تعد ظاهرة التفاوت في مستوى اللاعب بين النادي ومنتخب بلاده من أكثر القضايا إثارة للجدل في كرة القدم الحديثة. فكثيرا ما نشاهد لاعبا يقدم مستويات استثنائية أسبوعا بعد أسبوع مع ناديه، لكنه يظهر بصورة باهتة أو غير مؤثرة عندما يرتدي قميص المنتخب. هذا التباين لا يعود غالبا إلى ضعف في جودة اللاعب، بل إلى مجموعة معقدة من العوامل التكتيكية، الذهنية، والتنظيمية.
في كرة القدم الحديثة، لا يُقاس تألق اللاعب بموهبته الفردية فقط، بل بمدى توافقه مع المنظومة التكتيكية التي ينتمي إليها. ففرق الأندية تبنى غالبا حول لاعبين محوريين، حيث يصمم المدرب النظام التكتيكي بما يخدم نقاط قوتهم ويُخفي نقاط ضعفهم، وهو ترف نادرا ما يتوفر على مستوى المنتخبات الوطنية.
إيدين هازارد يعد مثالا نموذجيا على هذا التباين. ففي تشلسي الإنجليزي، كان محور المنظومة الهجومية، تُمنح له الحرية الكاملة في المراوغة وصناعة اللعب دون تحميله أعباء دفاعية كبيرة، ما سمح له بإظهار أفضل ما لديه. أما مع منتخب بلجيكا، فكان مطالبا بأدوار دفاعية وضغط أعلى، كما لم يُبنَ النظام التكتيكي بالكامل حوله، الأمر الذي قلّل من تأثيره الهجومي وجعله أقل حسما.
وينطبق الأمر نفسه على ألكسندر لاكازيت الذي تألق مع أندية اعتمدت على تحركاته الذكية وربطه الجيد مع لاعبي الوسط. في المقابل، مع منتخب فرنسا، وُضع أحيانا في أدوار لا تخدم خصائصه كمهاجم يعتمد على اللمسة الأخيرة والتمركز، إضافة إلى غياب منظومة هجومية مصممة خصيصاً له، ما حدّ من فعاليته.
أما مواطنه أنطوني مارسيال، فقد استفاد في أوج عطائه مع مانشستر يونايتد من أدوار واضحة تسمح له بالانطلاق من الجهة اليسرى إلى العمق، مستغلا سرعته ومهاراته الفردية. غير أن مشاركاته مع المنتخب الفرنسي جاءت غالبا في أدوار مختلفة أو كبديل، ضمن منظومة لا تمنحه المساحات نفسها ولا الثقة ذاتها، فظهر بعيدا عن مستواه الحقيقي.
في هذه الحالات، لا يعكس تراجع الأداء نقصا في الجودة، بل غياب البيئة التكتيكية المناسبة، ما يؤكد أن اللاعب قد يكون ممتازاً في منظومة معينة، وعاديا في أخرى لا تُبرز خصائصه.
يلعب لاعبو الأندية معا بشكل يومي، ما يخلق انسجاما تلقائيا في التحركات والتمريرات. أما مع المنتخبات، فيجتمعون لفترات قصيرة، وغالبا دون وقت كاف لبناء تفاهم عميق.
فمثلا، ماورو إيكاردي تألق مع إنتر ميلان لأن الفريق كان مصمما لخدمته كمهاجم صندوق، مع أجنحة تمده بالكرات باستمرار. مع الأرجنتين، لم يحظ بنفس الانسجام، إضافة إلى اختلاف أسلوب اللعب، فاختفى تأثيره.
يمثّل اللعب للمنتخب الوطني عبئا نفسيا يفوق بكثير ما يواجهه اللاعب مع ناديه، فهنا لا يدافع عن ألوان فريق فحسب، بل عن هوية وطن، وتاريخ كروي، وتوقعات جماهير وإعلام لا تعرف التسامح. بعض اللاعبين يتحول هذا الضغط إلى دافع إضافي، بينما يُصيب آخرين بالشلل الذهني في اللحظات الحاسمة.
روميلو لوكاكو مثال واضح على ذلك. فرغم كونه هدافاً ثابتاً مع إنتر ميلان وأحد أكثر المهاجمين انتظاماً في أوروبا، إلا أن صورته مع منتخب بلجيكا في البطولات الكبرى ارتبطت بإهدار الفرص السهلة في لحظات مفصلية. هذه الإخفاقات، أكثر من أرقامه الفعلية، صنعت سردية جماهيرية تشكك في قدرته على الحسم دولياً، وتُظهر كيف يمكن للضغط النفسي أن يطغى على المنطق الإحصائي.
ولا يمكن الحديث عن هذا العامل دون التوقف عند غونزالو هيغوايين مع الأرجنتين. فالمهاجم الذي كان آلة تهديفية مع ريال مدريد ونابولي ويوفنتوس، تحوّل مع المنتخب إلى رمز للإخفاق في النهائيات، بعد إضاعته فرصاً حاسمة في نهائيي كأس العالم 2014 وكوبا أمريكا 2015.
تلك اللحظات، وإن لم تَمحُ مسيرته، إلا أنها اختزلتها في ذاكرة الجماهير؛ لتؤكد كيف لفرصة واحدة مهدرة تحت وطأة "القميص الوطني" أن تطغى على سنوات من التوهج في الملاعب الأوروبية.
هذا النوع من الضغوط يفسر لماذا لا يكمن الفارق بين النجاح والإخفاق دوليا في المهارة الفنية بقدر ما يكمن في الصلابة الذهنية؛ ففي كرة القدم الدولية، تُلعب المواجهات الكبرى في العقول قبل أن تُلعب بالأقدام.
في المنتخبات الكبرى، لا تكمن المشكلة في نقص الجودة، بل في وفرتها. إذ يجتمع عدد كبير من النجوم في مراكز متقاربة، ما يفرض على المدرب إعادة توزيع الأدوار، ويجبر بعض اللاعبين على الخروج من مناطق راحتهم الفنية. وبدلا من إبراز نقاط القوة الفردية، تتحول الموهبة أحياناً إلى عبء داخل منظومة جماعية صارمة.
مسعود أوزيل يعد مثالا واضحا على ذلك. ففي أرسنال، كان صانع اللعب الأول بلا منازع، تدور حوله المنظومة الهجومية، ويُمنح حرية كاملة بين الخطوط لصناعة الفرص. أما مع منتخب ألمانيا، فقد طُلب منه في فترات متعددة القيام بأدوار بدنية ودفاعية أكبر ضمن نظام يعتمد على الضغط الجماعي والانضباط التكتيكي، ما قلل من بروز لمساته الإبداعية، وجعل تأثيره أقل وضوحا في أعين الجماهير.
وينطبق الأمر ذاته على سيسك فابريغاس مع منتخب إسبانيا. فرغم كونه العقل المدبر في وسط أرسنال وأحد أفضل لاعبي خط الوسط في جيله، وجد نفسه في المنتخب محاطا بنجوم من طراز تشافي، إنييستا، وبوسكيتس.
هذا الازدحام فرض عليه أدوارا مختلفة، وأحيانا اللعب خارج مركزه الطبيعي أو كمهاجم وهمي، ما حدّ من قدرته على التحكم بإيقاع اللعب كما كان يفعل مع أنديته، وأدى إلى التقليل من تأثيره الفردي رغم مساهمته الجماعية.
في مثل هذه الحالات، لا يكون تراجع البروز الفردي دليلا على انخفاض المستوى، بل نتيجة طبيعية لتضارب الأدوار داخل منتخبات تعج بالنجوم، حيث لا يمكن للجميع أن يكونوا محور المنظومة في الوقت نفسه.
تلعب الإصابات وإدارة الجاهزية البدنية دورا محوريا في تفسير الفجوة بين أداء اللاعب مع ناديه ومنتخب بلاده. فالأندية، بحكم المتابعة اليومية، تُحسن غالبا إدارة دقائق لعب نجومها وتختار توقيت مشاركاتهم بعناية، بينما تأتي فترات التوقف الدولي في أحيان كثيرة بتوقيت غير مثالي، يفتقد فيه اللاعب للجاهزية الكاملة.
غاريث بيل يعد مثالا بارزا على ذلك. ففي فترات ذروته مع توتنهام، كان لاعبا حاسما بفضل لياقته العالية وانطلاقاته القوية. لكن مع منتخب ويلز، كثيرا ما كان يصل إلى المعسكرات وهو يعاني من إصابات متكررة أو نقص في الجاهزية البدنية، ما انعكس سلبيا على استمرارية أدائه، وجعله أقل تأثيرا مقارنة بصورته المتألقة مع ناديه.
ولا يختلف الوضع كثيرا مع نيمار دا سيلفا. فرغم موهبته الاستثنائية وتألقه اللافت مع برشلونة ثم باريس سان جيرمان في فترات محددة، إلا أن مسيرته الدولية تأثرت بشكل واضح بسلسلة من الإصابات التي كانت تتزامن غالبا مع البطولات الكبرى.
هذه الغيابات أو المشاركات غير المكتملة الجاهزية قللت من استمرارية تأثيره مع البرازيل، وفتحت باب الانتقادات، رغم أن المشكلة في كثير من الأحيان كانت بدنية أكثر منها فنية.
في هذا السياق، يصبح من الصعب الحكم على أداء اللاعب دوليا دون النظر إلى حالته البدنية وتوقيت مشاركته. فالموهبة وحدها لا تكفي عندما يكون الجسد غير قادر على مواكبة متطلبات المنافسة الدولية العالية.
من أكثر الأخطاء شيوعا في تقييم اللاعبين دوليا هو الحكم عليهم من مرحلة واحدة أو بطولة بعينها. فاللاعب، مثل أي تجربة إنسانية ورياضية، يتطور مع الوقت من حيث النضج الذهني، فهم الأدوار، وطبيعة القيادة داخل المجموعة. ومع تغير المدربين والمنظومات التكتيكية، قد يتحول لاعب من عبء على المنتخب إلى عنصر حاسم في نجاحه.
لسنوات طويلة، كان أنخيل دي ماريا عرضة لانتقادات قاسية مع منتخب الأرجنتين، واتُهم بالغياب عن المباريات الكبرى وعدم القدرة على تحمل الضغط. لكن مع تغير الجهاز الفني وتحديد دور تكتيكي واضح يناسب إمكانياته، تحول إلى أحد أهم مفاتيح اللعب، مسجلا أهدافا حاسمة في نهائي كوبا أمريكا ونهائي كأس العالم 2022، ليُعيد كتابة صورته الدولية بالكامل.
وينسحب الأمر نفسه على ليونيل ميسي، الذي عانى بدوره من سنوات من التشكيك في قدرته على تكرار إنجازاته مع برشلونة بقميص المنتخب. ورغم أرقامه الفردية، ظل يُتّهم بعدم الحسم في المباريات النهائية، إلى أن تطورت تجربته الدولية مع النضج القيادي وتغير الأدوار من نجم فردي إلى قائد جماعي.
لقد بلغ هذا التحول ذروته حين قاد الأرجنتين لاعتلاء منصات التتويج في كوبا أمريكا ثم كسب رهان المونديال؛ ليبرهن للعالم أن الزمن والسياق هما الحَكم الأعدل على مسيرة اللاعب الدولية، والفيصل الحقيقي في إنصافه تاريخيا.
في ضوء ذلك، يصبح تقييم اللاعب دوليا عملية تراكمية لا لحظية، تتطلب الصبر والفهم العميق لمسار تطوره، لا الاكتفاء بصورة متجزأة من مرحلة واحدة.
يمكن القول إن الفشل النسبي لبعض اللاعبين مع منتخباتهم لا يعني ضعفهم الفني، بل يعكس اختلاف السياق الذي يلعبون فيه.
كرة القدم لعبة منظومات بقدر ما هي لعبة مهارات فردية، واللاعب الذي يتألق في بيئة معينة قد لا يجد الظروف نفسها على المستوى الدولي. لذلك، فإن تقييم اللاعب يجب أن يكون شاملا، يأخذ في الاعتبار الدور، النظام، والظروف المحيطة، لا الأرقام وحدها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة