لم يعد "وادي السيلكون" مجرد بقعة جغرافية في كاليفورنيا تعنى بابتكار التطبيقات البرمجية، بل تحول إلى ساحة خلفية للصراعات الجيوسياسية الكبرى، حسب ما يقول المراقبون.
وفي قلب هذا التحول، يبرز الصراع الإيراني الإسرائيلي كأخطر محرك لإعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال، حيث انتقلت بوصلة المستثمرين من "الرفاهية الرقمية" إلى "التكنولوجيا الوجودية".
لطالما اعتبرت إسرائيل "الرئة التكنولوجية" لوادي السيلكون، لكن التوترات الأخيرة مع إيران دفعت هذا الارتباط نحو مرحلة أخرى. فوفقا لبيانات "ستارت أب نيشن سنترال" (Startup Nation Central) ، وبالرغم من اشتعال الجبهات، لم يتراجع التمويل التكنولوجي في إسرائيل، بل قفز بنسبة 24% ليصل إلى 15.6 مليار دولار.
هذا التناقض الظاهري يفسره تقرير "آي في سي" (IVC) و"ليومي تيك" (LeumiTech)، الذي يشير إلى أن 70% من هذه الاستثمارات تركزت في قطاعي الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الدفاعي. فقد أدرك المستثمرون في وادي السيلكون أن "التقنية المجربة في الميدان" هي العملة الأصعب في القرن الحادي والعشرين.
وبحسب تقارير وزارة الاقتصاد الإسرائيلية، فإن قرابة 48% من الشركات الناشئة الإسرائيلية الجديدة اختارت التسجيل قانونيا في الولايات المتحدة لضمان تدفق الاستثمارات بعيدا عن تقلبات العملة المحلية والمخاطر الأمنية المباشرة، مما خلق نوعا من "التوأمة السيادية" بين تل أبيب وسان فرانسيسكو.
على الجانب الآخر، تبرز إيران كلاعب يعيد تشغيل موازين القوى عبر "الحروب غير المتماثلة"، فلم يعد تأثير طهران محصورا في التهديد العسكري التقليدي، بل امتد ليزلزل استقرار شركات التكنولوجيا الكبرى. فوفقا لتقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط (MEI)، شهد عام 2025 زيادة هائلة في النشاط السيبراني الإيراني الموجه ضد البنية التحتية والشركات التقنية الغربية.
هذا الضغط الإيراني أجبر عمالقة وادي السيلكون مثل "ميتا" و"إكس" على إعادة تخصيص ميزانيات ضخمة، حيث يشير مركز الدراسات الاستراتيجية "سي أس آي أس" (CSIS) إلى أن هذه الشركات رفعت إنفاقها على أمن المحتوى ومكافحة التضليل الرقمي بنسبة 15% لمواجهة حملات "التأثير الإدراكي" الممنهجة التي تديرها طهران.
علاوة على ذلك، أدى "سلاح المسيرات" الإيراني إلى تحفيز استثمارات ضخمة في الداخل الأمريكي، حيث سارعت صناديق مثل "أندريسن هورويتز" (Andreessen Horowitz) لتمويل شركات "الدرونات المضادة" لتعويض الفجوة التي كشفتها النزاعات الإقليمية.
هذا الضغط دفع المستثمرين لفرض ما يسمى بـ "خصم جيوسياسي" على تقييمات الشركات التي تعتمد بشكل كلي على المواهب في مناطق النزاع، مما أدى إلى موجة نزوح صامتة لبعض مراكز الأبحاث نحو مناطق أكثر استقرارا مثل لشبونة أو بنغالور، لضمان استمرارية العمل إذا انفجرت مواجهة شاملة.
وبذلك، يمكن القول إن التوتر الإيراني الإسرائيلي قد أنهى براءة وادي السيلكون، فقد أصبح العالم يعيش اليوم في عصر "التكنولوجيا السيادية"، حيث تشير تقارير "بيتش بوك" (PitchBook) إلى أن قطاع تكنولوجيا الدفاع نما بنسبة 40% كأسرع القطاعات جذبا لرؤوس الأموال، وأصبح نجاح الشركة الناشئة لا يقاس فقط بجودة برمجياتها، بل بمدى صمود سلاسل توريدها وقدرتها على التنقل بين محاور القوة العالمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة