تزايد الاعتماد على شبكات تحديد المواقع الجغرافية في السنوات الأخيرة وأصبحت كافة الخدمات التجارية التي يمكن أن يحتاجها المستخدم في حياته اليومية تستند إليها، بدءا من خدمات النقل الذكي مثل "أوبر" والخرائط مثل "ويز"، وحتى خدمات طلب الطعام واللوازم المنزلية على غرار "طلبات" و"نون" في الشرق الأوسط.
وتعتمد معظم الأجهزة في ذلك على "نظام تحديد المواقع الجغرافية" المعروف اختصارا باسم "جي بي إس" (GPS)، الذي تمتلكه وتديره الحكومة الأمريكية، لكن ما يجهله معظم المستخدمين هو أن أجهزتهم تستخدم العديد من أنظمة الملاحة العالمية وليس "جي بي إس" فقط، ومع ذلك فإن التشويش على إشارة "جي بي إس" يربك نظام تحديد المواقع على أجهزهم، فما السبب؟، ولماذا لا نستطيع كأفراد أو حكومات التحول إلى منظومة ملاحة أخرى غير المنظومة الأمريكية؟
فالولايات المتحدة التي تمتلك هذه المنظومة عبر "قوة الفضاء الأمريكية" (U.S. Space Force) تتحكم بها بشكل كامل، مما يجعل مستخدميها بلا حلول رغم وجود أنظمة عالمية أخرى بديلة وهي: نظام غلوناس (Glonass) الروسي، وبيدو (BeiDou) الصيني وغاليليو (Galileo) الأوروبي.
"جي بي إس" طور للجيش الأميركي
يجهل الكثير من المستخدمين أن نظام "جي بي إس" هو نظام أمريكي في الأساس طورته وزارة الدفاع الأمريكية وطرح لعامة المستخدمين في عام 1983، وبدأ بالانتشار مع طرح الهواتف الذكية التي تضم شرائح قادرة على استقبال الإشارات الخاصة به في مطلع الألفية الجارية، حسب تقرير أكاديمية اقتصاد الفضاء المنشور في موقعها.
قدمت الحكومة الروسية المنظومة الخاصة بها والتي تدعى غلوناس في عام 1995، ولكنه واجه مجموعة من العقبات التقنية مع الأزمة الاقتصادية الروسية في عام 2000 وعاد للعمل مجددا في عام 2011 وتم تحديثه ليتناسب مع تقنيات الجيل الحديث.
وتعتمد تقنية "غلوناس" على تقنية مشابهة لما تستخدمه شبكات "جي بي إس"، إذ تستخدم 24 قمرا صناعيا منخفض المدار على ارتفاع 19 ألف كيلومتر مقارنة مع 20 ألف كيلومتر لأقمار "جي بي إس".
وبينما كانت شبكة "غلوناس" تستخدم تقنية مختلفة لنقل الإشارة في السابق، إلا أن تحديث الشبكة في 2011 جعلها تستخدم تقنية مماثلة للمستخدمة في "جي بي إس" حتى يصبح استخدامها تجاريا أمرا سهلا.
وفي عام 2016، دخل الاتحاد الأوروبي في قطاع شبكات تحديد المواقع مقدما شبكته الخاصة به "غاليليو"، تيمنا بالعالم الشهير الذي يحمل الاسم ذاته.
وتعتمد منظومة "غاليليو" على ما يصل إلى 30 قمرا صناعيا منخفض المدار على ارتفاعات تصل إلى 23 ألف كيلومتر، وتستخدم معايير التشفير ونقل الإشارات ذاتها المستخدمة في "غلوناس" و"جي بي إس".
ويكمن الاختلاف الرئيسي بين "غاليليو" وبقية شبكات تحديد المواقع في أنه لا يخضع لسيطرة دولة واحدة بعينها، وتتحكم فيها هيئات مدنية مستقلة.
وقدمت الحكومة الصينية نسختها من الأقمار الصناعية لتحديد المواقع تحت اسم "بيدو" على ثلاث مراحل مختلفة، الأولى بدأت في عام 2000 وكانت اختبارية بشكل كبير، ثم انتقلت إلى النسخة الثانية في عام 2012، وأخيرا النسخة الثالثة في عام 2020.
وتعتمد المنظومة الصينية على مجموعة متنوعة من الأقمار الصناعية التي تبث إشاراتها على ترددات مختلفة، إذ أن بعض هذه الترددات والأقمار مخصصة للاستخدام العسكري فقط، بينما البقية مخصصة للاستخدام التجاري.
ويصل إجمالي الأقمار الصناعية التي تعتمد عليها شبكة "بيدو" إلى 35 قمرا صناعيا على ارتفاع يصل إلى 21 ألف كيلومتر، وتتحكم فيها الحكومة الصينية عبر القطاع المخصص لها.
وتمتاز شبكة "بيدو" بقدرتها على نقل الرسائل النصية عبر شبكات الاتصال الخاصة بها، وتوفر أيضا خيارا مخصصا للاستخدام العسكري مع وجود خيار للاستخدام المدني، كما تدعم الشبكة أيضا السيارات ذاتية القيادة والمركبات البحرية وحتى تطبيقات الزراعة الذكية.
تحولت شبكة "جي بي إس" إلى مرادف لشبكات تحديد المواقع الجغرافية مع المستخدمين، إذ يشير المستخدمون إلى خدمة تحديد المواقع والملاحة العالمية عبر الإشارة إلى مفهوم "جي بي إس".
ولكن تؤكد صفحة المواصفات الخاصة بشركة "كوالكوم" المسؤولة عن صناعة معالجات الهواتف الذكية الرائدة أن جميع معالجاتها تدعم الاتصال بكافة شبكات تحديد المواقع والملاحة العالمية.
وهذا يعني أن معظم الهواتف الذكية الحديثة والساعات الرياضية وغيرها من أجهزة تستخدم رقائق تدعم تعدد الأنظمة (Multi-GNSS). مما يعني أن الجهاز قد يستقبل إشارات من أقمار جي بي إس وغاليليو وغالوناس في آن واحد، مما يمنحه سرعة أكبر في تحديد الموقع ودقة أعلى حتى في ظل وجود عوائق مثل الأشجار أو ناطحات السحاب، وموثوقية في حال تعطل أحد الأنظمة أو تشفيره لأسباب سياسية.
كما أن غالبية السفن والمركبات التجارية تعتمد أيضا على شرائح قادرة على استقبال إشارات الشبكات المختلفة، حسب تصريحات كلايتون سوب، نائب مدير مشروع أمن الفضاء والطيران في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أثناء حديثه مع وكالة "سي إن بي سي" (CNBC) الإخبارية الأمريكية.
أصبح التشويش على إشارات الملاحة العالمية وتحديدا شبكة "جي بي إس" أمرا شائعا في الأحداث الأخيرة، بدءا من الحرب على غزة التي بدأت في عام 2023 وحتى الحرب الجارية على إيران، سواء من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة لمنع الطرف أو الأطراف الأخرى من تحديد أهدافها بدقة.
ويؤثر هذا التشويش على كل التطبيقات والمركبات التي تستخدم أنظمة الملاحة العالمية بالنسبة لجميع المستخدمين في المنطقة وليس فقط الجهة المستهدفة من وراء التشويش، وتاليا أبرز الأسباب تشويش أو تزييف إشارات تحديد المواقع في مناطق الصراع:
1. "التزييف" (Spoofing) و"التشويش" (Jamming):
يجب أن نميز يبن فقدان الإشارة وبين "تزويرها"، فالتشويش هو إرسال ضجيج لاسلكي يمنع هاتفك من رؤية أي أقمار صناعية. وفي هذه الحالة، سيفقد هاتفك القدرة على تحديد الموقع تماماً لأن الجهاز "يُعمى" عن كل الترددات المشابهة، بما في ذلك غاليلو أو غلوناس.
أما التزييف فهو الأخطر، حيث يتم إرسال إشارة "جي بي إس" وهمية وقوية جدا تخبر جهازك بأنك في مكان آخر (مثلا، يظهر أنك في مطار بيروت وأنت في الدوحة). ولأن نظام جي بي إس هو "المرجع الأساسي" لمعظم الخوارزميات، فإن الجهاز قد يرتبك ويرفض الإشارات الصحيحة القادمة من الأنظمة الأخرى لأنه يظنها "خاطئة" مقارنة بالإشارة الوهمية القوية.
2. "الأولوية" في البرمجيات (Software Priority):
معظم تطبيقات الخرائط (مثل خرائط غوغل) وأنظمة تشغيل الهواتف مصممة برمجيا لتعطي "الوزن الأكبر" لنظام جي بي إس، فعند حدوث تلاعب في إشارات جي بي إس، تدخل برمجيات الهاتف في حالة من "عدم اليقين"، ويحاول الجهاز مطابقة البيانات، وإذا وجد تعارضا كبيرا بين جي بي إس والأنظمة الأخرى، قد يتوقف عن إعطائك موقعا دقيقا ويظهر لك دائرة زرقاء واسعة جدا أو "قفزات" غير منطقية على الخريطة.
3. البنية التحت أرضية (Augmentation Systems):
تعتمد دقة الملاحة في منطقتنا على محطات أرضية تساعد الأقمار الصناعية (تسمى أنظمة التعزيز). ومعظم هذه المحطات في الشرق الأوسط مرتبطة وموجهة للعمل مع جي يب إس بشكل أساسي، لذلك فإن تعطل جي بي إس يعني فقدان "التصحيحات" التي تجعل الموقع دقيقا لدرجة المتر الواحد.
4. التوقيت الأساس (The Master Clock):
إضافة إلى ذلك فإن الأقمار الصناعية ليست للملاحة فقط، بل هي ساعات ذرية طائرة، وأبراج الاتصالات (4جي و5جي )، وشبكات الكهرباء، والأنظمة البنكية تعتمد بشكل شبه كلي على "توقيت جي بي إس" لزامنة العمليات، فإذا تعطل هذا التوقيت قد تبدأ أبراج المحمول في المنطقة بالارتباك، مما يؤدي لضعف الإنترنت أو انقطاع المكالمات، حتى لو كان نظام الملاحة في الهاتف يعمل بأنظمة أخرى.
يعود ذلك إلى ما يمكن وصفه بالإرث التاريخي والسبق، فنظام جي بي إس الأمريكي بدأ كأول نظام متاح للاستخدام المدني العالمي في الثمانينيات والتسعينيات. وهذا السبق جعل جميع المصانع (هواتف، سيارات، طائرات، سفن) تعتمد معاييره كمعيار قياسي. وبحلول الوقت الذي اكتملت فيه الأنظمة الأخرى (مثل غاليليو الأوروبي وبيدو الصيني)، كان اسم "جي بي إس" قد حُفر في الأذهان كمرادف لعملية الملاحة نفسها.
يضاف إلى ذلك أن التحول نحو نظام بديل يعني إعادة تدريب آلاف الطيارين والمهندسين والفنيين على بروتوكولات جديدة، وبالنسبة لشركات الطيران والملاحة، فإن البقاء على "نظام هجين" (جي بي إس+ أنظمة أخرى) هو الحل الأكثر أمانا وأقل تكلفة من "التحويل الكلي" الذي قد يحمل مخاطر غير محسوبة.
كما أنه حتى لو كان "العتاد" يدعم أنظمة أخرى، فإن الخرائط والتطبيقات (مثل أوبر وويز وخرائط غوغل) والأنظمة السحابية التي تديرها شركات أمريكية كبرى، لا تزال تعتمد على "مكتبات برمجية" (SDKs) تعطي الأولوية لبيانات جي بي إس.
علاوة على ذلك فإن المطورين يفضلون النظام الأكثر استقرارا وانتشارا عالميا لضمان توافق تطبيقاتهم في كل مكان من العالم، وهنا تكون الغلبة لنظام جي بي إس الأمريكي.
ورغم ذلك فإنه في السنوات الأخيرة (خاصة 2025 و2026)، بدأت الطائرات والسفن في المنطقة تعتمد أنظمة "الملاحة بالقصور الذاتي" (Inertial Navigation) التي لا تعتمد على الأقمار الصناعية أصلا عند حدوث تشويش، كما بدأت الهواتف الحديثة تصبح أكثر ذكاء في تجاهل الإشارات المزيفة عبر مقارنتها بنظام غاليلو الأوروبي المشفر.
وفي هذا الإطار أشار تقرير لشبكة "سي إن بي سي" إلى احتمالية استخدام إيران لنظام تحديد المواقع الصينية "بيدو" في هجماتها بالمسيرات، ومع ذلك فإن المسيرات والصواريخ عادة تملك أنظمة توجيه محلية أخرى مبنية داخلها، وهو ما يساعدها على الوصول إلى أهدافها بدقة أكبر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة