آخر الأخبار

هل أصبحت ذاكرة الإنترنت رهينة صراع الذكاء الاصطناعي وحقوق النشر؟

شارك

لم يعد الخطر الذي يهدد ذاكرة الإنترنت يقتصر على اختفاء الروابط القديمة أو إغلاق المواقع المهجورة، بل أصبح يمتد إلى طريقة حفظ الويب نفسه وإمكانية أرشفته. ومع تصاعد استخدام البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بدأت مؤسسات صحفية متزايدة في تقييد أو حظر أدوات الأرشفة الرقمية مثل "واي باك ماشين" (Wayback Machine)، ما يثير أسئلة جديدة حول مستقبل الوصول إلى أرشيف الإنترنت.

جدل متصاعد حول قيود أرشفة المحتوى الصحفي

في الأشهر الأخيرة، بدأت مؤسسات صحفية كبرى مثل " نيويورك تايمز" و"يو إس إيه توداي" و"ذا غارديان" بفرض قيود متفاوتة على أدوات الأرشفة الرقمية التابعة لـ "أرشيف الإنترنت" (Internet Archive)، وعلى رأسها "واي باك ماشين"، التي تُستخدم منذ سنوات لحفظ نسخ من صفحات الويب وتتبع التعديلات التي تطرأ عليها مع مرور الوقت.

وبحسب تقرير نشره موقع وايرد التقني، فإن بعض هذه المؤسسات بات يحظر روبوتات الأرشفة بالكامل، فيما تلجأ مؤسسات أخرى إلى تقليص إمكانية الوصول إلى المواد المؤرشفة أو تقييد ظهورها، بدافع مخاوف متزايدة من استخدام المحتوى الصحفي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون إذن، في ظل تصاعد المواجهات القانونية بين شركات الإعلام وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن حقوق النشر.

مصدر الصورة ميليغان يحذر من تأثير سياسات الحجب على العمل الصحفي، إذ أصبحت "واي باك ماشين" أداة أساسية في التحقق من المعلومات، وإعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث (بيكسابي)

وفي السياق نفسه، كشف تقرير حديث نشره "نيمان لاب" (Nieman Lab)، أن نطاق هذه القيود يتسع ليشمل أكثر من 340 موقعا إخباريا محليا في الولايات المتحدة الأمريكية، ما يشير إلى أن الظاهرة لم تعد محصورة في المؤسسات الكبرى، بل تمتد إلى قلب الصحافة المحلية.

وفي المقابل، أطلق صحفيون ومنظمات مدافعة عن الحقوق الرقمية حملة دعم علنية لـ "أرشيف الإنترنت"، عبر رسالة مفتوحة وقعها أكثر من مئة صحفي، شددت على أن أرشيف الإنترنت يؤدي دورا شبيها بالمكتبات العامة وأرشيفات الصحف المحلية، خصوصا مع تراجع المؤسسات التقليدية القادرة على حفظ السجل الرقمي للصحافة.

القيود على الأرشفة تهدد الويب المفتوح

يرى مارك غراهام، مدير "واي باك ماشين" في "أرشيف الإنترنت"، أن القيود المتزايدة على أدوات الأرشفة الرقمية تمثل تحولا مقلقا في بنية الويب المفتوح، حتى وإن ظل عدد المواقع التي تطبق هذه القيود محدودا مقارنة بحجم الإنترنت الإخباري.

إعلان

ويشير غراهام، خلال حديثه إلى الجزيرة نت، إلى أن مؤسسات مثل "نيويورك تايمز"، تمتلك تأثيرا واسعا داخل النظام الإعلامي، ما يجعل قراراتها تتجاوز حدود مواقعها لتؤثر على طبيعة الوصول إلى المعلومات والأرشيف الرقمي عموما. وبرأيه، فإن هذا الاتجاه يهدد قدرة الجمهور على الوصول إلى تاريخه الرقمي "في وقت نحن بحاجة فيه إلى هذا الارتكاز أكثر من أي وقت مضى".

مصدر الصورة مارك غراهام: بعض المؤسسات التي تقيد الأرشفة الرقمية لا تزال تعتمد على "واي باك ماشين" في التحقيقات والتدقيق (مواقع التواصل)

ورغم أن كثيرا من المؤسسات الإعلامية تبرر هذه القيود بمخاوف تتعلق باستخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، يرفض غراهام وضع مشاريع الأرشفة الرقمية في الخانة نفسها مع شركات الذكاء الاصطناعي، قائلا: "نحن لسنا مصدر المشكلة".

وبحسب غراهام، فإن "واي باك ماشين" لا تعمل كمنصة لاستخراج البيانات أو تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي، بل كمكتبة رقمية هدفها الحفظ طويل الأمد وإتاحة الوصول لأغراض البحث والدراسة.

كما يشير إلى أن الأرشيف اتخذ إجراءات تقنية للحد من الوصول السريع أو واسع النطاق إلى محتواه، وفرض قيودا إضافية على بعض واجهات البرمجة "إيه بي آي" (API) بالتعاون مع مؤسسات إعلامية.

ازدواجية التعامل مع أرشيف الإنترنت في الصحافة

المفارقة التي يراها غراهام أكثر إثارة للقلق تتمثل في أن بعض المؤسسات الإعلامية التي بدأت تقيد الأرشفة لا تزال تعتمد على "واي باك ماشين" في التحقيقات الصحفية والتدقيق وتتبع النسخ القديمة من المقالات.

ويصف هذا التناقض بأنه يحمل "قدرا من السخرية يقترب أحيانا من النفاق"، مشيرا إلى أن الأرشيف لعب لعقود دورا أساسيا في جمع الأخبار، بل أصبح في كثير من الأحيان المصدر الوحيد لمواد صحفية اختفت بالكامل من الويب.

ويضيف أن ملايين المقالات والقصص الإخبارية -بما في ذلك مواد يُستشهد بها في ويكيبيديا- لم تعد متاحة اليوم إلا عبر "واي باك ماشين". ويشمل ذلك مواقع أغلقت نهائيا، مثل عدد من المنصات الإخبارية في هونغ كونغ، إضافة إلى مواقع أمريكية معروفة مثل "غوكر" (Gawker) و"إم تي في نيوز" (MTV News)، فضلا عن مئات المؤسسات الإخبارية المحلية التي اختفت من الإنترنت خلال السنوات الماضية.

ويحذر غراهام من أن هذه الظاهرة لا تمثل مجرد مشكلة تقنية، بل قضية تمس قدرة المجتمعات على الوصول إلى السياق التاريخي وفهم الأحداث العامة.

ويستحضر في هذا السياق مقولة جورج أورويل الشهيرة في رواية 1984: "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي".

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أرشفة الويب

ورغم أن المؤسسات الإعلامية تبرر القيود الجديدة بمخاوف تتعلق بحقوق النشر، فإن تصاعد استخدام البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يبدو اليوم في قلب هذا التوتر المتنامي.

وفي هذا السياق، يقول إيان ميليغان، الباحث الكندي المتخصص في التاريخ الرقمي ومؤلف كتاب "تجنب العصر الرقمي المظلم: كيف منح أمناء الأرشيف والمكتبات وخبراء التكنولوجيا ذاكرة للويب" (Averting the Digital Dark Age: How Archivists, Librarians, and Technologists Built the Web a Memory)، إن العديد من الناشرين باتوا يربطون بين حظر "أرشيف الإنترنت" والمخاوف المتعلقة باستخدام المحتوى المؤرشف في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

مصدر الصورة يرى ميليغان أن فقدان المحتوى الرقمي لم يعد نتيجة طبيعية لتآكل الروابط، بل أصبح أكثر تعمّدًا بفعل سياسات الحجب (مواقع التواصل)

لكنه يميز -في حديثه للجزيرة نت- بين أرشفة الويب باعتبارها عملية حفظ رقمية، وبين عمليات استخراج البيانات واسعة النطاق التي تقوم بها شركات الذكاء الاصطناعي. ويوضح أن "أرشيف الإنترنت" لا يعمل كمنصة لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي، بل اتخذ إجراءات تقنية للحد من عمليات الاستخراج الضخمة للبيانات، من بينها فرض قيود على معدلات الوصول.

إعلان

وبرأيه، فإن التغيير الحقيقي لا يتعلق بالأرشفة نفسها، بل بالبيئة المحيطة بها، حيث أصبحت الأرشفة مساحة يتقاطع فيها حق الوصول إلى المعرفة مع حقوق النشر ومخاوف السيطرة على المحتوى الرقمي.

هل ندخل عصرا رقميا مظلما؟

في السياق ذاته، لا تقتصر التداعيات على المؤسسات التقنية أو الناشرين، بل تمتد إلى طبيعة الذاكرة الرقمية نفسها. فبينما كان اختفاء المحتوى الرقمي يُنظر إليه سابقا باعتباره نتيجة طبيعية لما يُعرف بـ "تآكل الروابط" (Link rot)، يحذر ميليغان من أن فقدان المحتوى اليوم أصبح "أقل عفوية وأكثر تعمدا"، نتيجة سياسات الحجب.

ويشير إلى أن الظاهرة ليست جديدة بالكامل، مستشهدا بإغلاق منصات قديمة مثل "جيوسيتي" (GeoCities) التابعة لـ "ياهو" (Yahoo) عام 2009، إلا أن الجديد هو اتساع نطاقها، وتحولها إلى سياسة موجهة ضد مشاريع الأرشفة نفسها.

ويرى ميليغان أن الخطر لا يقتصر على فقدان صفحات ويب، بل يمتد إلى إضعاف القدرة على كتابة تاريخ العصر الرقمي نفسه. فالمصادر الرقمية أصبحت المادة الأساسية التي سيعتمد عليها المؤرخون مستقبلا لفهم العقود الأخيرة.

ويحذر أيضا من تأثير هذه السياسات على العمل الصحفي، إذ أصبحت "واي باك ماشين" أداة أساسية في التحقق من المعلومات، وإعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث.

ولا يقتصر القلق، بحسب ميليغان، على فقدان المحتوى المؤسسي أو المواد الصحفية، بل يمتد أيضا إلى ضياع ما يصفه بـ "أصوات الناس العاديين"، مثل ما تحتويه منصات مثل "ريديت"، التي قررت حظر أدوات أرشفة الإنترنت، مشيرة إلى أنها تحفظ أشكالا من التعبير والتفاعل الاجتماعي التي لا تظهر في الصحف أو الأرشيفات التقليدية.

ويشير إلى أن دراساته الحالية حول ردود الفعل الشعبية تجاه هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 أظهرت أن جزءا مهما من فهم تلك المرحلة يعتمد على آثار رقمية حفظتها مؤسسات مثل "أرشيف الإنترنت".

بالنهاية، ربما لا تكمن خطورة اللحظة الحالية في اختفاء بعض صفحات الإنترنت، بل في أن فقدان الذاكرة الرقمية لم يعد مجرد نتيجة طبيعية لعمر الويب، وإنما أصبح يحدث أحيانا بفعل سياسات وقرارات تحدد ما الذي سيبقى متاحا للأجيال القادمة، وما الذي سيختفي تدريجيا من السجل العام.

فعلى امتداد تاريخ البشرية، كانت المجتمعات تخشى حرق المكتبات ومحو الوثائق. أما في العصر الرقمي، فقد لا يأتي الاختفاء وسط الدخان والحرائق، بل في هدوء كامل عبر تحديث في سياسات الوصول، أو ربما ملف "روبوت" صغير يمنع الأرشفة، أو خوارزمية تقرر ما الذي يجب الاحتفاظ به وما الذي يجب أن يختفي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار