بينما تتجه أنظار مئات الملايين من عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر لمتابعة منافسات كأس العالم عام 2026، أكبر حدث كروي في التاريخ، تراقب عيون أخرى – لا تراها الجماهير – ما يجري خارج حدود الملعب.
فهذه العيون لا تتابع التمريرات والأهداف، بل ترصد الوجوه، وتراقب التحركات، وتلتقط أدق تفاصيل السلوك. وخلف الأجواء الاحتفالية الصاخبة، يبرز مونديال يُوصَف بأنه الأكثر اعتمادا على تقنيات المراقبة في تاريخ البطولة، حيث يتحول المشجعون، دون أن يشعروا، إلى مصدر دائم للبيانات داخل منظومة أمنية رقمية واسعة النطاق.
فكل من يتنقل بين المدن المستضيفة يجد نفسه – نظريا – تحت مراقبة مستمرة؛ إذ تُرصد تحركاته، وتُحلَّل أنماط سلوكه، وتُسجل بيانات الأجهزة الذكية التي يحملها، ضمن شبكة متكاملة تتشارك فيها الجهات الحكومية وشركات التكنولوجيا الخاصة. وهو واقع يثير تساؤلات متزايدة حول الخط الفاصل بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية.
ولم تأتِ هذه المنظومة من فراغ، إذ خصصت الحكومة الأمريكية أكثر من مليار دولار لتعزيز الإجراءات الأمنية الخاصة بالمونديال، ووجهت جانبا كبيرا من هذه الميزانية لتحديث البنية التحتية الأمنية في محيط الملاعب، ومراكز النقل، والمناطق الحضرية المستضيفة. كما شملت الاستثمارات تحديث تجهيزات فرق مكافحة المتفجرات ووحدات التدخل السريع، في خطوة شكلت فرصة اقتصادية كبيرة لشركات التكنولوجيا والأمن السيبراني.
ويشير منتقدون إلى أن هذا التوسع في أدوات المراقبة جرى تبريره تحت عنوان مكافحة الاستخدام غير المشروع للطائرات المسيّرة. ووفقا لهذه الرؤية، أدى هذا التهديد إلى تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأمنية وشركات تطوير البرمجيات، ما أتاح تمويلا واسعا لتطوير واقتناء تقنيات مراقبة عالية الحساسية، وسط مخاوف من أن يتحول الدافع الأمني إلى مبرر لتوسيع صلاحيات المراقبة على حساب الحريات المدنية، بما في ذلك حرية التعبير وحق الأفراد في التجمع دون تتبع.
وداخل الملاعب، لم تعد الكاميرات تقتصر على نقل المباريات أو رصد أعمال الشغب، بل أصبحت مزودة بأنظمة متقدمة للتعرف على الوجوه تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقادرة على إنشاء بصمات وخرائط بيومترية للحاضرين. ويكمن مصدر القلق – بحسب خبراء في الخصوصية – في احتمالية الاحتفاظ بهذه البيانات واستخدامها لاحقا في أغراض لا يملك أصحابها أي سلطة على التحكم فيها أو معرفة كيفية توظيفها.
أما خارج الملاعب، فتستخدم بعض الولايات الأمريكية – من بينها نيويورك – التمويل الفيدرالي لنشر طائرات مسيّرة متطورة مزودة بكاميرات عالية الدقة، ومستشعرات حرارية، وأجهزة استشعار متعددة. وتقول تقارير إن بعض هذه المنصات قادرة على تنفيذ عمليات مراقبة واسعة النطاق، فيما تمتلك نماذج أخرى تقنيات تحاكي عمل أبراج الاتصالات، بما يسمح بتحديد مواقع الهواتف المحمولة أو جمع بعض بيانات الاتصالات في إطار الصلاحيات القانونية الممنوحة للجهات المختصة، وهو ما يواصل إثارة نقاش واسع بين المدافعين عن الأمن وأنصار حماية الخصوصية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة