آخر الأخبار

هل يتجسس الذكاء الاصطناعي علينا؟

شارك

في العقد الماضي، كان الخوف من التجسس مرتبطا بكاميرات المراقبة في الشوارع أو ببرامج خبيثة تخترق أجهزة الحاسوب، أما اليوم، ومع هيمنة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة اللغوية الكبيرة، انتقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدا، وهو هل الأجهزة التي نستخدمها لتسهيل حياتنا هي في الواقع أدوات تنصت وتحليل لبياناتنا الشخصية على مدار الساعة؟

الابتكار مقابل الخصوصية.. أين يكمن الخطر؟

تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بناء على مبدأ بسيط تقنيا ولكنه مخيف إجرائيا، "البيانات هي الوقود"، ولكي يصبح الذكاء الاصطناعي ذكيا، فإنه يحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات لتدريب نماذجه، وهذه المعلومات تشمل سجلات البحث، والمواقع الجغرافية، والرسائل النصية، وحتى النبرات الصوتية.

السؤال هنا ليس "هل يجمع الذكاء الاصطناعي بياناتنا؟" (لأن الإجابة هي نعم)، بل "هل يتجسس علينا لأغراض غير معلنة؟". فالتجسس بمعناه التقليدي يعني المراقبة السرية دون إذن، بينما تدعي شركات التقنية أننا نمنحها "الإذن" عبر الموافقة على شروط الاستخدام الطويلة التي نادرا ما يقرأها أحد.

مصدر الصورة المراقبة الحديثة تتجاوز تسجيل الأصوات إلى تحليل الأنماط السلوكية والتنبؤ بقراراتنا الشخصية بدقة مذهلة (غيتي إيميجز)

محاور القلق الرقمي


* المساعدات الصوتية والتنصت الكامن
أجهزة مثل "أليكسا" (Alexa) من أمازون (Amazon)، و"سيري" (Siri) من آبل (Apple)، ومساعد غوغل (Google Assistant)، تعتمد على تقنية تسمى "الاستماع السلبي"، أي أن الجهاز ينتظر كلمة التنبيه (Wake Word)، مما يعني أن الميكروفون في حالة عمل دائمة. وتشير تقارير تقنية إلى أن هذه الأجهزة قد تسجل أجزاء من المحادثات "عن طريق الخطأ" وترسلها إلى الخوادم السحابية لتحليلها وتحسين جودة الخدمة، وهو ما يعتبره المدافعون عن الخصوصية تجسسا مقَنَّعا.


* التتبع السلوكي والتحليل التنبؤي
الخطر الأكبر لا يكمن في سماع صوتك فحسب، بل في قدرة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بسلوكك، فمن خلال تتبع تحركاتك عبر نظام تحديد المواقع (GPS) ومشترياتك، يمكن للخوارزميات معرفة أن المرأة حامل، أو أن المستخدم يخطط لتغيير وظيفته، أو حتى حالته الصحية قبل أن يدرك ذلك أنت شخصيا، وهذا "الاستنتاج المعلوماتي" هو شكل متطور من المراقبة التي تخترق أعمق أسرار الفرد.


* الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل
مع انتشار أدوات مثل "مايكروسوفت كوبايلوت" (Microsoft Copilot) و"جيمناي" (Gemini) في بيئات العمل، بدأت الشركات في استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة إنتاجية الموظفين، فيمكن لهذه الأنظمة تحليل سرعة الكتابة ونبرة الرسائل الإلكترونية ومدى التفاعل في الاجتماعات الافتراضية، مما يخلق بيئة "بانوبتيكون" رقمية (المراقبة الشاملة) حيث يشعر الموظف أنه تحت المجهر طوال 8 ساعات. مصدر الصورة نماذج الذكاء الاصطناعي تخلق بيئة مراقبة شاملة حيث يشعر الموظف أنه تحت المجهر طوال 8 ساعات (غيتي)

موقف الشركات العملاقة

تدافع شركات التكنولوجيا الكبرى عن نفسها بالقول إن البيانات تعالج بشكل مجهول ولا يتم ربطها بهوية الشخص الحقيقية، كما تؤكد أن معالجة البيانات تتم محليا على الأجهزة في النماذج الحديثة لتقليل الحاجة لنقل البيانات إلى السحاب.

إعلان

ومع ذلك، أثبتت حوادث تسريب البيانات المتكررة أن هذه الضمانات ليست محصنة، ففي عامي 2024 و2025، واجهت عدة شركات دعاوى قضائية بسبب استخدام بيانات المستخدمين لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي دون تعويض أو إذن صريح وواضح.

التشريعات الدولية: هل يكفي "قانون الذكاء الاصطناعي"؟

يعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) الخطوة الأكثر صرامة عالميا حتى الآن، حيث يصنف القانون أنظمة الذكاء الاصطناعي حسب درجة خطورتها، ويحظر تماما أنظمة "التنقيط الاجتماعي" (Social Scoring) والمراقبة البيومترية في الأماكن العامة إلا في حالات محدودة جدا.

لكن في مناطق أخرى من العالم، لا تزال التشريعات متأخرة عن وتيرة الابتكار التقني، مما يترك فجوات قانونية تسمح للشركات بجمع البيانات واستغلالها تحت مسميات "تحسين تجربة المستخدم".

مصدر الصورة قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يفرض قيودا صارمة للحد من المراقبة البيومترية وحماية حقوق الأفراد الرقمية (شترستوك)

كيف تحمي نفسك في عصر المراقبة الذكية؟

الخصوصية المطلقة اليوم قد تكون مستحيلة، ولكن يمكن تقليل "البصمة الرقمية" عبر الخطوات التالية:


* مراجعة الأذونات: تحقق من التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الميكروفون والكاميرا والموقع دون حاجة فعلية.
* استخدام وضع التخفي: التقليل من سجلات البحث التي تغذي خوارزميات الاستهداف.
* تشفير المحادثات: الاعتماد على تطبيقات توفر تشفيرا من طرف إلى طرف (End-to-End Encryption).
* الوعي الرقمي: تذكر أن أي خدمة "مجانية" هي في الحقيقة خدمة ثمنها هو "بياناتك".

وبناء على ما سبق، فالذكاء الاصطناعي ليس شريرا بطبعه، ولكنه أداة قوية جدا تفتقر إلى الأخلاق الذاتية، كما إن القول بأن الذكاء الاصطناعي "يتجسس" علينا قد يكون تبسيطا لعملية أعقد وهي "الاستغلال المنهجي للبيانات".

ونحن اليوم نعيش في عصر يفرض علينا المقايضة بين الرفاهية والخصوصية، والحماية الحقيقية تبدأ من الوعي بأن كل حرف تكتبه أو أمر صوتي تنطقه هو "قطعة بيانات" تباع وتشترى في سوق المستقبل.

ولذلك يتطلب الأمر عقدا اجتماعيا جديدا بين الإنسان والآلة، تضمن فيه القوانين أن يظل الذكاء الاصطناعي خادما للبشرية، لا رقيبا عليها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار