تشهد شركة آبل في الوقت الراهن تحديا استراتيجيا غير مسبوق، يتجاوز حدود المنافسة على مبيعات الأجهزة ليصل إلى جوهر وجودها كقوة تقنية مبتكرة، وفقا لتقرير نشرته شبكة "سي إن إن" الإخبارية.
تتبلور هذه الأزمة في ظاهرة "نزيف العقول"، حيث يغادر كبار مهندسي الذكاء الاصطناعي ومطوري المساعد الذكي "سيري" (Siri) مناصبهم المرموقة للالتحاق بصفوف المنافسين المباشرين مثل "غوغل" و"ميتا"، وهذا التحول لا يمثل مجرد خسارة لكوادر بشرية، بل يعكس تصدعا في الرؤية المستقبلية لاستقلالية الشركة التقنية، وفقا لتقارير صحفية وتقنية.
وتعد السرية المطلقة وقيود الخصوصية الصارمة من الركائز الأساسية التي بنيت عليها ثقافة آبل المؤسسية، إلا أن هذه الركائز تحولت مؤخرا إلى عوائق كبرى أمام طموح المهندسين، بحسب الخبراء.
أحدث قرار آبل بالاعتماد على نماذج لغوية خارجية، وعلى رأسها دمج "شات جي بي تي" (ChatGPT) في أنظمتها، موجة من الإحباط داخل فرق التطوير الداخلية، حيث يرى تقرير لوكالة بلومبيرغ أن المبدعين داخل آبل يرون أن لجوء الشركة لشركات خارجية هو تهميش لجهودهم التي استمرت سنوات لتطوير ذكاء اصطناعي سيادي خاص بالشركة.
هذا الأمر أدى إلى شعور الكفاءات بأن دورهم تراجع من "مبتكرين للتقنية" إلى "منسقين" لأدوات طورتها شركات أخرى، مما دفعهم للبحث عن بيئات عمل تضع ابتكاراتهم في المقدمة، وفقا للقرير ذاته.
تمثل شركات مثل "غوغل" و"ميتا" وجهات جاذبة للكفاءات الهاربة من آبل، حيث توفر هذه الشركات بيئة عمل تعتمد بشكل أكبر على الأبحاث المنشورة والمساهمات المفتوحة، وهو ما يفتقده المهندس في آبل، بحسب تقرير موقع "ذا إنفورميشن" (The Information)، وانتقال هذه الخبرات إلى المنافسين يعني تزويدهم بـ "أسرار المهنة" ونقاط الضعف في أنظمة آبل، مما يعزز من فجوة التفوق التقني لصالح المنافسين.
لكن الخطر الأكبر الذي يواجه آبل في هذا الأمر ليس مجرد خروج الموظفين، بل هو التهديد الذي يمس "استقلاليتها التقنية"، وفقا للموقع ذاته. فمع استمرار نزيف العقول، قد تجد آبل نفسها مضطرة للاعتماد الدائم على تقنيات الذكاء الاصطناعي من أطراف ثالثة، مما يفقدها السيطرة الكاملة على تجربة المستخدم التي طالما افتخرت بها.
كما أن تحول آبل من شركة تقود الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي إلى شركة تتبع النماذج الجاهزة يضع علامة استفهام كبرى حول قدرتها على المنافسة في العقد القادم.
ويرى المراقبون إن "نزيف العقول" في آبل هو جرس إنذار يستوجب إعادة النظر في التوازن بين حماية الخصوصية ومنح المبدعين الحرية الكافية للابتكار.
فإذا لم تنجح الشركة في استعادة ثقة مهندسيها وإشعارهم بأنهم يقودون الثورة التقنية القادمة من الداخل، فإن قلعة "كوبرتينو" قد تواجه شتاء تقنيا طويلا، تفقد فيه ريادتها لصالح أولئك الذين عرفوا كيف يحتضنون العقول الكبيرة ويمنحونها المساحة للتحليق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة