آخر الأخبار

من رسائل الثورة إلى مطاردة ذهب أمريكا.. "بن قلة" عدّاء جزائري يتحدى الزمن في الـ93

شارك

في حصة تدريبية رصدت فيها "الجزيرة نت" جاهزيته البدنية وتفانيه الاستثنائي على أرضية المضمار، لا يبدو الشيخ عبد القادر بن قلة مجرد رياضي يقطع المسافات، بل يبدو كمن يطارد الزمن نفسه، بياض شعره وتقاطيع وجهه البارزة لا تعكس وطأة تسعة عقود من العمر بقدر ما تروي سيرة إرادة صلبة؛ يقف صاحبها اليوم، وهو في الثالثة والتسعين من عمره، يمارس تدريباته بانتظام وركض متناسق، مستعدا لخوض منافسات عالمية جديدة بقميص الجزائر.

مصدر الصورة مشاهد لتدريبات العداء عبد القادر بن قلة (الجزيرة)

بدأت قصة "العم عبد القادر" مع الركض مبكراً في حي "بلوزداد" العتيق بالعاصمة الجزائرية حيث ولد في عام 1934. لم تكن الرياضة بالنسبة له في بداياتها مجرد هواية، بل ضرورة فرضتها ظروف النضال والتضاريس المعقدة لأعالي العاصمة، لا سيما منطقة "القبة " المرتفعة والمطلة على المدينة.

"لستَ في المسجد هنا لتدخل حافيا!"

في مرحلة الطفولة، تحول الركض لدى بن قلة إلى مهمة نضالية مبكرة في صفوف الثورة الجزائرية؛ إذ كان يُكلف وهو في السابعة من عمره بنقل الطرود والرسائل السرية راكضا بين الشوارع الملتوية والمرتفعات الشاهقة الممتدة من أعالي القبة إلى "رويسو" وبقية أحياء العاصمة، متغبرا بتراب الطرقات ومتحديا صعوبة التضاريس الجبلية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بعد انتظار 10 سنوات.. فيوري وجوشوا في نزال تاريخي
* list 2 of 2 من لاس فيغاس إلى القمة.. أفضل 10 مدن رياضية في العالم end of list

تلك البدايات العفوية والمحفوفة بالمخاطر شكلت لياقته الأولى، لكنها تصادمت مع قسوة النظام الاستعماري؛ إذ يسترجع ذكرياته مع المدرس الفرنسي في المدرسة الابتدائية حين طرده لمنعه من دخول الصف حافي القدمين بعد رحلات الركض الشاقة، قائلا له بتهكم استعلائي: "لستَ في المسجد هنا لتدخل حافيا!"، دون أن يعلم ذلك المعلم أن تلك القدمين الحافيتين كانتا تحملان رسائل الثورة وتصنعان بطلا مستقبليا.

مصدر الصورة عبد القادر بن قلة بالقميص رقم 6 خلال مشاركته في إحدى الماراثونات (الجزيرة)

تحدي الحلاق الفرنسي ورفض جنسية بلاده

تعددت المحطات في حياة بن قلة؛ فقد عمل حلاقا في حي "روسية" بالعاصمة خلال فترة الاستعمار الفرنسي. وفي عام 1959، قرر خوض مسابقة بطولة الجزائر للحلاقة، محاطا بعشرات الحلاقين الفرنسيين بصفته المتسابق العربي الوحيد.

إعلان

ورغم الإشراف المباشر والتدريب المكثف الذي أعدته له مدربته المؤهلة، حُرِم من المركز الأول لغايات عنصرية. وعن تلك اللحظة الفارقة، يقول بن قلة بمرارة حية: "في مسابقة أفضل حلاق، في الوضع الطبيعي أنا من فاز بالمسابقة، لكنهم لا يمنحونها لعربي.. لا يمكنهم أبدا منح المركز الأول لعربي. ذلك الفرنسي الذي كان يهينني قلت له: سأهزمك.. الآن سأهزمك هنا. ولقد هزمته وتفوقت عليه، لكنهم لم يعطوني الجائزة، بل أعطوها له".

مصدر الصورة عبد القادر بن قلة عمل حلاقا في حي "روسية " بالعاصمة خلال فترة الاستعمار الفرنسي (الجزيرة)

لم تزد تلك الحادثة بن قلة إلا عزيمة وتحديا وتكررت الممارسات ذاتها في مسابقات لاحقة وصولاً إلى مشاركته في فرنسا عام 1966، حيث رُفض تتويجه بالمركز الأول وأُعطي للمتسابق الياباني.

وعندما سُئل عن سبب عدم قبوله العرض المقدم له للحصول على الجنسية الفرنسية لتسهيل مسيرته وتتويجه، جاء رده قاطعا يحمل كبرياء مناضل: "أفضل أن أكون كنّاسا في الجزائر خير من أن أكون أستاذا عندكم هنا".

وفي جانب عصامي آخر، يتذكر بن قلة كيف كافح ليتعلم الكتابة باللغة الفرنسية: "في الماضي كنت حلاقا، اسمي بالفرنسية لا أعرف كيف أكتبه لأنني لم أدرس، ثم أخذت على نفسي عهدا وصرت أكتب بمفردي، والحمد لله كافحت وتعبت حتى كبرت واستقلت البلاد".

خشبة المسرح والأضواء: "لا أهاب الكاميرا"

إلى جانب الحلاقة والنضال، امتدت مسيرة بن قلة إلى عالم التمثيل المسرحي والسينمائي؛ حيث شارك في أعمال سينمائية ومسرحية بارزة، من بينها فيلم "مفتاح اللغز " الذي أدى فيه دور المفتش وحصد الميدالية الذهبية في مهرجان قرطاج بتونس ومهرجان لايبزيغ بألمانيا، فضلا عن مشاركته في عمل "La Cagoule" ووقوفه أمام عمالقة المسرح والسينما الجزائرية مثل "رويشد " و "كلثوم " في فيلم "Rien ne va plus".

وعن أثر هذه التجربة الفنية على حضوره الرياضي أمام الإعلام، يقول ضاحكا: "هذا التاريخ الفني والوقوف أمام الجمهور هو ما يفسر عدم خوفي أو هيبتي من الكاميرات وعدسات الصحافة في المضمار، باستثناء لحظات عابرة فقط".

مصدر الصورة صورة قديمة لعبد القادر بن قلة خلال إحدى المناسبات (الجزيرة)

قفزة احترافية في سن الـ91.. وشهادة المدرب

ظلت ممارسة بن قلة للرياضة محصورة في المشاركة العفوية في سباقات الماراثون الشارعية والمناسبات الشعبية دون تأطير ناد، حتى بلغ سن الحادية والتسعين، حين التقى بمدرب المنتخب الوطني الجزائري لألعاب القوى، محمد حسين.

وعن هذا اللقاء، يصرح المدرب محمد حسين لـ "الجزيرة نت": "عمي عبد القادر كان يمارس الرياضة منذ صغره، تقريبا منذ أن كان في السابعة أو الثامنة من عمره. هو من مواليد 26 يناير/كانون الثاني 1934. عندما التقيته وكان يبلغ من العمر 91 عاما رأيت فيه طموحا وإرادة خارقة للعادة، أخبرني في ذلك الوقت أنه يرغب في البدء بممارسة سباق 100 متر، وأنه يطمح للفوز ليكون الأفضل في العالم".

مصدر الصورة محمد حسين مدرب العداء عبد القادر بن قلة للجزيرة (الجزيرة)

ويضيف المدرب موضحا حجم التأثير المعنوي للشيخ في المجموعة: "عمي عبد القادر ليس مجرد رياضي يتدرب، إنه مصدر إلهام يمد الجميع بطاقة إيجابية لا توصف داخل المجموعة. وجوده يبعث الأمل في النفوس ويجعل الجميع خجلين من التراجع أو الشكوى".

إعلان

وبعد إخضاعه لفحوصات طبية دقيقة بالمركز الوطني للطب الرياضي للتأكد من قدرة قلبه وجسده على تحمل الضغط، دخل بن قلة مضمار المنافسات الرسمية؛ فانتزع بطولة الجزائر لسباق 100 متر في فئته بتوقيت قدره 19.29 ثانية، ثم طار إلى تونس ليحقق الميدالية الذهبية الأفريقية محطما رقمه الشخصي بتوقيت 18.55 ثانية.

ملحمة كوريا الجنوبية وتفاعل منصات التواصل

توج بن قلة مسيرته بإنجاز عالمي رفيع في بطولة العالم لألعاب القوى بكوريا الجنوبية. وتكمن قيمة هذا الإنجاز في الظروف القاسية التي سبقت السباق؛ إذ قطع مع مدربه رحلة جوية استغرقت 35 ساعة طيران، مع فارق زمني قدره 9 ساعات بين الجزائر وكوريا، ليصل إلى القرية الرياضية قبل انطلاق المنافسة بـ 15 ساعة فقط.

ورغم الإرهاق الشديد، خاض الدور نصف النهائي وفاز بالمرتبة الأولى في مجموعته، ثم دخل النهائي ليقتنص الميدالية الفضية ووصافة العالم بكل جدارة. أحدث هذا التتويج موجة عارمة من التهاني والتبريكات؛ إذ ضجت منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر والعالم العربي بصوره ومقاطع الفيديو الخاصة بالسباق، كما تداول الناشطون والإعلاميون قصته بكثافة بوصفه مثالا فريدا للتحدي، واستقبلته الجماهير والجهات الرياضية بحفاوة كبيرة فور عودته.

نظام غذائي صارم وفلسفة حياة

عن أسرار استمراريته ونظامه الصحي، يتحدث بن قلة بوضوح: "الرياضة تتطلب الصبر والتدرب الأسبوعي والإنصات التام لتعليمات المدرب؛ إن قال خفض المجهود نخفضه، وإن قال زده نزيد. الإرادة هي كل شيء، وعلى الإنسان أن يبتعد عن الأمور التي تضره".

ويضيف بشأن نظامه الغذائي: "أعتمد بشكل كبير على تناول الخضروات والفواكه الطازجة لترتيب صحة الجسد، وأحاول التقليل من تناول اللحوم لتفادي المشاكل الصحية وارتفاع نسبة الكوليسترول للحفاظ على لياقتي".

ويتوج بن قلة حديثه برسالته الموجهة للشباب وللجمهور الرياضي العربي: "العمر لا يهم.. ليس للرياضة عمر محدد، الرياضة أو أي شيء آخر، من يمتلك الطموح والإرادة ويحب أن يفوز، سينجح في حياته في أي مجال".

مختتماً تصريحه ونظره متوجه نحو الاستحقاق القادم: "هدفنا المقبل هو بطولة العالم بالولايات المتحدة الأمريكية، ما دمت أستطيع التدرب والركض سأدخل الميدان لأرفع الراية الجزائرية، ولنحصد الميداليات الذهبية والفضية ونحقق أرقاما جيدة لبلادنا إن شاء الله. من الجزائر نحييكم ونحيي الشعب الرياضي، وأخيرا أقول: المجد والخلود لشهدائنا الأبرار".

من تدريبات عبد القادر بن قلة رفقة مدربه محمد حسين (الجزيرة)

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا