كيف تتشكل موجات الحر فوق قطر؟ وما الذي يجعلها تستمر؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تبدأ موجة الحر في قطر بيوم شديد السخونة فقط، فخلف درجات الحرارة القياسية، تعمل منظومة جوية وأرضية كاملة، تتمثل في شمس قوية، وتربة جافة، وهواء يهبط من أعلى، وغيوم تكاد تختفي.
وعندما تتزامن هذه العوامل، لا تصبح الحرارة أعلى فحسب، بل كذلك أكثر قدرة على الاستمرار، وقد حاولت دراسة جديدة نشرت في دورية "ساينتفيك ريبورتس" (Scientific Reports)، تتبع هذه المنظومة على مدى 22 عاما، من عام 2003 إلى عام 2024، لتجيب عن سؤال أساسي، وهو: كيف تتشكل موجات الحر فوق قطر؟ وما الذي يجعلها تستمر؟
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 نوبل للفيزياء 2026.. هل كان عبد الرحمن الصوفي ليرى نشأة الكون؟
* list 2 of 2 العنقاء الكوكبية.. عالم جديد تشكل من بقايا نجم ميت end of list
وفي تحديدهم لموجات الحر، اعتمد الباحثون من جامعتي حمد بن خليفة في قطر والملك عبد الله في السعودية، على معيار إحصائي بسيط، وهو استمرار درجة الحرارة العظمى لمدة 3 أيام متتالية على الأقل عند مستوى استثنائي، لا تُسجل درجات حرارة مماثلة له عادة إلا خلال أشد 5% من الأيام حرارة في الفترة نفسها من السنة.
وبهذه الطريقة، رصد الفريق 32 موجة من موجات الحر القطرية، خلال الفترة المدروسة، واستمرت كل موجة بين 3 و7 أيام، وتركز معظمها بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول، مع نشاط ملحوظ في يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، لكن الرقم الأكثر دلالة ظهر عند النظر إلى السنوات واحدة تلو الأخرى، حيث ارتفع عدد موجات الحر بمعدل يقارب 0.1 موجة إضافية كل عام، وكان عام 2024 الأبرز، إذ سجل أكبر عدد من موجات الحر، إلى جانب أعلى درجات حرارة عظمى خلال فترة الدراسة.
والفرق بين الأيام العادية وأيام موجات الحر ليس بسيطا، فخلال الأيام غير المصنفة كموجات حر، تراوحت درجات الحرارة العظمى غالبا بين 37 و45 درجة مئوية، لكن أثناء موجات الحر، تصل إلى نطاق يقارب 46 إلى 49 درجة مئوية.
وعلى امتداد فترة الدراسة, رصد الباحثون ارتفاع درجة الحرارة العظمى الصيفية بنحو 0.028 درجة مئوية سنويا، كما ارتفع عدد موجات الحر نفسه بصورة أوضح، وهنا يبدأ السؤال الذي طرحه الباحثون وهو: ما الذي يجعل قطر تدخل في هذه الحالات شديدة الحرارة أصلا؟
مصدر الصورة
ليست قطر وحدها
لم يتعامل الباحثون مع قطر باعتبارها جزيرة حرارية منفصلة، فقد استخدموا تحليلا إحصائيا يسمى "تحليل الدوال المتعامدة التجريبية" لمعرفة الأنماط الأوسع لتغير درجات الحرارة في شبه الجزيرة العربية، وكشفت النتيجة أن موجات الحر في قطر جزء من منظومة إقليمية أكبر.
وأحد الأنماط الرئيسية غطى أجزاء واسعة من شمال ووسط شبه الجزيرة العربية، وفسر نحو 28.36% من التباين الحراري، وظهر نمط آخر على هيئة اختلاف بين الشمال والجنوب، بينما كشف نمط ثالث عن تغيرات أكثر محلية، برزت فيها منطقة قطر ووسط السعودية، أي أن موجة الحر في قطر قد تكون جزءا من نظام حراري يمتد عبر مساحات واسعة من الجزيرة العربية.
وخلال موجات الحر، وجد الباحثون تغيرا واضحا في توازن الطاقة على سطح الأرض، حيث ارتفع التدفق الحراري المحسوس، أي الجزء من الطاقة الذي يتحول مباشرة إلى تسخين الهواء، وانخفض في المقابل، التدفق الحراري الكامن المرتبط بالتبخر، والسبب أن التربة تصبح أكثر جفافا.
المعروف أنه عندما تتوافر المياه في التربة، يستهلك التبخر جزءا من الطاقة القادمة من الشمس، فيعمل بطريقة تشبه نظام تبريد طبيعي، لكن عندما تجف التربة، تقل المياه المتاحة للتبخر، فتتحول حصة أكبر من الطاقة إلى تسخين السطح والهواء فوقه، وهكذا تبدأ حلقة تغذية راجعة، تبدأ بتربة أكثر جفافا، ثم تبخر أقل، فحرارة محسوسة أكبر، فسطح أكثر سخونة، وأخيرا هواء أكثر حرارة.
لاعب آخر فوق سطح الأرض
غير أن الأرض وحدها لا تستطيع تفسير استمرار موجة الحر لعدة أيام، لذلك انتقل الباحثون من سطح الأرض إلى الغلاف الجوي، وهنا ظهرت إشارة واضحة، وهي أنه خلال موجات الحر، كانت السماء فوق قطر وشبه الجزيرة العربية أكثر صفاء وأقل تغطية بالسحب.
ورصد الباحثون ارتفاع شذوذ الإشعاع طويل الموجة الخارج، أو ما يعرف بـ (OLR)، وهو ما يشير إلى انخفاض الغطاء السحابي والنشاط الحملي، وهذا يعني أن المزيد من الإشعاع الشمسي يصل إلى السطح، فتصبح الأرض أكثر سخونة، والهواء فوقها أكثر حرارة.
لكن الآلية لا تتوقف عند هذا الحد، فعلى ارتفاعات أعلى، ظهرت سمة أكثر أهمية، إذ وجد الباحثون دورانا مضادا للإعصار في المستويات العليا والمتوسطة من الغلاف الجوي، مصحوبا بحركة هابطة للهواء فوق المنطقة.
ويعني ذلك، أنه بدلا من أن يصعد الهواء الساخن إلى أعلى ويساعد على تكوين السحب وتبريد السطح، كان جزء من الهواء في الغلاف الجوي يهبط إلى أسفل، وعندما يهبط الهواء، يزداد ضغطه، فيسخن بفعل الانضغاط، كما أن هذا الهبوط يحد من الحركة الرأسية للهواء، والنتيجة جو أكثر استقرارا، سحب أقل، وحبس أكبر للحرارة قرب السطح، وهنا تظهر ملامح ما تصفه الدراسة بأنه بنية شبيهة بـ"القبة الحرارية".
الحرارة محاصرة بين الأرض والجو
وعندما فحص الباحثون الغلاف الجوي رأسيا، وجدوا أن أقوى جانب من الاحترار تركز بالقرب من السطح، وكانت الزيادة تتجاوز درجتين مئويتين في الطبقة الممتدة تقريبا من 1000 إلى 850 هكتوباسكال، ثم امتد أثر الاحترار إلى مستويات أعلى، لكنه تراجع تدريجيا.
وفي المنطقة الوسطى من الغلاف الجوي ظهرت طبقة انقلاب حراري، أي طبقة يتغير فيها توزيع الحرارة بطريقة تزيد من استقرار الجو وتحد من الحركة الرأسية، وفي الوقت نفسه، كشفت البيانات عن هبوط للهواء بين نحو 600 و900 هكتوباسكال.
وبذلك تتكامل الصورة، فالأرض تسخن الهواء من الأسفل، والهواء الهابط من الأعلى يساعد على منع هذا الهواء الساخن من التشتت رأسيا، فتتراكم الحرارة في الطبقات المنخفضة.
وأشار الباحثون في دراستهم إلى وجود عنصر آخر يجعل موجات الحر أكثر جفافا، فقد وجدوا انخفاضا واضحا في نقل بخار الماء نحو قطر خلال موجات الحر.
وأظهرت بيانات نقل بخار الماء المتكامل رأسيا، أو ما يعرف بـ (IVT) نقصا في تدفق الرطوبة عبر أجزاء من بحر العرب وعُمان والإمارات وقطر.
وهذا يعني أن الغلاف الجوي فوق المنطقة يصبح أكثر جفافا، وعندما تقل الرطوبة، تقل فرص تشكل السحب والأمطار، ومع جفاف التربة أصلا، يتراجع التبخر أكثر.
ويعني ذلك أن هناك حلقة أخرى تتشكل تبدأ برطوبة أقل تتبعها سحب أقل، ثم تبخر أقل وتسخين أكبر للسطح، لتنتج موجة حر أكثر جفافا واستمرارا.
وكانت الخلاصة التي أكدت عليها الدراسة أن موجة الحر تتحول من ارتفاع مؤقت في درجة الحرارة إلى منظومة قادرة على تغذية نفسها والاستمرار لعدة أيام.
وبالنسبة لمنطقة شديدة الجفاف مثل قطر وشبه الجزيرة العربية، يصبح فهم هذه المنظومة مهما للغاية، إذ لا يفسر ما حدث خلال العقدين الماضيين فحسب، بل يوفر أساسا لتحسين التنبؤ بموجات الحر والاستعداد لتزايد مخاطرها في المستقبل.