارات المعاملات، ازدادت الحاجة إلى بنية حوسبة قادرة على معالجة أحجام ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة. ولهذا تعتمد غوغل على أحدث أجيال "تي بي يو" داخل مراكز بياناتها، كما توفرها لعملاء منصة غوغل كلاود.
رغم أن وحدات معالجة الرسومات من إنفيديا أصبحت المعيار السائد في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن الطلب العالمي المتزايد عليها أدى إلى ارتفاع أسعارها وصعوبة الحصول عليها في بعض الفترات.
ويرى محللون أن امتلاك غوغل شرائحها الخاصة يمنحها مرونة أكبر في توسيع قدراتها الحاسوبية دون الاعتماد الكامل على مورد خارجي. كما يقلل من المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التخطيط طويل الأمد لتطوير نماذجها.
وفي الوقت نفسه، لا تستغني غوغل بالكامل عن شرائح إنفيديا، لكنها تتبع نهجا يجمع بين استخدام وحدات "جي بي يو" وشرائح "تي بي يو" بحسب طبيعة أعباء العمل.
تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي يستخدمه مئات الملايين من الأشخاص يوميا يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة. وتشير غوغل إلى أن تصميم العتاد والبرمجيات معا يتيح تحسين الأداء وتقليل تكلفة تشغيل كل استعلام. فعندما تكون الشريحة مصممة خصيصا لأحمال عمل الذكاء الاصطناعي، يمكنها تنفيذ العمليات المطلوبة بعدد أقل من الخطوات، مع استهلاك أقل للطاقة مقارنة بالحلول العامة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع دمج جيميناي في خدمات مثل البحث، وجيميل، وغوغل دوكس، وأندرويد، حيث يعني أي تحسن في الكفاءة توفيرا كبيرا عند معالجة مليارات الطلبات.
تتبنى غوغل فلسفة تقوم على تطوير عناصر المنظومة التقنية بصورة متكاملة؛ فهي تطور النموذج اللغوي، والبرمجيات، والبنية السحابية، والشرائح المستخدمة لتشغيلها.
ووفقا لغوغل، يسمح هذا التكامل بتحقيق أداء أعلى مقارنة باستخدام مكونات طُورت بشكل منفصل، إذ يمكن تحسين نموذج جيميناي ليستفيد مباشرة من خصائص "تي بي يو"، كما يمكن تعديل تصميم الشريحة ليتوافق مع متطلبات النماذج المستقبلية.
ويشبه هذا النهج ما اتبعته الشركة في تصميم معالجات تنسور (Tensor) الخاصة بهواتف بيكسل، حيث يجري تطوير العتاد والبرمجيات بالتوازي.
لا تعد غوغل الوحيدة التي تتجه إلى تطوير شرائح ذكاء اصطناعي خاصة بها، فقد كشفت أمازون عن شرائح ترينيوم (Trainium) وإنفيرنشيا (Inferentia) لتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي على منصتها السحابية، بينما طورت مايكروسوفت شريحة "مايا إيه آي أكسيليريتور" (Maia AI Accelerator)، كما تعمل شركات أخرى على بناء معالجات مخصصة لأعباء الذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء الصناعة أن امتلاك الشرائح الخاصة أصبح عاملا إستراتيجيا يمنح الشركات مزايا تتعلق بالأداء والتكلفة والقدرة على التوسع، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على خدمات الذكاء الاصطناعي.
أصبحت الطاقة الكهربائية أحد أكبر التحديات أمام مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وتشير تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات مرشح للارتفاع بشكل كبير خلال السنوات المقبلة نتيجة انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولهذا تركز غوغل على تحسين كفاءة شرائح "تي بي يو" بحيث تنفذ عددا أكبر من العمليات لكل واط من الطاقة المستهلكة، وهو ما يسهم في خفض تكاليف التشغيل وتقليل الأثر البيئي لمراكز البيانات.
لا تقتصر أهمية الشرائح الخاصة على تشغيل نماذج جيميناي الحالية، بل تمتد إلى دعم الأجيال المقبلة من النماذج متعددة الوسائط ووكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة.
ومع تزايد حجم النماذج وتعقيدها، يتوقع أن تصبح القدرة على تصميم الشرائح المتخصصة عاملا أساسيا في تحديد الشركات القادرة على المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الإطار، تمثل استثمارات غوغل في TPUs جزءا من إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى امتلاك كامل سلسلة القيمة، بدءا من العتاد، مرورا بالبنية السحابية، ووصولا إلى النماذج الذكية التي يعتمد عليها المستخدمون والشركات حول العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة