شهد عام 2023 وما بعده تحولا جذريا في العقيدة الأمنية الرقمية، فبينما كان الاختراق سابقا حكرا على نخبة تمتلك مهارات رياضية وبرمجية فذة، أدت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى خفض عتبة الدخول إلى هذا العالم بشكل غير مسبوق، وبات الهواة يمتلكون ترسانة تقنية وضعتهم في مصاف مجموعات التهديد المتقدمة.
فالذكاء الاصطناعي لا يكتب الكود فحسب، بل يقوم بـ"تحسينه"، والهواة يستخدمون هذه الأدوات لتحويل أكواد برمجية بسيطة إلى نسخ "متعددة الأشكال"، وهي برمجيات قادرة على تغيير بصمتها الرقمية عند كل هجوم لتضليل أنظمة مكافحة الفيروسات القائمة على التوقيعات.
وبحسب التقارير المنشورة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الجرائم المنظمة، فإن القدرة على تزييف الأصوات مكنت المهاجمين من تنفيذ هجمات "احتيال المدير التنفيذي" (CEO Fraud) بكفاءة مرعبة، حيث يتصل المهاجِم بالموظف مستخدما صوت مديره المباشر ليأمره بتحويلات مالية فورية.
وتشير دراسة من جامعة شيفيلد البريطانية إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة أظهرت نسبة نجاح ملحوظة في تحديد الثغرات الأمنية في العقود الذكية (Smart Contracts) وتطبيقات الويب، مما يسمح للمبتدئين بالعثور على "نقاط الضعف" دون الحاجة إلى فهم عميق للبنية التحتية للنظام.
رغم القيود الأخلاقية التي تفرضها شركات مثل أوبن إيه آي (OpenAI) وغوغل، ظهرت نسخ غير مقيدة من الذكاء الاصطناعي مصممة خصيصاً للنشاط الإجرامي، مثل "وورم جي بي تي" (WormGPT) و"فرود جي بي تي" (FraudGPT).
هذه النماذج، كما تصفها شركة نت إنريتش (Netenrich) الأمريكية الأمنية، لا تملك "حواجز حماية"، مما يوفر للهواة منصة لإنشاء رسائل تصيد غير محدودة، وتوليد صفحات هبوط وهمية، وكتابة برمجيات خبيثة دون أي اعتراض من النظام.
وبحسب الخبراء، فإن الخطر الأكبر يكمن في تحويل القرصنة إلى "خدمة"، فالذكاء الاصطناعي أتاح للهواة إدارة حملات هجومية واسعة النطاق بضغطة زر، فلم يعد المهاجم بحاجة إلى تعلم كيفية الاختراق، بل يحتاج فقط إلى تعلم كيفية توجيه الأوامر للذكاء الاصطناعي.
في المقابل، تؤكد شركة مايكروسوفت في تقريرها السنوي عن الدفاع الرقمي أن الذكاء الاصطناعي هو "سلاح ذو حدين"، فالأنظمة الدفاعية اليوم تستخدم التحليلات التنبؤية لرصد أي سلوك غير معتاد في الشبكة يعجز البشر عن ملاحظته. والمعركة انتقلت من صراع بين عقل بشري وآخر، إلى صراع "خوارزمي" يتم فيه صد الهجمات في أجزاء من الثانية.
ويؤكد المراقبون أن الذكاء الاصطناعي لم يخلق التهديدات من العدم، بل قام بتصنيعها على نطاق واسع، واستطاع منح الهواة رافعة تقنية مكنتهم من القفز فوق سنوات من الخبرة الفنية، مما يجعل الأمن السيبراني اليوم لا يعتمد على قوة الجدران النارية فحسب، بل على ذكاء وسرعة الخوارزميات التي تحرسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة