في مطلع هذا العام، استيقظ العالم التقني على واقع جديد، لم تعد بطاقات الشاشة (Graphic Cards)، مجرد قطع من العتاد الصلب (Hardware) يحلم بها هواة الألعاب أو المصممون، بل تحولت إلى "عملة نادرة" يتصارع عليها أباطرة التكنولوجيا.
هذه الأزمة، التي باتت تعرف اصطلاحا بـ"راماغيدون"، ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى في سوق السيليكون، حيث أصبحت الذاكرة العشوائية "دي آر إيه إم" (DRAM) وذاكرة الفيديو "في آر إيه إم" (VRAM) هي المحرك الأول للاقتصاد التقني العالمي.
ولفهم أبعاد "راماغيدون"، يجب أن ننظر إلى ما يحدث خلف أبواب مراكز البيانات العملاقة، فمع الانفجار الهائل في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تجاوزت حدود "الدردشة" إلى محاكاة العوالم الكاملة، أصبح الطلب على الذاكرة يفوق الخيال.
والشركات الكبرى مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"مايكروسوفت" (Microsoft) و"ميتا" (Meta) لم تعد تكتفي بشراء آلاف المعالجات، بل أصبحت تشتري "سعة النطاق الترددي" للذاكرة.
هذه الشركات استحوذت استباقيا على كامل إنتاج المصانع الكبرى مثل "سامسونغ" (Samsung) و"إس كيه هاينكس" (SK Hynix) من ذواكر "إتش بي إم 4″ (HBM4) و"جي دي دي آر 7" (GDDR7).
وقد أدى هذا السحب الهائل من المخزون العالمي إلى جفاف المنابع التي تغذي سوق المستهلكين الأفراد، مما جعل الشركات المصنعة لبطاقات الشاشة الموجهة للأفراد تجد نفسها في مأزق، إما شراء الذاكرة بأسعار خيالية أو التوقف عن الإنتاج.
تاريخيا، كان المعالج الرسومي (الرقاقة المركزية) هو المكون الأغلى في البطاقة، لكن هذا العام، قلبت أزمة "راماغيدون" الطاولة، فقد أصبحت ذاكرة الفيديو "في آر إيه إم" (VRAM) تمثل أكثر من 60% من تكلفة تصنيع البطاقة.
والبطاقات الحديثة التي تتطلب سعات تبدأ من 16 غيغابايت لتشغيل ألعاب بدقة 8K أو معالجة الفيديوهات المعقدة، أصبحت تكلفتها التصنيعية تتجاوز أسعار بيعها المقترحة سابقا. ونتيجة لذلك، قفزت أسعار بطاقات الفئة المتوسطة إلى مستويات كانت مخصصة للفئات العليا، بينما أصبحت الفئات العليا مثل "آر تي إكس 5090" (RTX 5090) وما يعادلها بمثابة استثمار مالي لا يقدر عليه إلا المحترفون أو الشركات الصغيرة.
لا تتوقف أزمة "راماغيدون" عند حدود "الترفيه الرقمي"، بل تمتد آثارها لتشمل:
المفارقة الساخرة في هذه الأزمة هي أن الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه اللاعبون لتحسين جودة الصورة عبر تقنيات مثل "دي إل إس إس" (DLSS) هو نفسه السبب في حرمانهم من امتلاك البطاقات. فأصبحنا نجد أن الأولوية في خطوط الإنتاج تذهب للبطاقات المخصصة للأعمال (Workstations) وخوادم الذكاء الاصطناعي لأنها تباع بعشرة أضعاف سعر بطاقة الألعاب، مما يجعل شركات تصنيع العتاد تميل طبيعيا نحو الربح الأكبر.
لا يمكن فصل أزمة "راماغيدون" عن التوترات السياسية العالمية، فمع تمركز إنتاج الذواكر المتقدمة في يد شركتين أو ثلاث حول العالم، تحولت الذاكرة إلى أداة للضغط السياسي.
وقد تسببت قيود التصدير والمنافسة الشرسة بين الأقطاب الاقتصادية في زيادة تعقيد سلاسل التوريد، فالمصانع الجديدة التي تم التبشير بها في عام 2023 لا تزال في مراحل التشغيل التجريبي، ولم تصل بعد إلى القدرة التي تمكنها من إحداث توازن في السوق.
هذا النقص دفع بعض الدول إلى اعتبار "مخزونات الذاكرة" موارد استراتيجية، مما أدى إلى ظهور سوق سوداء عالمية للرقائق، حيث يتم تهريب شرائح الذاكرة وإعادة بيعها للمصنعين الصغار بأسعار تضاعف قيمتها الأصلية عدة مرات، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستهلك النهائي.
يرى المحللون أن الخروج من "راماغيدون" يتطلب حلين لا ثالث لهما:
تعتبر أزمة "راماغيدون" جرس إنذار يذكرنا بأن الموارد التقنية ليست لا نهائية. حيث لم يعد السؤال "ما هي قوة بطاقة الشاشة التي سأشتريها؟"، بل أصبح "هل سأجد بطاقة شاشة لأشتريها أصلا؟".
ويرى المحللون أننا نعيش الآن في عصر التقشف الرقمي، حيث أصبحت "الذاكرة" هي العملة الصعبة التي تحرك العالم، وبينما تزداد العقول الاصطناعية ذكاء، تزداد جيوب المستخدمين العاديين فراغا. فإذا كنت تملك بطاقة شاشة تعمل بكفاءة حاليا، فحافظ عليها كأنها كنز، ففي ظل "راماغيدون"، قد يكون بديلك القادم هو مجرد "سراب" في قوائم الانتظار الطويلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة