هل تساءلت يوما لماذا قد يتوقف إنتاج الجيل القادم من معالجات الذكاء الاصطناعي؟ الإجابة لا تكمن في نقص المهارات البرمجية أو التصميم، بل في غاز نبيل يفتقر إليه العالم اليوم.
فقد كشفت أزمة الهيليوم العالمية عن هشاشة سلاسل توريد التكنولوجيا، حيث أدى انخفاض الإمدادات إلى دفع كبرى شركات الرقائق الإلكترونية لإعادة تقييم استراتيجياتها التشغيلية.
فمن آلات الليثوغرافيا المتطورة المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية إلى وحدات التخزين السحابي العملاقة، يمثل الهيليوم اليوم "المبرد الأخير" الذي يعتمد عليه بقاء الابتكار، والتقرير التالي يغوص في الأرقام، والخرائط الجيوسياسية، والسباق المحموم نحو تقنيات إعادة التدوير لضمان استمرارية العصر الرقمي.
1. شريان الحياة لأشباه الموصلات (Semiconductors)
تعد صناعة أشباه الموصلات المستهلك الأكثر حرجا للهيليوم، حيث يؤكد تقرير "ديجيتايمز آسيا" (Digitimes Asia) أن إنتاج الرقائق المتطورة بدقة 3 و2 نانومتر يعتمد كليا على الهيليوم لتبريد أنظمة الليثوغرافيا بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV).
فهذا الغاز يُستخدم كوسط تبريد فائق الكفاءة لمنع تشوه "الويفر" (Wafer) -"الشريحة المستديرة" التي تُصنع منها المعالجات والرقائق الإلكترونية- وتلف العدسات المغناطيسية أثناء الحفر المجهري.
ووفقا لبيانات شركة "إيه إس إم إل" (ASML) الهولندية الموردة لهذه الآلات، فإن أي تذبذب في نقاء الهيليوم أو توفر إمداداته يؤدي فورا إلى انخفاض نسبة "العائد الإنتاجي"، مما يهدد تدفق المعالجات التي تعتمد عليها شركات مثل إنفيديا وآبل الأمريكيتين في تشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
2. البنية التحتية لمراكز البيانات وتخزين الحوسبة السحابية
يلعب الهيليوم دورا محوريا في استدامة مراكز البيانات العملاقة، فوفقا لنشرة "فيوجن وورلد وايد" (Fusion Worldwide) الاستشارية لسلاسل التوريد، تعتمد أقراص التخزين الصلبة (HDD) ذات السعة العالية التي تتجاوز 18 تيرابايت على غاز الهيليوم المضغوط داخلها لتقليل المقاومة والاضطراب الميكانيكي.
وبما أن كثافة الهيليوم تبلغ سُبع كثافة الهواء تقريبا، فإنه يسمح للأقراص بالدوران باحتكاك أقل وحرارة أدنى، مما يقلل استهلاك الطاقة في مراكز البيانات بنسبة تصل إلى 20%.
وبحسب تقرير الاستدامة الرقمية لهذا العام، فإن نقص الهيليوم يرفع تكلفة التخزين السحابي العالمي، حيث لا تزال بدائل التخزين الصلبة، وهي أقراص الحالة المصمتة (SSD) أعلى تكلفة بكثير في السعات الضخمة التي تتطلبها "البيانات الكبيرة".
3. الحوسبة الكمومية والبحث العلمي الفائق
في طليعة الابتكار، يظل الهيليوم السائل المادة الوحيدة القادرة فيزيائيا على توفير بيئة تشغيل للحواسيب الكمومية، حيث يشير تقرير "إنفيستيغيتيف تيك" (Investigative Tech) الصادر في مطلع هذا العام إلى أن المعالجات الكمية (Quantum Processors) من شركتي "آي بي إم" وغوغل تتطلب درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق (-273.15 درجة مئوية) للحفاظ على حالة "التراكب الكمي" للكيوبتات.
كما تؤكد الجمعية الفيزيائية الأمريكية "إيه بي إس" (APS) أن ندرة الهيليوم لا تهدد فقط بوقف الأبحاث الكمومية، بل تؤثر أيضا على تشغيل أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) ومسرعات الجسيمات، حيث لا يوجد بديل طبيعي أو صناعي يمتلك درجة غليان منخفضة كالهيليوم قادرة على تبريد الموصلات الفائقة بكفاءة.
وفقا لبيانات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية "يو إس جي إس" (USGS)، تتركز القوة في يد 4 دول رئيسية، مما يخلق تبعية دولية خطيرة:
لمواجهة هذا الشح، بدأت شركات مثل سامسونغ وإنتل في تبني أنظمة "إعادة التدوير المغلق". وتعمل هذه الأنظمة، وفقا لتقارير "ديجيتايمز"، على التقاط الهيليوم المتبخر أثناء التصنيع وإعادة تسييله، مما يوفر استدامة تشغيلية تصل إلى 85%.
ورغم أن تكلفة تركيب هذه الأنظمة تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، إلا أنها أصبحت "ضرورة بقاء" لضمان استمرارية الإنتاج في ظل اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن بنسبة 150%.
وبذلك يقول المراقبون، إن أزمة الهيليوم ليست مجرد نقص في مادة خام، بل هي تجسيد لهشاشة العصر الرقمي أمام تقلبات الجغرافيا السياسية. فبينما يتنافس العالم على "العقول الاصطناعية"، تظل هذه العقول رهينة لغاز خامل يستخرج من أعماق الأرض، ويفقد للأبد بمجرد تسربه إلى الفضاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة