في واحدة من أكثر القصص إلهاما في كرة القدم الأوروبية الحديثة، كتب نادي "ثون" فصلا تاريخيا غير مسبوق، بعدما توج بلقب الدوري السويسري لأول مرة منذ تأسيسه قبل 128 عاما، في إنجاز يعد من أبرز مفاجآت الموسم على مستوى القارة.
النادي الذي ينتمي إلى مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 45 ألف نسمة، وتقع على بعد 26 كيلومترا من العاصمة برن، لم يكن يوما ضمن القوى التقليدية في سويسرا، بل عاش سنوات من التراجع، أبرزها هبوطه إلى الدرجة الثانية مدة خمس سنوات، واقترابه من الإفلاس.
ورغم خسارته أمام "بازل" بنتيجة 3-1، فإن تعثر ملاحقه "غالين" أمام فريق "سيون" منح "ثون" لقبا مبكرا بفارق 10 نقاط قبل ثلاث جولات من النهاية، ليؤكد واحدة من أعظم المعجزات الكروية، التي قورنت بتتويج فريق "ليستر سيتي" التاريخي في إنجلترا.
السر وراء هذا الإنجاز لم يكن في الأموال أو الصفقات الكبرى، بل في هوية استثنائية داخل النادي. رئيسه أندريس غاربر، الذي ارتبط به لاعبا ومدربا وإداريا، جسد الاستقرار الذي يميز النادي، إذ يعمل الجهاز الفني والإداري معا منذ سنوات طويلة، في بيئة تشبه العائلة.
وإذا كان نادي "ثون" قد كسر لعنة الانتظار أخيرا واعتلى منصة التتويج بعد 128 عاما، فإن خريطة الكرة الأوروبية لا تزال تضم أندية عريقة تواصل مطاردة الحلم ذاته دون أن تبلغه.
وفي هذا التقرير، سنتناول عددا من هذه الأندية التي تمثل نماذج مختلفة من الصبر والطموح، والتي ما تزال تبحث عن لحظة التتويج الأولى رغم تاريخها الطويل ومكانتها الراسخة في كرة القدم.
نادي "أودينيزي كالتشيو" (Udinese Calcio) أحد أقدم الأندية الإيطالية، إذ تأسس عام 1896 في مدينة أودينزي، ويحمل لقب "البيانكونيري" نسبة إلى لونيه الأبيض والأسود.
يخوض الفريق مبارياته على ملعب "بلوانرغي ستاديوم" (Bluenergy Stadium)، وقد ارتبط اسمه عبر العقود بالاستمرارية والحضور في الدوري الإيطالي، رغم غياب الألقاب الكبرى عن خزائنه.
لقب ضائع
في سجل البدايات، يبرز ما يُعرف بـ"اللقب الضائع"، حيث تُوّج الفريق سنة تأسيسه 1896 ببطولة مصغرة حملت اسم "تورنيو إف إن جي آي" (Torneo FNGI) بعد فوزه على "فيرارا" بنتيجة 2-0، غير أن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم لا يعترف بهذا التتويج رسميا، لأنه تأسس لاحقا في عام 1898.
وفي محطة مفصلية أخرى، استقل قسم كرة القدم داخل النادي يوم 5 يوليو/تموز 1911 تحت اسم "إيه سي أودينيزي" (A.C. Udinese) وانضم رسميا للاتحاد الإيطالي، وكانت أولى مبارياته الودية آنذاك أمام "يوفنتوس" وانتهت بفوز لافت لأودينيزي بنتيجة 6-0.
وعلى مستوى الأسماء التي صنعت تاريخ النادي، يتصدر المشهد الأسطورة أنطونيو دي ناتالي، الهداف التاريخي للفريق، وقد سجل 191 هدفا في الدوري الإيطالي، و227 هدفا في مختلف المسابقات.
تميز دي ناتالي بولائه الكبير، إذ رفض عروضا مغرية من أندية كبرى مثل "يوفنتوس"، مفضلا البقاء مع أودينيزي بين عامي 2004 و2016، كما تُوّج بلقب هداف الدوري الإيطالي عامين متتاليين في 2010 و2011.
ولا يمكن الحديث عن تاريخ النادي دون التوقف عند النجم البرازيلي زيكو، الذي لعب للفريق موسمين فقط بين 1983 و1985، لكنه من أعظم المواهب التي ارتدت قميص "أودينيزي"، فقد سجل 22 هدفا في موسمه الأول ودخل في صراع تهديفي مثير مع النجم الفرنسي ميشيل بلاتيني، مما جعل مدينة أوديني حينها محط أنظار كرة القدم العالمية.
كما شهد النادي انطلاقة النجم التشيلي أليكسيس سانشيز بين 2008 و2011، إذ انفجرت موهبته وشكّل ثنائيا هجوميا مميزا مع دي ناتالي، وقاد الفريق لبلوغ منافسات دوري أبطال أوروبا قبل انتقاله إلى برشلونة.
ويبرز أيضا اسم المهاجم الألماني أوليفر بيرهوف، الذي حقق لقب هداف الدوري الإيطالي عام 1998 برصيد 27 هدفا، وهو الرقم القياسي للنادي في موسم واحد ضمن الدرجة الأولى.
يبقى أودينيزي ناديا عريقا بتاريخه وأسمائه اللامعة، لكنه في الوقت ذاته يواصل البحث عن تتويج كبير ينصف مسيرته الطويلة في الملاعب الإيطالية.
يجسد نادي "يونيون برلين" واحدة من أكثر قصص الصعود إلهاما في كرة القدم الألمانية الحديثة، إذ انتقل من ظلال الدرجات الدنيا إلى أضواء دوري أبطال أوروبا، دون أن ينجح حتى الآن في ضم ألقاب كبرى إلى خزائنه، رغم قاعدته الجماهيرية العريضة وحضوره المتنامي.
تأسس النادي عام 1906، ويتخذ من منطقة "كوبينيك" (Köpenick) في العاصمة برلين مقرا له، ويخوض مبارياته على ملعب "أن دير ألتن فورشتراي" (Stadion An der Alten Försterei)، الذي يعد رمزا للهوية الشعبية للنادي وارتباطه الوثيق بجماهيره.
وعلى صعيد المنافسات، يحتل يونيون برلين، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، المركز الثالث عشر في جدول ترتيب الدوري الألماني لموسم 2025-2026 برصيد 33 نقطة، في موسم يعكس بعض التراجع مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت قفزة نوعية في نتائجه.
ورغم تاريخه الممتد لنحو 120 عاما، لم يسبق لـ"يونيون برلين" الفوز بلقب الدوري الألماني أو كأس ألمانيا بمسماهما الحالي منذ توحيد ألمانيا، ليبقى سجله خاليا من البطولات الكبرى.
وأبرز إنجازاته وصوله إلى نهائي كأس ألمانيا عام 2001، حين كان يلعب في دوري الدرجة الثالثة، قبل أن يخسر النهائي أمام نادي "شالكه 04" بنتيجة 2-0، في واحدة من أكثر اللحظات التاريخية إثارة في مسيرته.
أما القفزة الأهم في التاريخ الحديث للنادي، فجاءت بتأهله لأول مرة إلى دوري أبطال أوروبا في موسم 2023-2024، عقب احتلاله المركز الرابع في الدوري الألماني، في إنجاز جسد رحلة صعود استثنائية من الهامش إلى قلب المنافسة الأوروبية.
ويعيش النادي مرحلة تاريخية لافتة بتعيين ماري لويز إيتا مدربة للفريق، لتصبح أول امرأة تتولى تدريب فريق رجال في أحد الدوريات الأوروبية الكبرى، في خطوة تعكس جرأة النادي واستعداده لكسر القوالب التقليدية.
وبين تاريخ طويل من التحديات وحداثة الطموح، يواصل "يونيون برلين" كتابة فصول قصة فريدة، عنوانها الإيمان والعمل بانتظار أن يتوج يوما بلقب يليق بهذه الرحلة.
نادي "برايتون وهوف ألبيون" واحد من أعرق الأندية الإنجليزية التي نسجت تاريخها على مهل، بعيدا عن منصات التتويج الكبرى، لكنه في المقابل نجح في ترسيخ مكانته باعتباره أحد المشاريع الكروية الأكثر تطورا في إنجلترا في السنوات الأخيرة.
تأسس النادي رسميا في 24 يونيو/حزيران 1901 داخل فندق سفن ستارز (Seven Stars Hotel) بمدينة برايتون، وكان امتدادا لمحاولات سابقة في المنطقة لم يكتب لها الاستمرار.
ومنذ انطلاقته، بدأ برايتون مشواره في دوري الجنوب، قبل أن ينضم إلى الدوري الإنجليزي لكرة القدم عام 1920، فاتحا صفحة جديدة في تاريخه ضمن المنظومة الاحترافية.
وعلى صعيد الحاضر، يعيش النادي مرحلة تنافسية مستقرة في الدوري الإنجليزي الممتاز، إذ يحتل حاليا المركز الثامن برصيد 50 نقطة بعد خوض 35 مباراة، في مؤشر واضح على التطور الذي شهده فنيا وإداريا في العقد الأخير.
ورغم هذا التقدم، لا يزال برايتون يبحث عن أول تتويج كبير في تاريخه، إذ لم يسبق له الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز أو كأس إنجلترا.
وأبرز لحظاته التاريخية وصوله إلى نهائي كأس إنجلترا عام 1983، في إنجاز استثنائي للنادي، وقد تعادل في المباراة الأولى 2-2 أمام "مانشستر يونايتد"، قبل أن يخسر لقاء الإعادة بنتيجة 4-0، فضاع حلم التتويج في واحدة من أكثر المباريات حضورا في ذاكرة جماهيره.
أما اللقب الوحيد الذي يزين خزائن النادي، فيعود إلى عام 1910، عندما توج بدرع الاتحاد الإنجليزي عقب فوزه على "أستون فيلا"، بطل الدوري آنذاك، بنتيجة 1-0، وهو إنجاز يظل حتى اليوم العلامة الرسمية الوحيدة في سجل بطولاته على المستوى الوطني.
وبين تاريخ طويل من المحاولات وحاضر واعد، يواصل "برايتون وهوف ألبيون" سعيه نحو كتابة فصل جديد، قد يحمل في طياته أول لقب كبير ينهي أكثر من قرن من الانتظار.
نادي "إس سي فرايبورغ" (SC Freiburg) أحد النماذج الفريدة في كرة القدم الألمانية، يجمع بين التاريخ العريق والهوية الكروية الجذابة، دون أن ينجح حتى الآن في ترجمة ذلك إلى ألقاب كبرى.
تأسس النادي رسميا في 30 مايو/أيار 1904، نتيجة اندماج ناديين محليين هما "فرايبورغر فوسبال فيرين 04″ (Freiburger Fußballverein 04) و"إف سي شوالبه فرايبورغ" (FC Schwalbe Freiburg)، في مدينة "فرايبورغ إم برايسغاو" (Freiburg im Breisgau).
ويحمل النادي لقب "برازيل بريسغاو"، وهو وصف يعكس أسلوبه الهجومي الممتع الذي اشتهر به، خصوصا في تسعينيات القرن الماضي تحت قيادة مدربه التاريخي فولكر فينكه، الذي شكّل علامة فارقة في مسيرة الفريق.
وعلى صعيد المنافسة الحالية، يحتل فرايبورغ المركز السابع في جدول ترتيب الدوري الألماني برصيد 44 نقطة بعد خوض 32 مباراة.
صورة جماعية للاعبي نادي فرايبورغ قبل مباراة نصف نهائي كأس ألمانيا أمام شتوتغارت في أبريل/نيسان 2026 (رويترز)لم يتمكن النادي حتى اليوم من التتويج بأي لقب كبير في الدرجة الأولى، سواء الدوري الألماني أو كأس ألمانيا. ويظل أفضل إنجاز له في الدوري تحقيق المركز الثالث في موسم 1994–1995، بينما اقترب من المجد في كأس ألمانيا عندما بلغ النهائي عام 2022، قبل أن يخسر بركلات الترجيح أمام "آر بي لايبزيغ" (RB Leipzig)، كما وصل إلى نصف النهائي عامي 2023 و2026.
وتبقى حقبة فولكر فينكه من أبرز الفصول في تاريخ النادي، إذ تولى تدريب الفريق بين عامي 1991 و2007، في مسيرة استثنائية امتدت 16 عاما، جعلته صاحب الرقم القياسي لأطول مدة مكثها مدرب مع ناد في تاريخ كرة القدم الألمانية الاحترافية. وظل هذا الرقم صامدا حتى عام 2023، حين تجاوزه فرانك شميت مع نادي هايدنهايم (Heidenheim).
وعلى مستوى اللاعبين، يبرز جانب لافت في تاريخ فرايبورغ، إذ ضم في صفوفه ثالث أفضل هداف في تاريخه وهو المدرب الألماني الشهير يواخيم لوف، الذي قاد منتخب بلاده لاحقا للتتويج بكأس العالم 2014. والمثير أن من يتقدمان عليه في قائمة الهدافين التاريخيين لا يزالان ينشطان في الملاعب، وهما نيلز بيترسن وفينتشينزو غريفو.
المدرب الألماني يواخيم لوف لحظة رفعه كأس العالم مع منتخب ألمانيا عام 2014 (غيتي)نادي "ريال سبورتينغ خيخون" (Real Sporting de Gijón) أحد الأسماء التاريخية في كرة القدم الإسبانية، إذ تأسس في الخامس من يوليو/تموز عام 1905 بمدينة خيخون، وظل منذ ذلك الحين ممثلا بارزا لإقليم أستورياس في مختلف المنافسات.
وعلى امتداد أكثر من 120 عاما، حافظ النادي على حضوره وهيبته، رغم أنه لم ينجح حتى الآن في التتويج بلقب الدوري الإسباني أو كأس ملك إسبانيا، وبقي في خانة الأندية العريقة التي طاردت المجد دون أن تعتنقه.
عرف الفريق، الملقب بـ"الروخي بلانكوس"، واحدة من أزهى فتراته في أواخر سبعينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، حين تحوّل إلى قوة حقيقية قادرة على مقارعة كبار "الليغا" (الدوري الإسباني).
وكانت ذروة هذا التألق في موسم 1978–1979، عندما قدم "سبورتينغ خيخون" واحدا من أعظم مواسمه، وأنهى الدوري في المركز الثاني خلف ريال مدريد، بعد صراع طويل ومثير ظل محفورا في ذاكرة جماهير ملعب "إل مولينون"، أقدم الملاعب في إسبانيا.
أنصار "سبورتينغ خيخون" مازالوا يحلمون بأول ألقاب النادي بعد 120 عاما على تأسيسه (غيتي)ولم تتوقف طموحات النادي عند حدود الدوري، بل امتدت إلى منافسات كأس ملك إسبانيا، إذ بلغ النهائي في مناسبتين متتاليتين، مؤكدا مكانته بين نخبة الأندية في تلك الحقبة.
ففي عام 1981، اصطدم بعملاق كتالونيا "إف سي برشلونة" في مباراة نهائية مثيرة، قبل أن يعود في العام التالي 1982 ليواجه ريال مدريد مجددا.
ورغم خسارته اللقب في المرتين، إلا أن الفريق خرج مرفوع الرأس، بعدما رسّخ صورته باعتباره أحد أبرز منافسي تلك المرحلة. ورغم أن السنوات اللاحقة شهدت تذبذبا في نتائج النادي بين الدرجتين الأولى والثانية، ظل "سبورتينغ خيخون" يحتفظ بقيمته التاريخية وجماهيريته الكبيرة، معتمدا على أكاديمية شبابه التي خرّجت العديد من المواهب، ومتشبثا بهويته القتالية التي ميزته عبر العقود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة