تتجاوز الساعة الثانية صباحا، وما تزال شاشة حاسوب صغير تضيء وجه مروان في غرفة شبه معتمة. بين نافذتين مفتوحتين على الشاشة، الأولى لموقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والثانية لبوابة طلبات التأشيرة الأمريكية، يقضي الشاب ساعات طويلة في متابعة كل جديد قد يقربه خطوة من حلم يطارده منذ أشهر.
يقرأ الشروط مرة بعد أخرى، ويتنقل بين المواعيد والأسعار والخيارات المتاحة، ثم يعود إلى نقطة البداية. بالنسبة إليه، لا تبدأ رحلة كأس العالم من المدرجات أو حتى من المطار، بل من هنا؛ من شاشة مضيئة في ساعة متأخرة من الليل.
مروان واحد من آلاف المغاربة الذين يعيشون هذه الأيام حالة ترقب قبل مونديال عام 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. فبعد التجربة التاريخية في قطر، يبدو الطريق هذه المرة أطول وأكثر تعقيدا، بين التأشيرات وتذاكر المباريات وتكاليف السفر والتنقل عبر قارة كاملة.
يقول للجزيرة نت: "أعرف أن الأمر صعب، لكنني كنت في قطر حين كان الجميع يعتقد أن ما نحلم به مستحيلاً. لذلك ما زلت أؤمن بأن الوصول إلى أمريكا ممكن أيضا."
يصعب على أي مشجع مغربي التفكير في مونديال عام 2026 دون استحضار ما حدث في قطر أواخر عام 2022. هناك لم يكتف المغاربة بمتابعة منتخبهم، بل صنعوا واحدة من أبرز الصور الجماهيرية في تاريخ البطولة.
في حديث للجزيرة نت يتذكر رئيس الجمعية الرياضية لمشجعي المنتخب المغربي عز الدين العطراوي تلك الأيام، لكن ما بقي عالقا في ذاكرته لم يكن سهولة الوصول فقط، بل ذلك الحضور الجماهيري الذي تجاوز حدود التشجيع الرياضي.
ويشرح: "الجماهير حملت رسالة إنسانية وثقافية قبل أن تؤثث حضورا رياضيا. كل هتاف كان يقول إن المغرب هنا، وإن أفريقيا هنا، وإن العرب هنا."
بين الذاكرة القريبة لقطر والواقع الجديد لأمريكا الشمالية، يبرز سؤال يرافق معظم المشجعين: هل يستطيع الجمهور المغربي إعادة إنتاج تلك الملحمة على بعد آلاف الكيلومترات من الوطن؟
في إحدى قاعات الانتظار بالقنصلية الأمريكية في الدار البيضاء، تحمل سلمى ملفا يضم كل الوثائق المطلوبة: عقد العمل، وكشوف الحسابات البنكية، وحجوزات السفر والإقامة، وتذاكر المباريات. أعدت كل شيء بدقة، لكنها لا تستطيع الجزم بالنتيجة.
تقول: "يمكن أن تستوفي جميع الشروط، ومع ذلك تبقى النتيجة غير مضمونة."
ويؤكد العطراوي أن حالة سلمى ليست استثناء، إذ واجه عدد كبير من المشجعين صعوبات في الحصول على التأشيرة رغم استكمال ملفاتهم.
ويضيف: "من بين 42 مشجعاً تقدموا بطلب التأشيرة في يوم واحد، لم يُقبل سوى مشجعين اثنين، فيما جوبهت باقي الطلبات بالرفض دون تفسير كافٍ."
ورغم ذلك، يرفض كثيرون الاستسلام لهذه المعادلة.
ويتحدث محمد شرفي، أحد المشجعين المعروفين بمتابعتهم الدائمة للمنتخب، بنبرة هادئة للجزيرة نت لكنها واثقة "لا تأشيرة بيدي حتى الآن، لكن أملي كبير في أن تتيسر الأمور خلال الفترة المقبلة بتدخل المسؤولين، فحضور الجمهور، بشعاراته المعروفة وموجاته المتتالية، عنصر أساسي في دعم المنتخب."
من جهته، يلخص محمد السملالي، رئيس الفيدرالية الوطنية لوكالات الأسفار، المشهد قائلا للجزيرة نت: "معايير التأشيرة ليست سهلة وتخضع لشروط محددة تجعلها ميسرة لبعض الفئات دون غيرها. وقد قلّصت الولايات المتحدة آجال بعض الإجراءات، لكن من لم يتقدم مبكرا وجد نفسه في مأزق حقيقي."
قبل أن تنطلق البطولة بأشهر طويلة، تحولت عملية التخطيط للسفر إلى تحدٍّ قائم بذاته.
يوسف، المعروف وسط الجماهير المغربية باسم "مول السبع"، بدأ الاستعداد مبكراً. وبعد متابعته للقرعة وتحديد المدن التي سيخوض فيها المنتخب مبارياته، شرع في حساب تكلفة الرحلة بكل تفاصيلها.
ويوضح يوسف للجزيرة نت، الذي حصل بالفعل على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة: "بدأت قبل ستة أشهر. تابعت القرعة وعرفت المدن، ثم بدأت أحسب: تذكرة الطيران، الفندق، التنقل الداخلي، التذاكر نفسها التي لم أستطع الحصول على أي واحدة منها، الأرقام تجعلك تدوخ."
وفي محاولة لتسهيل حضور الجماهير، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تخصيص تذاكر بسعر 550 درهماً (نحو 55 دولاراً)، كما برمجت الخطوط الملكية المغربية رحلات إضافية نحو المدن الأمريكية المستضيفة.
غير أن هذه الإجراءات لا تبدو كافية لكثير من المشجعين الذين ما زالوا يواجهون عراقيل تبدأ من التأشيرة ولا تنتهي عند أسعار السفر والإقامة.
غير أن تجاوز عقبة التأشيرة لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح سالكا. فإذا كانت التأشيرة تمثل العقبة الإدارية الأبرز، فإن التكلفة المالية تشكل التحدي الأصعب بالنسبة إلى عدد واسع من المشجعين.
فأسعار الرحلات الجوية من الدار البيضاء نحو الولايات المتحدة ارتفعت من ما بين 800 و1500 دولار في الأحوال العادية إلى ما بين 1800 و3000 دولار مع اقتراب المونديال. كما أن توزيع المباريات على 16 مدينة يفرض رحلات داخلية إضافية قد تصل تكلفتها إلى 600 دولار للرحلة الواحدة، فضلا عن مصاريف الإقامة والتنقل.
وتقول سلمى: "إذا جمعت كل شيء، فأنت تتحدث عن خمسة آلاف دولار على الأقل. هذا راتب أشهر بالنسبة إلى كثير من الناس. ومع ذلك ما زلت أفكر في الذهاب، لأنني أعلم أنني سأندم إذا عشت إنجازا جديدا للمنتخب من بعيد."
ويقدم السملالي صورة أوضح لحجم التحدي قائلا: "تذاكر الفيفا تبدأ من 60 دولاراً لدور المجموعات، لكنها تتجاوز 700 دولار في السوق الموازية وللمباريات الكبرى. السوق السوداء موجودة وتنشط، وهذا يضاعف الضغط على المشجعين ويجعل الوصول إلى التذاكر أكثر صعوبة."
لكن الرقم الأكثر دلالة يأتي على لسان العطراوي، الذي يوضح: "من يريد متابعة المنتخب من دور المجموعات حتى النهائي، عليه أن يخصص ما لا يقل عن 20 ألف دولار. هذا رقم يفصح كل شيء عن حجم الفجوة بين الحلم وإمكانية تحقيقه."
ورغم ذلك، يرى صفوي أن التجربة القطرية غيّرت نظرة الجمهور المغربي إلى معنى الحضور في المونديال.
ويبرز: "العالم لم يتحدث عن نتائج المنتخب فقط، بل تحدث أيضا عن الجماهير المغربية وأهازيجها وصورتها في المدرجات. وقد أثبت هذا الجمهور أنه اللاعب الحادي عشر الذي يصنع الفارق في اللحظات الحرجة."
ويضيف: "وهو ما يجعل كثيرين مستعدين لتحمل كلفة السفر ومشقته رغم كل العقبات."
يرى السملالي أن مونديال أمريكا يختلف جذريا عن النسخ السابقة من حيث التعقيد اللوجستي.
ويبرز: "في قطر كانت المسافة قصيرة والتأشيرة ميسرة وبرامج السفر سهلة البناء. أما هنا فنحن أمام قارة كاملة، ومدن متباعدة، وأسعار متغيرة باستمرار."
ويضيف: "اضطرت نحو أربعين وكالة أسفار إلى مراجعة برامجها الأصلية بعدما تبين أن تنظيم رحلات متكاملة لمتابعة المنتخب في مختلف أدوار البطولة أصبح أكثر تعقيدا وكلفة".
لذلك اتجهت الوكالات إلى اعتماد برامج مختصرة تتيح للمشجعين السفر لبضعة أيام وحضور مباراة أو مباراتين فقط، مع تقليص التنقلات الداخلية المكلفة.
ويختصر السملالي المشهد بقوله: "الناس متحمسون، لكن التردد أصبح سيد الموقف."
ولا تقتصر مشكلة التذاكر على القادمين من المغرب وحدهم. فطارق، وهو من المغاربة المقيمين في الولايات المتحدة، يؤكد أن عددا من أفراد الجالية الذين يتابعون كرة القدم بشغف لم يتمكنوا بدورهم من الحصول على تذاكر حتى الآن.
ففي الوقت الذي يواجه فيه المقيمون بالمغرب عقبة التأشيرة، يجد بعض أفراد الجالية أنفسهم أمام عقبة مختلفة تتمثل في ندرة التذاكر وشدة المنافسة عليها.
مع اقتراب الفجر، يعود مروان إلى الشاشة من جديد. هذه المرة يفتح مقطعا قديما لمباراة المغرب وإسبانيا في مونديال قطر. يتابع ركلات الترجيح وكأنه يشاهدها للمرة الأولى.
لم يحصل بعد على التأشيرة، ولم يضمن التذكرة التي ينتظرها، وما تزال كل الاحتمالات مفتوحة. لكن ذلك لا يدفعه إلى التراجع.
يغلق الفيديو، ثم يعود مرة أخرى إلى صفحة طلب التأشيرة.
ويستطرد: "أعرف أن الاحتمال ليس في صالحي. لكنني أعرف أيضا أن كثيرا من الأشياء الجميلة بدأت من حلم ظنه الآخرون مستحيلاً."
وربما تختصر هذه العبارة حال آلاف المغاربة الذين يواصلون التخطيط والسؤال والانتظار. فبالنسبة إليهم، لا يتعلق السفر إلى أمريكا بمشاهدة مباراة كرة قدم فقط، بل بحمل جزء من المغرب إلى مدرجات بعيدة، وكتابة فصل جديد من قصة جماهيرية بدأت في قطر وما تزال فصولها مفتوحة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة