عندما توقفت المباراة بين إنجلترا وغانا في الدقيقة 22 لإجراء "استراحة الترطيب" الأولى انطلقت صيحات استهجان عالية من مدرجات الملعب في بوسطن. توجه اللاعبون بخطى متثاقلة إلى خط التماس، بينما جمع المدربون فرقهم لإعطاء تعليمات تكتيكية موجزة. وبعد بضعة أيام من انطلاق كأس العالم اتضح أن لا ابتكارا آخر يثير الجدل في البطولة بقدر ما تثيره هذه الاستراحات الإلزامية.
"كمدرب كنت سأحب ذلك"، يقول يورغن كلوب في حديثه مع DW . فالدقائق الإضافية المخصصة للتعليمات التكتيكية للفريق تعني ميزة واضحة. لكن المدرب السابق لليفربول ودورتموند يوجه أيضا انتقادات واضحة. "هناك مشكلة تتعلق بطول فترات الراحة لشرب الماء وبما تفعله قنوات التلفزيون أو الفيفا خلال هذه الفترات".
حتى في الملاعب المغطاة والمكيفة كما هو الحال هنا في دالاس تُعد "فترات الراحة لتناول السوائل" إلزامية.صورة من: Kenjiro Matsuo/AFLOSPORT/IMAGOتم تطبيق هذه القاعدة لحماية اللاعبين من حرارة الصيف في أمريكا الشمالية. ولذلك ستُوقف المباريات في كأس العالم هذه مرتين حوالي الدقيقتين 22 و67. ولا تعتمد قرارات استراحة الشرب على الحرارة الشديدة فقط على عكس ما كان عليه الحال في البطولات الكبرى السابقة أو حتى مباريات الدوريات. تشير الفيفا إلى درجة الحرارة والرطوبة وأشعة الشمس والجهود البدنية الشاقة. وبناءً على تجارب كأس العالم للأندية العام الماضي قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم تطبيق قاعدة موحدة في جميع المباريات.
لكن استراحة الشرب أصبحت منذ فترة طويلة موضوع نقاش مبدئي. هل تغير هذه الاستراحة قيم كرة القدم الأساسية؟ "لا أحب استراحة الشرب هذه"، يقول أحد مشجعي العراق لـ DW في فيلادلفيا. "إذا كان اللاعبون بحاجة ماسة إلى شرب الماء، فليفعلوا ذلك مثلا قبل تنفيذ ركلة ركنية".
ويشير آخر على هامش مباراة الأرجنتين ضد النمسا إلى سقف الملعب المكيف في دالاس قائلا: "المكيف يعمل هنا، فأين الحرارة إذن؟"
ينظر العديد من المشجعين بعين الانتقاد إلى فترات الراحة المخصصة للشرب وهذا ما ينطبق أيضا على هذا المشجع في لوس أنجلوس.صورة من: Mathias Brück/DWويثير تأثير ذلك على سير المباراة الجدل بشكل خاص. فقد تحولت فرصة الشرب القصيرة في العديد من الأماكن إلى استراحة تكتيكية. يقوم المدربون بتعديل التشكيلات وإعادة تنظيم اللاعبين وكسر إيقاع الخصم. يقول أحد مشجعي المنتخب الأرجنتيني لـDW : "من ناحية غيّرت فترات الراحة مجرى المباراة لأن المدربين أصبحوا يتمتعون بتأثير أكبر ومن ناحية أخرى فإنها تقلل من انسيابية المباراة بالنسبة للجماهير".
ويشير تحليل أجرته صحيفة "التايمز" البريطانية إلى أن هذا الانطباع ليس مجرد انطباع شخصي. قامت الصحيفة بتحليل جميع مباريات المجموعات بالاعتماد على بيانات "أوبتا". بعد فترة الشرب الأولى حدث تغيير واضح في زخم المباراة في 32 في المائة من المباريات وبعد الاستراحة الثانية في 26 في المائة. في المتوسط انخفض زخم المباراة بنسبة 17 في المائة بعد كل انقطاع. ومن الملاحظ بشكل خاص أن الفريق الذي كان يتمتع بزخم أكبر قبل فترة الشرب سجل بعد ذلك انخفاضا أكبر بكثير في زخمه.
كما تنظر شخصيات بارزة أخرى إلى هذا التطور بنظرة نقدية. فقد قال قائد منتخب هولندا فيرغيل فان ديك "إن فترات الاستراحة هذه ليست مثالية أيضا للمشاهدين المحايدين أمام شاشات التلفزيون". وأشار إلى أن فترات الراحة لشرب الماء قد تكون مفيدة في ظل الحرارة الشديدة لكن يجب اتخاذ القرار بشأن استخدامها على أساس كل مباراة على حدة. من جانبه انتقد مدرب المنتخب الإنجليزي توماس توخيل أن هذه الاستراحات تؤدي إلى إطالة أمد المباريات دون داعٍ. ومدرب باراغواي، غوستافو ألفارو ذهب إلى أبعد من ذلك قائلا إن كرة القدم تتحول بشكل متزايد إلى لعبة مقسمة إلى أربعة أرباع. وهذه مقارنة بديهية في أمريكا الشمالية حيث تُقسَّم العديد من الرياضات الأمريكية التقليدية مثل كرة السلة وكرة القدم الأمريكية على هذا النحو.
وهنا بالضبط تكمن نقطة انتقاد أخرى. ففي العديد من البلدان تستغل القنوات التلفزيونية هذه الفواصل المضمونة لعرض حلقات إعلانية وهو أمر لم يكن موجودا تقريبا في كرة القدم حتى الآن. يقول أحد المشجعين الأمريكيين لـDW : "عليهم أن يدرجوا إعلاناتهم وهذا أمر منطقي من وجهة نظر الشركات". بل إن "فترات الترطيب" نفسها لديها راعي خاص بها يظهر اسمه في الوقت المحدد مع بدء الفواصل على الشاشة الكبيرة في كل ملعب.
غير أن رئيس الفيفا جاني إنفانتينو ينفي أن تكون هناك مصالح مالية وراء إدخال فترات الراحة للشرب. وقال في حديثه مع قناة تلفزيونية: "نحن لا نكسب دولارا واحدا إضافيا من فترات الراحة للشرب، لأن جميع العقود قد أُبرمت قبل إدخالها". وفي الوقت نفسه أعلن أنه سيقوم بتقييم تجارب هذه البطولة بدقة. ولن يُتخذ قرار بشأن استمرار هذه القاعدة في المستقبل إن استمرت وبأي شكل إلا بعد ذلك.
يرى أطباء الطب الرياضي أن توفير فرص إضافية لشرب الماء في ظل الحرارة الشديدة أمر منطقي. وقال الأستاذ تيم ماير، الطبيب الرياضي الشهير لإحدى المجلات: "بيانات تشير إلى أن ما يُعرف بـ"فترات التبريد" تؤثر بشكل إيجابي على درجة حرارة الجسم". "في الظروف القاسية يركض المحترفون مسافات أقل وبشكل أساسي بكثافة أقل ويلعبون تمريرات أكثر أمانا. وهذا أمر منطقي من الناحية الصحية على الأرجح لكنه بالتأكيد لا يخدم مصلحة الرياضة".
ينفي رئيس الفيفا جياني إنفانتينو أن تكون هناك مصالح مالية وراء إدخال فترات الراحة لتناول المشروبات.صورة من: Andre Penner/AP Photo/picture allianceلذلك لم يعد النقاش الحقيقي يدور منذ فترة طويلة حول مسألة ما إذا كان يجب حماية اللاعبين، بل حول الشكل الذي يجب أن تتخذه هذه الحماية وما إذا كان يجب تطبيق القاعدة نفسها فعلا على كل مباراة حتى في الملاعب المغلقة والمكيفة. فقد تحولت إحدى الإجراءات الرامية إلى الحماية من الحرارة إلى نقاش مبدئي حول حماية اللاعبين وسلاسة سير المباراة وتأثير المدربين والجوانب التجارية ومدى التغيير الذي يمكن أن تتحمله كرة القدم دون أن تفقد هويتها.
أعده للعربية: م.أ.م
المصدر:
DW