في أروقة قمة الويب 2026 بالدوحة، لم يعد الحديث عن جودة الصورة أو سرعة البث هو الشاغل الأكبر لمصنعي المحتوى الرياضي، بل انتقل التركيز نحو مفهوم جديد كليا وهو "المشاهدة الانغماسية".
ومع إعلان شبكات إعلامية عملاقة مثل مجموعة "بي إن" (beIN) عن الدمج الكامل للذكاء الاصطناعي في عمليات البث الحية، أدرك العالم أننا بصدد وداع حقبة "المشاهد السلبي" واستقبال عصر "المشاهد المخرج".
فلطالما كان مخرج المباراة هو المتحكم الوحيد فيما نراه عبر الشاشة، يختار لنا الزوايا التي يراها مناسبة. لكن اليوم، وبفضل خوارزميات الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات الفورية، أعلنت الشبكات عن تقنية تتيح للمشترك التحكم الكامل في تعدد الزوايا.
فلم يعد الأمر يقتصر على اختيار كاميرا واحدة، بل يمكن للمشاهد بلمسة واحدة تتبع لاعب محدد طوال التسعين دقيقة، أو التحول إلى "الكاميرا الطائرة" (Drone Cam) التي تحاكي ألعاب الفيديو، مما يمنح المشجع رؤية تكتيكية لم تكن متاحة إلا للمحللين المحترفين.
لم يتوقف التحول عند الصورة، بل شمل الصوت أيضا، فقد استعرضت الشركات تقنيات "توليف الصوت" التي تتيح للمشاهد اختيار نبرة التعليق التي يفضلها، وبواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح بإمكان الشبكات تقديم تعليق رياضي بـ50 لغة مختلفة في آن واحد، مع الحفاظ على الانفعالات البشرية والحماس، مما يسمح للمشجعين في مختلف قارات العالم بمتابعة البطولات الكبرى بلغتهم الأم وكأن المعلق يجلس بجانبهم.
إضافة لذلك، فإن أحد المحاور التي نوقشت في القمة هي "المشاهدة الاجتماعية". فالذكاء الاصطناعي مكن الشبكات من إنشاء غرف افتراضية (Virtual Lounges) تجمع الأصدقاء من دول مختلفة في مساحة رقمية واحدة لمشاهدة المباراة سويا. تظهر صورهم الرمزية (Avatars) وهي تتفاعل وتتحدث، مما يعيد خلق أجواء المقهى أو الملعب ولكن في فضاء افتراضي يتجاوز الحدود الجغرافية.
هذا التحول الإعلامي ليس تقنيا فحسب، بل هو منجم ذهب اقتصادي، فالإعلانات في الملاعب لن تكون ثابتة بعد الآن، فبفضل الذكاء الاصطناعي، سيظهر إعلان لسيارة لمشاهد في قطر، بينما يرى مشاهد في لندن إعلانا لشركة تأمين على نفس اللوحة الإعلانية في ذات اللحظة. هذا التخصيص يرفع من قيمة الحقوق الإعلانية للشبكات الرياضية ويجعل الإعلانات أقل إزعاجا وأكثر ملاءمة للمشاهد.
وبذلك فإن التحول الذي أعلنت عنه الشركات التقنية المشاركة في قمة الويب 2026 يمثل ثورة في فلسفة الإعلام الرياضي.وأصبح العالم اليوم أمام تكنولوجيا تجعل من المباراة تجربة شخصية فريدة، حيث يصبح المشجع هو البطل والمحلل والمخرج.
ومع استمرار قطر في قيادة هذا التوجه عبر استثماراتها الرقمية، يبدو أن شكل الرياضة التي نعرفها سيتغير إلى الأبد، لتصبح الشاشة مجرد نافذة إلى عالم افتراضي لا حدود له من الإثارة والمعلومات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة