في العقد الماضي، كان الخوف من التجسس مرتبطا بكاميرات المراقبة في الشوارع أو ببرامج خبيثة تخترق أجهزة الحاسوب، أما اليوم، ومع هيمنة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة اللغوية الكبيرة، انتقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدا، وهو هل الأجهزة التي نستخدمها لتسهيل حياتنا هي في الواقع أدوات تنصت وتحليل لبياناتنا الشخصية على مدار الساعة؟
تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بناء على مبدأ بسيط تقنيا ولكنه مخيف إجرائيا، "البيانات هي الوقود"، ولكي يصبح الذكاء الاصطناعي ذكيا، فإنه يحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات لتدريب نماذجه، وهذه المعلومات تشمل سجلات البحث، والمواقع الجغرافية، والرسائل النصية، وحتى النبرات الصوتية.
السؤال هنا ليس "هل يجمع الذكاء الاصطناعي بياناتنا؟" (لأن الإجابة هي نعم)، بل "هل يتجسس علينا لأغراض غير معلنة؟". فالتجسس بمعناه التقليدي يعني المراقبة السرية دون إذن، بينما تدعي شركات التقنية أننا نمنحها "الإذن" عبر الموافقة على شروط الاستخدام الطويلة التي نادرا ما يقرأها أحد.
تدافع شركات التكنولوجيا الكبرى عن نفسها بالقول إن البيانات تعالج بشكل مجهول ولا يتم ربطها بهوية الشخص الحقيقية، كما تؤكد أن معالجة البيانات تتم محليا على الأجهزة في النماذج الحديثة لتقليل الحاجة لنقل البيانات إلى السحاب.
ومع ذلك، أثبتت حوادث تسريب البيانات المتكررة أن هذه الضمانات ليست محصنة، ففي عامي 2024 و2025، واجهت عدة شركات دعاوى قضائية بسبب استخدام بيانات المستخدمين لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي دون تعويض أو إذن صريح وواضح.
يعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) الخطوة الأكثر صرامة عالميا حتى الآن، حيث يصنف القانون أنظمة الذكاء الاصطناعي حسب درجة خطورتها، ويحظر تماما أنظمة "التنقيط الاجتماعي" (Social Scoring) والمراقبة البيومترية في الأماكن العامة إلا في حالات محدودة جدا.
لكن في مناطق أخرى من العالم، لا تزال التشريعات متأخرة عن وتيرة الابتكار التقني، مما يترك فجوات قانونية تسمح للشركات بجمع البيانات واستغلالها تحت مسميات "تحسين تجربة المستخدم".
الخصوصية المطلقة اليوم قد تكون مستحيلة، ولكن يمكن تقليل "البصمة الرقمية" عبر الخطوات التالية:
وبناء على ما سبق، فالذكاء الاصطناعي ليس شريرا بطبعه، ولكنه أداة قوية جدا تفتقر إلى الأخلاق الذاتية، كما إن القول بأن الذكاء الاصطناعي "يتجسس" علينا قد يكون تبسيطا لعملية أعقد وهي "الاستغلال المنهجي للبيانات".
ونحن اليوم نعيش في عصر يفرض علينا المقايضة بين الرفاهية والخصوصية، والحماية الحقيقية تبدأ من الوعي بأن كل حرف تكتبه أو أمر صوتي تنطقه هو "قطعة بيانات" تباع وتشترى في سوق المستقبل.
ولذلك يتطلب الأمر عقدا اجتماعيا جديدا بين الإنسان والآلة، تضمن فيه القوانين أن يظل الذكاء الاصطناعي خادما للبشرية، لا رقيبا عليها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة