لو سألت أحد مشجعي مانشستر سيتي خارج ملعب الاتحاد عن روي بينتو، فقد لا يعرف الاسم، وربما يظن للوهلة الأولى أنه لاعب ارتدى قميص الفريق يوما ما.
لكن الرجل الذي لم يركل الكرة داخل الملعب كان قادرا، من وراء شاشة حاسوبه، على إحداث ضجة وصلت تداعياتها إلى قلب كرة القدم الأوروبية.
بينتو، البالغ من العمر 37 عاما، هو القرصان الإلكتروني البرتغالي الذي أسس موقع "Football Leaks"، ونشر من خلاله كمّا هائلا من الوثائق السرية المتعلقة بعالم كرة القدم، بينها رسائل بريد إلكتروني داخلية لمانشستر سيتي تتعلق بصفقات الرعاية والمدفوعات.
وبحسب تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أسهمت تلك التسريبات في كشف جوانب خفية من إدارة الأندية الكبرى، وأصبحت وثائقها جزءا من القضايا والجدل الذي أحاط بمانشستر سيتي وقواعد اللعب المالي في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وهو ما قاد لاحقا إلى إدانة مانشستر سيتي في 114 تهمة من أصل 115 تهمة تتعلق بانتهاك اللوائح المالية للدوري الإنجليزي الممتاز (بريميرليغ).
وشملت الاتهامات تجاوزات مالية وقعت بين عامي 2009 و2018، تضمنت التقصير في تقديم معلومات مالية دقيقة، وعدم الإفصاح عن التفاصيل الكاملة لمدفوعات اللاعبين والمدربين، وانتهاك قواعد اللعب المالي النظيف الخاصة بالاتحاد الأوروبي (اليويفا) وقواعد الربحية والاستدامة للبريميرليغ.
تباينت النظرة إلى روي بينتو بين من يراه قرصانا إلكترونيا ارتكب جرائم للوصول إلى معلومات خاصة، ومن يعتبره مُبلّغا عن مخالفات كشف جوانب خفية من كرة القدم الأوروبية.
وفي تحقيقها، تتبعت هيئة الإذاعة البريطانية مسيرته، والتقت أحد مدرسيه السابقين وصحفيين تعاملوا مع تسريباته، إلى جانب سياسية برتغالية ومستشار مالي سابق في مانشستر سيتي، كما حضرت إحدى جلسات محاكمته في لشبونة.
ونشأ بينتو في فيلا نوفا دي غايا قرب بورتو، في أسرة متواضعة؛ إذ عمل والده في مصنع للأحذية ثم في تجارة التحف، أما والدته فقد توفيت وهو في الحادية عشرة من عمره.
ووصفه مدرس الجغرافيا السابق ماريو فالكاو بأنه تلميذ عادي وهادئ نسبيا، لكنه كان متميزا في استخدام الحاسوب، ولم يتوقع أن يصبح لاحقا مؤسس "Football Leaks".
وقال فالكاو لـ"بي بي سي" إنهم فوجئوا عندما كُشفت هوية بينتو عام 2019، مشيرا إلى أن مهاراته في الحاسوب وتشجيعه لبورتو ربما أسهما في مساره، إلى جانب شعوره بأنه يسعى إلى "تحقيق العدالة".
أسس روي بينتو موقع "Football Leaks" عام 2015، مستخدما في البداية اسما مستعارا هو "جون opts"، بهدف كشف ما وصفه بـ"الجانب الخفي من كرة القدم".
وكان الصحفي البرتغالي أنطونيو فاريلا أول من تواصل معه، بعدما تلقى رسالة من الموقع في سبتمبر/أيلول 2015، اكتشف من خلالها كمّا هائلا من الوثائق والمعلومات غير المتاحة للعامة.
وشملت التسريبات أندية ولاعبين ووكلاء في أنحاء أوروبا، بينهم كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي ونيمار، ثم تعاون بينتو لاحقا مع صحفيين من مجلة "دير شبيغل" الألمانية.
وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية، سلّم بينتو المجلة ومؤسسات إعلامية أخرى أكثر من 3 تيرابايتات من البيانات، تضمنت رسائل إلكترونية ووثائق مالية ومراسلات داخلية، خضعت لفحص صحفي استقصائي واسع لكشف ما يجري خلف كواليس كرة القدم.
في البرتغال، لا تحظى شخصية بينتو بالإجماع، فالسياسية والدبلوماسية السابقة آنا غوميز، التي التقت بينتو أثناء احتجازه وأدلت بشهادتها لصالحه، تعتبره مُبلّغا عن مخالفات يستحق الحماية، وترى أن المعلومات التي كشفها كان لها أثر مهم في التحقيقات المتعلقة بالفساد والجرائم المالية في كرة القدم.
وقالت غوميز لـ"بي بي سي" إنه ينبغي أن يكون حليفا للسلطات القضائية بدلا من أن يكون موضع ملاحقة.
في المقابل، يرى الصحفي المتقاعد جوزيه كارلوس فريتاس أن النظرة الغالبة في البرتغال مختلفة، إذ يعتبره كثيرون لصّا، بينما ينظر إليه آخرون باعتباره شخصية شبيهة بـ"روبن هود" بعدما كشف جوانب خفية من أعمال الأندية.
أما فاريلا، الذي كان من أوائل الصحفيين الذين تعاملوا مع تسريباته، فيقول إنه لا يزال يضع بينتو في منطقة وسطى بين مُبلّغ عن مخالفات وقرصان إلكتروني ارتكب جرائم للحصول على المعلومات.
منذ اعتقاله في المجر عام 2019 وتسليمه إلى البرتغال، مر روي بينتو بالحبس الانفرادي والإقامة الجبرية ثم حماية الشهود، وواجه عدة قضايا قضائية.
وحُكم عليه في البرتغال عام 2023 بالسجن 4 سنوات مع وقف التنفيذ، بعد إدانته بمحاولة الابتزاز والوصول غير القانوني إلى البيانات وانتهاك المراسلات، كما صدر عليه في فرنسا حكم بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ في قضية منفصلة.
وبدأت أحدث محاكماته في لشبونة في يناير/كانون الثاني 2025، حيث حضر إحدى الجلسات برفقة أفراد من برنامج حماية الشهود وتحت إجراءات أمنية مشددة.
وخلال المحاكمة، وصف محامي بنفيكا روي باتريشيو بينتو بأنه "لص"، معتبرا أن طريقة حصوله على المعلومات غير قانونية، بينما أقر محاميه فرانسيسكو تيشيرا دا موتا بأنه "ليس بطلا ولا قديسا"، لكنه قال إن ما كشفه حقق فوائد للمجتمع.
بعد نحو عقد من إطلاق موقع "Football Leaks"، لا تزال تسريبات البرتغالي روي بينتو تلقي بظلالها على كرة القدم الأوروبية، خصوصا قضية مانشستر سيتي أمام رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز.
وبحسب تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية، يتابع بينتو القضية من خلال برنامج حماية الشهود منذ توجيه الاتهامات إلى النادي عام 2023، في وقت يرى محاميه أن نتائجها قد تؤكد أن المعلومات التي كشفها كان لها أثر فعلي.
في المقابل، قال ستيفان بورسُن، المستشار المالي السابق لمانشستر سيتي، إن ما فعله بينتو كان جريمة، وإن أهمية المعلومات المسربة لا تلغي الطريقة غير القانونية التي حصل عليها بها.
وهكذا، وبعد سنوات من التسريبات والتحقيقات والمحاكمات، لا تزال شخصية روي بينتو عالقة بين صورتين متناقضتين، قرصان إلكتروني ارتكب جرائم للوصول إلى معلومات سرية، ومُبلّغ عن مخالفات يقول مؤيدوه إنه كشف جانبا خفيا من عالم كرة القدم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة