آخر الأخبار

تشيفرين ضد الـ13.. الصراع على معنى كأس العالم

شارك

لم يكن تصريح رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ألكسندر تشيفرين بأن توسعة كأس العالم أنتجت مباريات "غير مثيرة للاهتمام" مجرد ملاحظة عابرة في نقاش إداري عن روزنامة مزدحمة أو جودة فنية مهددة.

لقد بدت، خصوصاً في آذان اتحادات قادمة من أفريقيا وآسيا والكاريبي، كأنها إعادة إنتاج حديثة لنبرة قديمة: نبرة ترى اللعبة من أعلى، من مقاعد القوى الكروية المطمئنة إلى حضورها، لا من عتبات المنتخبات التي ظلت عقودا تحلم بعبور الباب.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "من يعبث مع ميسي".. تحذير حاسم من رئيس الأرجنتين
* list 2 of 2 بعد الجولة الأولى.. تصنيف مختلف لمنتخبات المونديال end of list

ولهذا جاء رد اتحادات 13 دولة مشاركة في كأس العالم حادا في معناه وإن بقي دبلوماسيا في لغته. فبالنسبة إلى الرأس الأخضر أو كوراساو أو أوزبكستان أو هايتي، لا توجد مباراة "هامشية" في كأس العالم. وبالنسبة إلى المغرب وتونس والجزائر ومصر وغانا والسنغال وكوت ديفوار وجنوب أفريقيا والكونغو، لا تختصر البطولة في سؤال: هل تشبع عين المشاهد الأوروبي المعتاد على دوري الأبطال؟ بل في سؤال أعمق: من يملك حق الظهور على مسرح اللعبة العالمي؟ ومن يقرر أن مباراة ما تستحق أن تُرى، وأخرى لا تستحق إلا أن تُمحى من الذاكرة قبل أن تبدأ؟

هذا التوتر ليس جديدا. لقد رافق كأس العالم منذ ولادتها. فالبطولة التي نراها اليوم إمبراطورية تلفزيونية وتجارية ضخمة، بدأت أصلا من تناقض مشابه: حلم كوني عن كرة توحد العالم، ومؤسسة دولية تنمو بالمساومات، ودول صغيرة ترى في الملعب وسيلة اعتراف، وقوى كبرى تنظر إلى الاعتراف نفسه بوصفه امتيازاً لا حقاً.

هذه المسألة تتجاوز تشيفرين نفسه. فكل نقاش عن "جودة" مباريات كأس العالم، وعن جدوى توسعة البطولة، يخفي في داخله سؤالا أقدم: من يملك تعريف المتعة في كرة القدم؟ هل يملكها من اعتادوا مشاهدة اللعبة من مقاعد الامتياز الأوروبية، أم يملكها أيضاً من ينتظرون عقودا ليسمعوا نشيد بلادهم في المونديال؟

بطولة وُلدت من حاجة الصغار إلى الظهور

حين تأسست فيفا عام 1904، لم تكن المؤسسة العالمية والإمبراطورية المالية التي نعرفها اليوم. كانت منظمة صغيرة، أوروبية المنشأ، تحاول تعميم قوانين محددة لضبط لعبة بدأت تتجاوز الحدود. لكن كرة القدم المعاصرة نفسها كانت أكبر من مؤسسيها. انتقلت من المدارس والنوادي البريطانية إلى الموانئ والسكك الحديدية والمصانع والأحياء الشعبية في كل العالم. وفي كل مكان وصلت إليه، ترك الناس عليها شيئاً من لغتهم وطبقتهم ومزاجهم وثقافتهم وأسلوب حياتهم.

إعلان

ثم جاء الصحفي والأب الروحي للفيفا والرئيس الثاني للمنظمة جول ريميه لاحقاً ليمنح المشروع برمته بعداً آخر. آمن ريميه بأن كرة القدم لا يجب أن تبقى لعبة أرستقراطية يحكمها مفهوم طبقي ضيق للهواية. استبعد حصر الكرة بعيدا عن أبناء الطبقات العاملة الذين لا يملكون رفاهية اللعب بلا أجر، بل لا يملكون وقتاً أصلاً لأي هواية. بالنسبة إلى ريميه الحالم بإقامة كأس العالم لأول مرة فإن البطولة وعد. وعد للناس بالوحدة والمساواة على أرض واحدة وتحت قانون واحد، ولو مؤقتا.

لكن الحلم، منذ بدايته، اصطدم بالسلطة. البريطانيون، أصحاب اللعبة الأوائل، لم يبتلعوا بسهولة فكرة أن يتساوى صوت إنجلترا بصوت أوروغواي أو مصر أو البرازيل داخل مؤسسة كروية واحدة. ففي خيال المركز الأوروبي، ظلت كرة القدم ابنة البيت البريطاني، حتى وهي تكبر في بيوت الآخرين. أما في خيال الأطراف المهمشة، كرة القدم هي فرصة للخروج من موقع التلقي إلى موقع الفعل.

لم تولد كأس العالم من رومانسية خالصة أو أمنية حالمة. وُلدت من خليط شديد التعقيد: حلم أممي عند جول ريميه، ومصالح اتحادات تحاول تعميم قوانينها وضبط اللعبة، ورغبة بلدان صغيرة في أن تقول للعالم إنها موجودة. وهذا ما جعل أوروغواي لا أوروبا مسرح البداية.

أوروغواي: بلد صغير يبحث عن حجمه في كرة القدم

قبل أن تستضيف أوروغواي أول كأس عالم عام 1930، كانت قد أربكت أوروبا في الألعاب الأولمبية بعدما حصدت ذهب كرة القدم في باريس 1924 ثم أمستردام 1928.
في كلا البطولتين، وصل منتخب من بلد صغير محشور تاريخيا بين الأرجنتين والبرازيل، وتتعامل دوليا باعتبارها جدارا عازلا بين الدولتين، فإذا به يلعب كرة مختلفة: قصيرة التمرير، ذكية، صبورة، فيها مهارة فردية من دون فوضى، وجماعية من دون جمود.

تزامن ذلك مع "مشروع الباتليسمو (Batllismo)" وهو مشروع تحديثي قادته أوروغواي مطلع القرن العشرين، سعى إلى بناء دولة مدنية اجتماعية أكثر استقرارا، عبر إصلاحات في التعليم والعمل والبنية التحتية وتوسيع المشاركة السياسية. وفي ظله، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة وافدة من البريطانيين، بل صارت أداة لبناء صورة وطن صغير يريد أن يقدم نفسه للعالم بوصفه بلدا حديثا ومنظما وجديرا بالاعتراف. شعبيًا، ولد إحساس قوي بأن أوروغواي صغيرة المساحة قادرة على أن تكون استثناء في أمريكا الجنوبية.

ثم جاءت كرة القدم لتمنح هذا الطموح وجها شعبيا. لم تعد اللعبة مجرد ساحة بريطانية في الميناء أو عادة مستوردة من أبناء النخب. صارت مساحة يختلط فيها الفقراء والأغنياء، السود والبيض، أبناء الأحياء والعمال والموظفون، وإن ظل هذا الاختلاط في الواقع ناقصا وخاضعا إلى تمييزات عصره. لكن المنتخب، حين بدأ يفوز، منح البلاد لغة سهلة لفهم نفسها: نحن صغيرون على الخريطة، لكننا لسنا صغارا على الملعب.

لهذا كان قرار استضافة مونديال 1930 سياسيا بقدر ما كان رياضيا. أوروغواي كانت تحتفل بمئوية استقلالها، وتريد أن تجعل من البطولة شهادة ميلاد ثانية أمام العالم. تحرك الدبلوماسي الأوروغوياني إنريكي بويرو في أوروبا، فاوض، أقنع، واستفاد من تردد القوى الأوروبية ورغبتها في نقل البطولة خارج القارة التي كانت على وشك الانفجار مرة أخرى. أما أتيليو نارانشيو، رئيس الاتحاد الأوروغوياني، فقد بلغ به الإيمان بالمشروع حد أن يضع منزله ضمانا لقرض ساعد في تمويل رحلة المنتخب الأولمبية السابقة. كان يعرف أن السمعة التي تحاول أوروغواي اكتسابها لا تُشترى بالدعاية، بل ربما لحظة كروية واحدة تلتصق بذاكرة العالم تبني لأوروغواي سمعة لعقود، وهو ما حدث فعليا.

إعلان

ثم جاء إستاد سنتيناريو كقطعة سياسية من الخرسانة. لم يكن ملعبا فقط. كان نصبا وطنيا. مدرجات من الخرسانة المسلحة، وبرج شاهق يستدعي خطوط العلم، ومدينة تريد أن تقول من خلال ملعبها: لسنا هامشا بعيدا؛ نحن هنا، نملك شكلا وصوتا ومقعدا في الحكاية.

السفينة التي حملت كأس العالم الأولى

في صيف 1930، تحركت السفينة الإيطالية "كونتي فيردي" عبر الأطلسي، حاملة منتخبات فرنسا وبلجيكا ورومانيا، ومعهم حكام المباريات، وجول ريميه والكأس نفسها. تبدو الصورة اليوم أقرب إلى رواية قديمة منها إلى بطولة عالمية: لاعبون يتدربون على سطح سفينة، يتجنبون الركاب في الصباح، يركضون بين الحبال والكراسي، ثم يقضون أمسياتهم بين الموسيقى والعروض الخفيفة.

كان لوسيان لوران، مهاجم فرنسا وصاحب أول هدف في تاريخ كأس العالم لاحقا، عاملاً في مصنع شركة "بيجو" في مدينة سوشو الفرنسية. لم يسافر وهو يعلم بأنه سيصبح اسما في كتب التاريخ. بالنسبة إليه وإلى رفاقه، كانت الرحلة مغامرة طويلة، خروجا من رتابة المصنع والحياة اليومية إلى بلد بعيد في آخر الأطلسي. لم تكن هناك غرف تحليل فيديو، ولا أجهزة طبية، ولا جيوش من المدربين. كانت هناك سفينة، وبحر، ولاعبون يحاولون أن يبقوا لائقين بما تيسر.

حتى جول ريميه، الرجل الذي حلم بالبطولة، بدا في تلك الرحلة إنسانا أقل رسمية من تماثيل الذاكرة. شارك في فعاليات السفينة، وفاز في مسابقة رقص بعد أن صنع شريكه قبعة كرتونية تشبه مدخنة السفينة. في تلك التفاصيل الصغيرة تظهر كأس العالم الأولى على حقيقتها: بطولة وُلدت بلا يقين، بلا ضخامة، وبكثير من العفوية.

لكن السياسة لم تكن بعيدة عن السطح. رومانيا مثلاً لم تسافر فقط لأن اتحادها أراد ذلك؛ الملك كارول الثاني تدخل شخصيا في اختيار المنتخب وضمن للاعبين إجازة مدفوعة. منذ النسخة الأولى، فهم الحكام أن المنتخب ليس أحد عشر لاعبا فحسب، بل صورة بلد قابلة للتصدير والاستغلال. ومنذ النسخة الأولى أيضا، دخلت السلطة إلى الملعب، أحيانا بقبعة ملك، وأحيانا بزي عسكري، وأحيانا بوجه إداري مبتسم مثل تشيفرين.

أندرادي: رجل واحد أربك أوروبا

في أولمبياد باريس، قبل المونديال الأول بست سنوات، صنع خوسيه لياندرو أندرادي طفرة جمالية في كرة القدم. كان أسود، وسيما، موسيقيا، وذا حضور لا يشبه ما اعتاده الجمهور الأوروبي في كرة القدم الدولية. لكنه، قبل كل ذلك، كان لاعبا عظيما. لم يكن يفرض نفسه بالقوة وحدها، بل بفهم نادر للمساحة. يعرف أين يقف، متى يتدخل، وكيف يحول قطع الكرة إلى بداية هجوم.

اشتهر أندرادي بحركة "لا تيخيرا"، المقص، حين يمد ساقا ويخطف الكرة بالأخرى. ما جعله مختلفا لم تكن الحركة نفسها، بل العقل الذي يقف خلفها. كان يلعب كما لو أنه يرى الملعب من أعلى، يقرأ الزوايا، يترك الخصم يظن أن الممر مفتوح، ثم يغلقه في اللحظة الأخيرة.

مع ذلك، لم تستطع أوروبا أن تراه دون نظارتها الاستعمارية. احتفت به، نعم، لكنها كثيرا ما أحاطت هذا الاحتفاء بلغة الغرابة والقوة. فهو في عينها "اللاعب الأسود الساحر"، "الجسد المختلف"، "الموهبة الفطرية" التي تبهر ولا تُشرح.

في قصة أندرادي بذرة ستتكرر كثيرا في تاريخ كرة القدم: حين يأتي الإبداع من الجنوب العالمي، يصفه المركز بأنه غريزة لا معرفة، جسد لا فكر، فطرة لا مدرسة، وصدفة لا تخطيط. أما الحقيقة فكانت أبسط وأعمق: أندرادي لم يكن ظاهرة غريبة في سيرك كروي، بل لاعب وسط سبق زمنه، ورجلاً حمل في قدميه ردا مبكرا على فكرة أن أوروبا وحدها تفهم اللعبة.

من هنا بدا موقف الاتحادات الـ13 اعتراضا على تصريحات تشيفرين وما تعنيه، لا على حق الأوروبيين في نقد توسعة كأس العالم أو مناقشة مستوى مبارياتها. هذه الاتحادات لا تقول إن كل مباراة في المونديال ستكون حدثا فنيا كبيرا، لكنها ترفض أن تتحول "الجودة" إلى ذريعة لتقليل قيمة منتخبات وبلدان وشعوب انتظرت طويلا كي تصل إلى البطولة. بالنسبة إلى الرأس الأخضر أو كوراساو أو أوزبكستان أو هايتي، لا تنبع أهمية المباراة من اسم الخصم أو عدد مرات فوزه بالمونديال، بل من اللحظة التي سيرفع فيها العلم وسيسمع فيها النشيد الوطني ويظهر فيها البلد، ربما للمرة الأولى، أمام جمهور عالمي.

إعلان

وبالنسبة إلى منتخبات أفريقية وعربية خبرت طريقاً طويلاً من الهجران والخيبات والآمال، فإن المونديال ليس هبة من المركز الكروي، بل حق انتزع في الملاعب بعرق اللاعبين وهتاف الجماهير عبر عقود. لذلك يمكن قراءة بيان هذه الاتحادات كرسالة واضحة: لا نطلب المجاملة، بل الاعتراف. المباراة التي تبدو هامشية في عين نخبة أوروبية قد تكون في قرية أفريقية أو جزيرة كاريبية أو مدينة آسيوية يوما لا يُنسى، وقد تمنح طفلا واحدا دليلا كافيا على أن الطريق إلى كأس العالم لا يبدأ دائما من مدريد أو ميونيخ أو مانشستر.

إذا زادت المباريات ماتت الجودة؟

لكي نكون منصفين، فإن وجهة النظر الأوروبية لا تبدأ دائما من الغطرسة، وإن كانت تنتهي إليها أحيانا. فأوروبا، وهي تنظر إلى كرة القدم الحالية، لا تراها فقط باعتبارها لعبة اتسعت أكثر مما ينبغي، بل باعتبارها نظاما اقتصاديا بلغ حدود الكمال: لاعبون يطيرون أسبوعيا بين الدول للعب من دوري أبطال إلى كأس عالم للأندية، ومن منتخب إلى نادٍ، حتى صار الجسد البشري مجرد مورد يجري استنزافه في هذه الصناعة.

في مكاتب الروابط الأوروبية، وفي غرف تبديل الملابس التي يخرج منها اللاعبون مضمّدين أكثر مما يخرجون منتصرين، تتكرر الحجة نفسها: إذا زادت المباريات بلا حساب، ماتت الجودة التي صنعت سحر اللعبة أصلا. ليست المسألة، في ظاهرها، أن الرأس الأخضر أو أوزبكستان أو كوراساو لا تستحق الظهور، بل أن كأس العالم حين تتضخم، وكأس العالم للأندية حين تتحول إلى بطولة كبرى جديدة، فإن الموسم يصبح قطارا بلا محطة نهائية. اللاعب ليس آلة، والجمهور ليس مستودعاً لا نهائياً للدهشة، والبطولة التي تريد أن تمنح الجميع مقعدا قد تخسر، في نظر الأوروبيين، شيئا من جودتها القديمة.

مصدر الصورة رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ألكسندر تشيفرين (أسوشيتد برس)

لكن وراء هذه الحجة العاقلة ظلٌّ سياسي لا يمكن تجاهله. فأوروبا لا تدافع عن صحة اللاعبين وحدها، بل عن موقعها في هرم اللعبة. لقد بُنيت كرة القدم الحديثة، كما نعرفها اليوم، حول النادي الأوروبي الكبير: ريال مدريد وبرشلونة وبايرن ميونخ ومانشستر يونايتد وليفربول ويوفنتوس وباريس سان جيرمان. هناك تتركز الأموال، وهناك تُصنع النجومية، وهناك تكتب شبكات البث والرعاة الجزء الأكبر من سردية اللعبة. ولذلك حين تأتي فيفا وتوسّع كأس العالم، أو تخترع نسخة ضخمة من كأس العالم للأندية، تشعر أوروبا بأن سلطة تعريف اللعبة تفلت قليلا من يدها. لم يعد السؤال فقط: كم مباراة يستطيع اللاعب أن يخوض؟ بل: من يملك الروزنامة؟ من يحدد متى يلعب أفضل اللاعبين وأين؟ ولصالح من يتحول تعب اللاعبين إلى رأسمال سياسي وتجاري؟

قصة دوري السوبر الأوروبي (Super League) كشفت هذا التوتر من جهة أخرى. حين حاولت أندية النخبة أن تغلق الباب على نفسها عام 2021، قالت إنها تريد إنقاذ اللعبة من الإفلاس والفوضى، لكنها في الحقيقة أرادت أن تؤمم المجد المالي والكروي لحسابها الخاص. ثار المشجعون في إنجلترا، وارتبكت الحكومات، وتراجع بعض المؤسسين خلال أيام، لأن الذاكرة الشعبية لكرة القدم رفضت أن تتحول البطولة إلى نادٍ مغلق للأغنياء. ومع ذلك، لم تمت الفكرة تماما؛ عادت في أشكال أخرى، في صيغ جديدة لدوري الأبطال، وفي سباق محموم على حقوق البث، وفي رغبة دائمة لدى الكبار في ضمان دخل لا تهدده مفاجأة فريق صغير ولا ليلة مجنونة في ملعب بعيد.

من هنا تبدو النظرة الأوروبية إلى كرة القدم الحالية مزدوجة، وربما متناقضة. فهي، من ناحية، تملك حجة حقيقية: اللاعبون يُرهقون، والروزنامة تتشقق، والبطولات تتناسل كما لو أن السوق لا يعترف بحدود الجسد ولا بملل الجمهور.

ومن ناحية أخرى، حين تتحدث أوروبا عن "الجودة"، فإن الكلمة لا تبقى بريئة تماما؛ لأنها كثيرا ما تعني الجودة كما تراها هي، والمتعة كما يعرفها جمهورها، والتاريخ كما كتبه أبطالها. ولذلك تصبح مباراة بين وافدين جدد على كأس العالم، في عين أوروبا، عبئاً على البطولة، بينما هي في عين شعب كامل حدث لا يُعوَّض وذكرى لا تمحى. هنا تحديدا تظهر عقدة كرة القدم المعاصرة: أوروبا تخاف على اللعبة من التضخم، وهذا خوف مشروع، لكنها تخاف أيضا من عالم كروي لم تعد هي وحدها مركزه، وهذا خوف سياسي قبل أن يكون فني.

والحق أن الأزمة ليست بين أوروبا وبقية العالم بقدر ما هي بين تصورين للعبة. تصور يرى كرة القدم منتجا ينبغي صيانته من الترهل، وحمايته من كثرة المباريات وضعف المستوى وتآكل الندرة. وتصور آخر يراها حقا رمزيا في الظهور، ومساحة نادرة تعبر منها البلدان الصغيرة إلى شاشة العالم. الأول يسأل: كيف نحافظ على الجودة؟ والثاني يسأل: من قال إن الجودة لا تولد إلا في ملاعب الكبار؟ وبين السؤالين تقف كأس العالم، كما وقفت دائما، لا بوصفها بطولة كرة قدم فقط، بل بوصفها ساحة تفاوض كبرى بين القوة والحلم، بين من يخافون على اللعبة لأنهم يملكونها، ومن يحبونها لأنهم ينتظرون، منذ زمن طويل، أن تلتفت إليهم.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا