آخر الأخبار

كيف أصبح الضغط العكسي أحد أقوى أسلحة كرة القدم الحديثة؟

شارك

من يورغن كلوب إلى بيب غوارديولا، ومن لويس إنريكي إلى أريغو ساكي، يشترك عدد من أبرز مدربي كرة القدم في اعتماد مبدأ أعاد تعريف أخطر لحظات المباراة: لحظة فقدان الكرة. هذا المبدأ هو الضغط العكسي، أو ما يعرف اصطلاحا بـ"Gegenpressing".

مصطلح "Gegenpressing" مشتق من اللغة الألمانية ويعني حرفيا "الضغط المضاد" أو "الضغط العكسي". وتقوم فكرته الأساسية على محاولة استعادة الكرة فور فقدانها، ويفضل أن يكون ذلك في مناطق متقدمة من الملعب.

مصدر الصورة الضغط العكسي في كرة القدم الحديثة تطور بشكل لافت ليصبح حلا مثاليا للفرق الكبيرة (مواقع إلكترونية)

في ظاهره، يبدو المفهوم بسيطا: الضغط على الخصم مباشرة بعد خسارة الكرة. لكن خلف هذا التعريف المختصر، تكمن منظومة تكتيكية معقدة، تتطلب انضباطا جماعيا صارما، ووعيًا تكتيكيا عاليا، وقدرات بدنية وذهنية استثنائية. لذلك، لم يعد الضغط العكسي مجرد أسلوب دفاعي، بل فلسفة هجومية متكاملة.

المفهوم: استعادة الكرة كفعل هجومي

الضغط العكسي هو شكل خاص من الضغط يُفعّل لحظة الانتقال من الهجوم إلى الدفاع. فبدلا من التراجع لإعادة التنظيم، يُطلب من اللاعبين التحرك فورا ككتلة واحدة لمطاردة الكرة وحاملها، بهدفين متلازمين: منع الهجمة المرتدة أولا، واستعادة السيطرة على الكرة ثانيًا، ويفضّل أن يكون ذلك في مناطق متقدمة من الملعب.

يورغن كلوب لخّص هذه الفلسفة بعبارتين أصبحتا مرجعيتين في الخطاب التكتيكي:

"أفضل وقت لاستعادة الكرة هو اللحظة التي تفقدها فيها"، و"الضغط العكسي هو أفضل صانع ألعاب في العالم".

في تلك الثواني القليلة بعد فقدان الكرة، يكون الخصم في حالة ارتباك ذهني وتنظيمي؛ فقد تخلّى عن شكله الدفاعي دون أن يكون قد بنى شكله الهجومي بعد. هنا تحديدا، يصبح الضغط أكثر فاعلية، وتتحول استعادة الكرة إلى فرصة تهديفية مباشرة.

الفوضى المنظمة بدل الاستحواذ

إذا كانت "التيكي تاكا" تمثل السيطرة عبر الاستحواذ الطويل، فإن الضغط العكسي يسعى إلى السيطرة عبر ما يمكن تسميته "الفوضى المنظمة".

إعلان

الهدف لا يقتصر على قطع الكرة، بل على خنق حاملها ذهنيا، وتقليص المساحات من حوله، وقطع زوايا التمرير، ودفعه لارتكاب الخطأ في أخطر مناطق الملعب.

تعتمد هذه المنظومة على تحركات جماعية متزامنة تُعرف بـ"محفزات الضغط"، مثل اللمسة السيئة أو التمريرة غير الدقيقة. عندها، ينقضّ أقرب لاعبين على حامل الكرة، بينما يغلق الآخرون خطوط التمرير، في مشهد يشبه "الاختناق التكتيكي".

اشتهرت فرق كلوب بمحاولة استعادة الكرة خلال 5 إلى 8 ثوانٍ من فقدانها. وإذا فشل الضغط، يتراجع الفريق فورا إلى كتلة دفاعية منظمة، دون الوقوع في فوضى مفتوحة.

الجذور الفكرية: من الكرة الشاملة إلى المدرسة الألمانية الحديثة

يُنسب تطوير الضغط العكسي بصيغته الحديثة إلى المدرب الألماني رالف رانغنيك، المرجعية الفكرية الأبرز لهذه المدرسة. تعود جذور الفكرة إلى تأثره بتجربة دينامو كييف بقيادة فاليري لوبانوفسكي في ثمانينيات القرن الماضي، وهي المدرسة التي ربطت بين الضغط والعمل الجماعي والنهج "العلمي" في كرة القدم.

لاحقًا، تطورت هذه الأفكار عبر الكرة الشاملة الهولندية مع رينوس ميشيلز، ثم مع أريغو ساكي في ميلان، الذي رسّخ مفهوم الضغط الجماعي والسيطرة على المساحات. في ألمانيا، لعب فولفغانغ فرانك دورًا مهمًا في تحديث هذه المبادئ، وكان له تأثير مباشر على يورغن كلوب خلال فترة ماينز.

شروط النجاح: التنظيم قبل الضغط

لا يمكن للضغط العكسي أن ينجح دون تمركز جماعي متوازن قبل فقدان الكرة. يجب أن يلعب الفريق بمسافات قصيرة بين الخطوط، تتيح له التحرك السريع نحو الكرة، دون الوقوع في تكدّس يفقده التغطية المكانية.

العنصر الحاسم هنا هو الاستباق الذهني. على اللاعبين أن يتوقعوا فقدان الكرة قبل حدوثه، وأن يكونوا في حالة حركة مستمرة. لذلك تُولي الفرق التي تعتمد هذا الأسلوب أهمية كبيرة للتدريب على قراءة اللعب، واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية.

كما يبرز دور "لاعب الدعم"، أي اللاعب القريب من موقع الكرة القادر على تضييق المساحة فورًا وقطع زوايا التمرير، دون اندفاع فردي غير محسوب.

متى يجب إيقاف الضغط؟

الضغط العكسي ليس فوضى، بل فعل مخطط له، والانسحاب المنظم جزء لا يتجزأ من نجاحه.

تعتمد العديد من الفرق ما يُعرف بـ"قاعدة الخمس ثوانٍ". فإذا لم تُستعد الكرة خلال هذه المدة، ولم يعد الضغط ممكنا دون كسر التنظيم، يُطلب من اللاعبين التراجع فورا إلى شكلهم الدفاعي الأساسي.

اختلاف المقاربات: غوارديولا أم كلوب؟

رغم اشتراكهما في استخدام الضغط العكسي، تختلف فلسفة غوارديولا وكلوب في الهدف النهائي منه:

بالنسبة لغوارديولا، يُعد الضغط العكسي وسيلة لحماية الاستحواذ ومنع الخصم من بناء اللعب. فاستعادة الكرة السريعة تضمن استمرار الفريق في لعبته التموضعية وفي مناطق متقدمة.

أما لدى كلوب، فالضغط العكسي هو أداة هجومية مباشرة. فاستعادة الكرة في لحظة ارتباك الخصم تفتح الطريق أمام هجمات عمودية سريعة، مستغلة بقاء لاعبي الفريق في وضع هجومي.

الفرق هنا ليس في التنفيذ فقط، بل في الفلسفة، حيث يرى غوارديولا في الضغط العكسي وسيلة للسيطرة، بينما يراه كلوب وسيلة للضرب.

متطلبات بدنية ومخاطر كامنة

الضغط العكسي من أكثر الأساليب تطلبا بدنيا وذهنيا. فهو يحتاج إلى لاعبين بلياقة انفجارية عالية، وسرعة استجابة، وقدرة على الحفاظ على شدة الأداء طوال المباراة والموسم.

أحد أبرز مخاطره هو الإرهاق البدني أو ما يُعرف بالاحتراق، إضافة إلى صعوبة دمج لاعبين جدد في منظومة تعتمد على انسجام جماعي وتفاهم تكتيكي دقيق.

من دورتموند إلى ليفربول… ومن كلوب إلى فليك

في دورتموند، جعل كلوب الضغط العكسي العمود الفقري لمنظومته، ونجح في كسر هيمنة بايرن ميونخ. وفي ليفربول، حوّل فريقا بلا هوية واضحة إلى آلة ضغط عالمية، تُوّجت بدوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي.

إعلان

لاحقا، دفع هانزي فليك هذا المفهوم إلى حدوده القصوى، عبر ضغط أعنف وخط دفاع متقدم جدا، محولا الدفاع المتقدم ومصيدة التسلل إلى أدوات هيمنة هجومية، في كرة قدم عالية المخاطر لكنها شديدة الفعالية.

أثر الضغط العكسي في كرة القدم الحديثة يتجلى في كونه لم يعد خيارا تكتيكيا استثنائيا، بل جزءا أساسيا من أدوات معظم المدربين الكبار.

وفي اللعبة المعاصرة، لم يعد السؤال: كيف تدافع بعد خسارة الكرة؟ بل: كيف تهاجم في اللحظة التي تفقدها فيها؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا